Translate

العقل المستلب: جناية التلقين المبكر وصناعة التطرف والإرهاب (مقال)

.
.
العقل المستلب: جناية التلقين المبكر وصناعة التطرف والإرهاب



تبدأ مأساة العقل في المجتمعات التي تتبنى المنظومة الإسلامية من اللحظة التي يُسلب فيها الطفل حقه الفطري في التساؤل والدهشة، ليُلقى به في آتون حلقات الحفظ والتلقين التي تستهدف جوهر ملكاته الذهنية. إن غريزة البقاء وحب الحياة هما المحركان الطبيعيان لأي كائن حي، إلا أن عملية تحفيظ القرآن للأطفال الصغار، في سن لا يدركون فيها كنه اللغة أو مقاصد النصوص، تمثل عملية اغتيال بيولوجي وفكري لهذه الغريزة. إننا بصدد منظومة تربوية تعتمد على الحشو والاجترار، مما يؤدي بالضرورة إلى تعطيل الوظائف العليا للدماغ البشري، وتحويل الطفل من مشروع إنسان مبدع ومنطقي إلى وعاء صلب مغلق، ينتظر من يملؤه بأيديولوجيات الموت والدمار.
تعتمد عملية التحفيظ في الطفولة المبكرة على استغلال مرونة الدماغ العصبية في أرقى مراحل تطورها، حيث يكون الفص الجبهي المسؤول عن التفكير النقدي والتحليل في طور التكوين. وبدلاً من تزويد هذا الدماغ الناشئ بأدوات المنطق والرياضيات والفنون التي تنمي قدرته على الربط والاستنتاج، يتم إغراقه بنصوص مسجوعة غارقة في الغموض اللغوي بالنسبة لمداركه. هذا الإغراق القسري يؤدي إلى حالة من الإشباع الذهني التي تعيق نمو التوصيلات العصبية المرتبطة بالشك والتساؤل. الطفل الذي يقضي ساعات يومه في تكرار كلمات لا يفهم معناها، يُدرب جهازه العصبي على أن "المعرفة" هي مجرد استرجاع آلي للبيانات، وليست عملية معالجة ذهنية واعية. هذا الانفصال بين الكلمة ومعناها يخلق فجوة في الوعي، حيث يتعلم الطفل قبول الغموض كأمر مقدس لا يجوز الاقتراب منه أو مساءلته.
إن الخطورة الكبرى تكمن في أن هذا التلقين يعمل كعامل تعطيل شامل لملكة التفكير المنطقي. المنطق يقوم على مبدأ الأسباب والنتائج، وعلى إمكانية إثبات الفكرة أو نفيها بناءً على الدليل المادي والبرهان العقلي. أما في حلقات التحفيظ، فإن القاعدة الذهبية هي التسليم المطلق. يتم إقناع الطفل بأن هذا النص هو الحقيقة المطلقة التي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن عجز عقله الصغير عن الاستيعاب هو دليل على قصور العقل أمام عظمة النص، وليس دليلاً على عدم ملاءمة النص لمرحلته العمرية أو حتى لمقتضيات العصر. هذه البرمجة تزرع في وجدان الطفل دون أن يشعر احتقاراً ضمنياً لعقله الخاص، وتجعله يرتاب في قدرته الشخصية على تمييز الخطأ من الصواب بعيداً عن السلطة النصية. وبمرور الوقت، يتوقف الدماغ عن محاولة تحليل ما يسمع، ويكتفي بدور المستقبل السلبي الذي يخزن المعلومات دون فحص، مما يمهد الطريق لاحقاً لقبول أي أفكار متطرفة دون أي مقاومة عقلية.
هذا الميدان الذهني المجرف من أدوات النقد يصبح التربة المثالية لزرع بذور الأيديولوجيا الإرهابية. فالإرهاب في جوهره لا يبدأ بالحزام الناسف، بل يبدأ باللحظة التي يقتنع فيها الإنسان بأن هناك "حقيقة" أسمى من حياته ومن حياة الآخرين، وأن هذه الحقيقة لا تُناقش بل تُنفذ. عندما يحفظ الطفل نصوصاً تتحدث عن الغزو، وعن تقسيم العالم إلى مؤمنين وكفار، وعن تسفيه الحياة الدنيا ووصفها بأنها متاع الغرور أو جيفة قذرة، فإنه يبني في داخله معماراً نفسياً يزدري الوجود المادي. يتم تعليمه أن النجاح الحقيقي ليس في إعمار الأرض أو الابتكار العلمي، بل في نيل "رضا الخالق" عبر طقوس ومفاهيم قد تتطلب في النهاية التضحية بالنفس. الخرافات المتعلقة بما بعد الموت، من جنات وحور عين وعذاب قبر، تُقدم للطفل كحقائق فيزيائية لا تقبل الشك، مما يجعل عالم الغيب أكثر واقعية في ذهنه من العالم الحسي الذي يعيش فيه.
إن تجميد العقل عند نصوص تعود لقرون مضت، وربط القيمة الأخلاقية بمدى القدرة على استرجاع هذه النصوص، يخلق أجيالاً تعيش حالة من الاغتراب عن العصر الحديث. هؤلاء الأطفال يكبرون وهم يحملون في رؤوسهم نماذج بطولية لشخصيات تاريخية قامت أمجادها على السيف والغزو وسبي الآخرين. بالنسبة لعقل طفل تم تعطيل قدرته على النقد، يصبح خالد بن الوليد أو عقبة بن نافع هما المثال الأعلى الذي يجب احتذاؤه. لا يرى الطفل في هؤلاء قادة عسكريين في سياق تاريخي معين، بل يراهم "مجاهدين" مقدسين يمثلون إرادة الله على الأرض. هذا التقديس للعنف التاريخي يمحو من وعي الناشئ حرمة النفس البشرية، ويجعل من القتل فعلاً مبرراً بل ومقدساً إذا كان يخدم "الفكرة". وهكذا، يتحول التعليم الديني من كونه منظومة قيمية مفترضة إلى مصنع لإنتاج إرهابيين محتملين، ينتظرون فقط اللحظة التي يظهر فيها "المحفز" الأيديولوجي ليحول مخزونهم النصي إلى فعل تدميري على أرض الواقع.
تعتمد الأنظمة السياسية والدينية التي تدعم هذه المناهج على نفاق دولي وتبرئة لغوية مستمرة، حيث يتم تصوير تحفيظ القرآن كنوع من "الحفاظ على الهوية" أو "التربية الروحية". إلا أن الحقيقة المجرّدة هي أن هذه العملية تمثل انتهاكاً صارخاً لحقوق الطفل في نمو عقلي سليم. إن حشو الدماغ بنصوص تزدري الحياة وتعلي من شأن الموت هو فعل إجرامي بحق البشرية، لأنه يغتال المستقبل في مهده. العالم الذي يغض الطرف عن هذه الممارسات تحت مسمى احترام الخصوصية الثقافية يساهم في الواقع في تسميم بئر الحضارة الإنسانية. إن تحصين المجتمعات ضد الإرهاب لا يبدأ من المطارات أو الثكنات العسكرية، بل يبدأ من طاولات الدراسة، ومن شجاعة القول بأن غريزة البقاء هي الأقدس، وأن أي نص يسفه قيمة الحياة أو يدعو لازدراء الآخر هو نص لا مكان له في عقل طفل يتطلع لاكتشاف العالم والتمتع بجماله.
في الختام، يظل تحفيظ القرآن للأطفال بالشكل التقليدي القائم على التلقين حجر عثرة أمام نشوء عقلية منطقية وعلمية في المجتمعات الإسلامية. إنه ينتج إنساناً "مهجنًا" فكرياً، يملك أدوات الحداثة تقنياً لكنه يسكن في أقبية العصور الوسطى ذهنيًا. هذا التناقض الوجودي هو ما يجعل هؤلاء الأفراد صيداً سهلاً للتنظيمات الإرهابية التي تقدم لهم "المعنى" الزائف عبر الموت. إن استعادة قدسية الحياة تبدأ بتطهير المناهج التعليمية من نماذج الإرهاب التاريخي، وبإيقاف عملية التجريف العقلي التي تتم باسم الدين، وبإعادة الاعتبار للعقل البشري كمرجعية أولى وأخيرة في الحكم على الأشياء. فبدون عقل حر ومنطقي، يظل الإنسان مجرد قنبلة موقوتة، تتحكم في صاعقها نصوص وخرافات لم يقدم عليها التاريخ سوى دليل الدم والدمار. إن المعركة الحقيقية اليوم هي معركة الوعي ضد التلقين، ومعركة الحياة ضد أيديولوجيا الفناء التي تتخفى في ثياب القداسة.




.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...