.
.
مهزلة طوفان الأقصى الأحمق الذي أهلك صنّاعه ومموّليه
تحلّ القراءة المتأنية للمشهد السياسي والعسكري في الشرق الأوسط اليوم كاشفةً عن حجم الحماقة الاستراتيجية التي ارتكبتها حركة حماس في السابع من أكتوبر عام 2023، وهي العملية التي أطلقت عليها مسمى "طوفان الأقصى"، لكنها في الحقيقة لم تكن سوى إعصار مدمر ارتدّ على صدور صانعيها ومموليهم في طهران وضواحي بيروت ودمشق وصنعاء وبغداد. إن المتأمل في تتابع الانهيارات المتسارعة يدرك أن تلك اللحظة لم تكن نصراً عابراً كما روجت الآلة الإعلامية المضللة، بل كانت المسمار الأخير في نعش مشروع "الهلال الشيعي" وأيديولوجيا الإسلام السياسي التي اتخذت من القضية الفلسطينية مطية للوصول إلى السلطة والتمدد الإقليمي. لقد أثبتت الأيام أن الحسابات الإيرانية كانت مبنية على أوهام القوة وسوء تقدير فادح لرد الفعل الدولي والإسرائيلي، مما أدى إلى كشف الغطاء عن عجز كامل في حماية الأذرع التي استثمرت فيها طهران مليارات الدولارات على مدار عقود.
بدأت ملامح هذا الانهيار الشامل تتبدى بوضوح في تآكل قدرات حزب الله في لبنان، ذلك التنظيم الذي قُدّم لسنوات كقوة لا تُقهر وذراع طولى لإيران على المتوسط. فمن خلال الانجرار وراء مغامرة حماس، وجد الحزب نفسه في مواجهة آلة عسكرية لم تكتفِ بضرب منصاته الصاروخية، بل اجتثت قياداته التاريخية ومسحت هيبته التي بناها بالدعاية والترهيب. إن ما يشهده حزب الله اليوم ليس مجرد تراجع عسكري، بل هو إعلان رسمي عن انتهاء حقبة "المقاومة" المزعومة التي كانت تبتز الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي. ومع سقوط الحصن اللبناني، تهاوت أحجار الدومينو في دمشق، حيث وجد نظام بشار الأسد نفسه معزولاً ومجرداً من الحماية التي كان يوفرها له مقاتلو الحزب والمستشارون الإيرانيون. لقد كانت عملية "طوفان الأقصى" هي الشرارة التي عجلت بنهاية نظام الأسد، الذي لم يعد يملك مقومات البقاء بعد أن جفّت منابع الدعم العسكري واللوجستي التي كانت تمر عبر الحدود اللبنانية، مما كشف هشاشة السلطة في دمشق أمام أي تحرك داخلي أو خارجي جدي.
أما في طهران، فإن "الطوفان" المزعوم قد أغرق العاصمة الإيرانية في أزمات مركبة، حيث تبخرت أسطورة الردع الإيراني وتهاوت قدرتها على حماية وكلائها. إيران التي كانت تفاخر بالسيطرة على أربع عواصم عربية، تجد نفسها اليوم محاصرة داخل حدودها، بينما يتم تصفية ميليشياتها في العراق وسوريا واليمن واحدة تلو الأخرى. الحشد الشعبي وحركة النجباء في العراق، والحوثيون في اليمن، تحولوا إلى أهداف مستباحة للطيران والتقنيات العسكرية المتقدمة، دون أن تتمكن إيران من تقديم أكثر من الخطابات الرنانة والوعيد الذي لا يسمن ولا يغني من جوع. هذا الفشل الذريع أدى بالضرورة إلى تحطم الخرافات الأيديولوجية التي قامت عليها هذه الحركات، خاصة ما يتعلق بـ "النصر الإلهي" وعودة "المهدي المنتظر" لخوض المعارك الكبرى. لقد رأى العوام والمؤيدون كيف أن هذه القيادات التي تتاجر بالدين والخوارق تساق إلى حتوفها أو تختبئ في الخنادق، مما أحدث شرخاً عميقاً في الوجدان الجمعي للشيعة المسيسين الذين أدركوا أنهم كانوا وقوداً لمشروع سياسي توسعي لا علاقة له بالسماء.
وعلى الصعيد الفلسطيني، فقد أطلقت حماس برعونتها رصاصة الرحمة على ما كان يُسمى "خرافة الدولة الفلسطينية". إن المشاهد المروعة للإرهاب التي رافقت السابع من أكتوبر، وتغلغل الفكر المتطرف في النسيج المجتمعي والسياسي الفلسطيني، أقنعت المجتمع الدولي والقوى العظمى بأن قيام دولة فلسطينية سيكون بمثابة إنشاء قاعدة إرهابية كبرى تهدد أمن العالم واستقرار الممرات المائية والاقتصاد العالمي. لقد ترسخت القناعة بأن هذا الشعب، بقياداته الحالية وثقافته السياسية المشبعة بالتحريض، لا يستحق ولا يملك المؤهلات لبناء دولة ذات سيادة وجيش وموارد، لأنها ستتحول فوراً إلى أداة بيد القوى التخريبية. التطبيل الإعلامي الذي نراه اليوم في بعض العواصم ليس سوى ضجيج جنائزي لفكرة ماتت واقعياً على أرض غزة، حيث تحولت أحلام السيادة إلى ركام بفعل قرارات طائشة اتخذتها حفنة من الإرهابيين المرتهنين للخارج.
وفي السياق الأوسع، يمثل هذا الانهيار نهاية حقبة الإسلام كإيديولوجيا تستهدف الحكم والسلطة. لقد أثبتت تجربة حماس في غزة، وقبلها الإخوان المسلمون في دول أخرى، أن وصول هذه الجماعات إلى السلطة لا ينتج سوى الدمار والفقر والحروب العبثية. إن الفشل الذريع لمشروع حماس هو إعلان صريح عن انتهاء صلاحية الإسلام السياسي كبديل لأنظمة الحكم الحديثة. العالم اليوم بات يرى بوضوح أن هذه الحركات لا تملك مشروعاً للبناء، بل هي مجرد أدوات للهدم والتوسع القائم على تأويلات دينية متطرفة. ومع مسح حماس وحزب الله من الخارطة التأثيرية، يطوي التاريخ صفحة سوداء من استغلال الدين في الصراعات الجيوسياسية، لتبدأ مرحلة جديدة يسود فيها منطق الدولة الوطنية والمصالح المشتركة بعيداً عن أوهام الخلافة أو التمدد المذهبي الذي أهلك الحرث والنسل في المنطقة.
إن هذه النتائج التي نراها اليوم ليست سوى البداية لتصحيح مسار تاريخي انحرف لسنوات بسبب التهاون مع الإرهاب والميليشيات. لقد أدركت الدول العربية المركزية والقوى العالمية أن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق بوجود بؤر سرطانية مثل حماس والحوثيين والميليشيات الشيعية. لذا، فإن العمليات العسكرية المستمرة ليست مجرد رد فعل، بل هي عملية جراحية لاستئصال هذا الفكر من الجذور. النهاية الحتمية لهذا المسار هي شرق أوسط خالٍ من الأوهام الأيديولوجية، حيث تُدفن خرافات النصر الإلهي تحت أنقاض المخابئ والمقرات التي كانت تُحاك فيها المؤامرات ضد الإنسانية والحضارة. لقد كان "طوفان الأقصى" أحمقاً بما يكفي ليدمر كل ما بناه أعداء السلام في نصف قرن، وليثبت للعالم أن الإرهاب مهما تستر بالدين أو القضية، فإن مصيره المحتوم هو السحق تحت أقدام الحقيقة والواقع.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire