Translate

الحماقة العابرة للعصور: قراءة مادية ومقارنة عقلانية بين الإنتحاريين الحسين بن علي وجهيمان العتيبي (مقال)

.

.
الحماقة العابرة للعصور: قراءة مادية ومقارنة عقلانية بين الإنتحاريين الحسين بن علي وجهيمان العتيبي




عند إخضاع الأحداث التاريخية لمشرط التحليل المادي والعقلاني، تسقط هالات القداسة وتتفكك الأساطير لتكشف عن نمط متكرر من السلوك البشري الذي يمكن تسميته بـ "الانتحار الأيديولوجي". إن المقارنة بين خروج الحسين بن علي في القرن الأول الهجري وبين اقتحام جهيمان العتيبي للحرم المكي عام 1979، تكشف عن تماثل بنيوي في "الحماقة" السياسية والعسكرية، وفي الانفصال التام عن الواقع لصالح أوهام غيبية أو نرجسية ذاتية، أدت في الحالتين إلى سفك دماء مجاني وفشل ذريع في تحقيق أي هدف مادي ملموس.
تبدأ نقطة الالتقاء الأولى بين الحسين وجهيمان في "العمى الاستراتيجي" وفشل تقدير موازين القوى. من منظور مادي، القوة هي لغة الواقع، والحسين الذي خرج بضع عشرات من أهله لمواجهة جيش دولة نظامية، يتماثل تماماً مع جهيمان الذي تحصن في بقعة جغرافية محدودة (الحرم) محاصراً بجيوش تملك الدبابات والطيران والمدرعات. في الحالتين، نحن أمام شخصيتين قررتا تحدي "الفيزياء السياسية"؛ فالأول عوّل على "خرافة" نصر إلهي لآل البيت أو استجابة وهمية من أهل الكوفة، والثاني عوّل على "خرافة" المهدي المنتظر والبشارة النبوية بتبدل القرون. هذا الانفصال عن الواقع هو التعريف العلمي للحماقة؛ حيث يتم استبدال حسابات القوى المادية بأحلام يقظة غيبية، مما يؤدي بالضرورة إلى هلاك الفرد ومن معه.
المحرك في الحالتين هو "النرجسية الدينية" المغلفة بشعارات إصلاحية. الحسين كان يرى في نفسه "النسخة الوحيدة" الصالحة للحكم بناءً على شرعية الجينات والنسب، وهو منطق استعلائي يرفض التسليم بالواقع السياسي القائم. وبالمثل، رأى جهيمان في مجموعته "الفرقة الناجية" التي ستقوم بتجديد الدين، واختار صهره ليكون المهدي المنتظر. إن هذا "التضخم في الأنا" يجعل صاحب الحماقة يظن أن القوانين المادية لن تسري عليه، وأن دمه أو قداسة مكانه ستحميه. لكن الحقيقة المادية الصارمة في كربلاء وفي مكة أثبتت أن الرصاص والسيوف لا تميز بين "حفيد نبي" وبين "مدعي مهدوية"؛ فالمادة تحطم الأوهام دائماً في نهاية المطاف.
التشابه الصارخ الآخر يكمن في "اللامبالاة بالموت المجاني للآخرين". الحسين جرّ معه النساء والأطفال إلى ساحة معركة يعلم يقيناً (كما يزعم المدافعون عنه كالعقاد) أنه سيقتل فيها، وهو فعل يفتقر إلى المسؤولية الأخلاقية والعقلانية. جهيمان أيضاً، أدخل مئات الأتباع والنساء والأطفال إلى قبو الحرم، وتسبب في مقتل الآلاف من المصلين والمدنيين والقوات الأمنية في سبيل "خرافة" لا أصل لها. في الحالتين، يتم التعامل مع البشر كـ "حطب" لنيران الأيديولوجيا الخاصة بالقائد. إن تسمية هذا السلوك "بطولة" أو "فداء" هو تزييف لغوي يحاول منح القيمة لفعل تدميري نابع من عقلية انتحارية لا تقيم وزناً للحياة المادية.
أما النتائج، فقد كانت في الحالتين كارثية على العقل الجمعي. فعل الحسين أنتج "المظلومية الطائفية" التي لا تزال تنخر في جسد المنطقة وتغذي الإرهاب والفرقة. وفعل جهيمان أنتج "الصحوة المتشددة" وردة الفعل الدينية التي عطلت التنمية والتحديث لعقود. وكما قام كتاب مثل العقاد بتجميل "حماقة" الحسين وتحويلها إلى ملحمة، حاولت تيارات أخرى لاحقاً تجميل فعل جهيمان أو استلهام "روح الشهادة" منه. إن النفاق الثقافي والديني هو الذي يصنع من هؤلاء "الأحمقين" قدوات؛ فبدلاً من إدانة فشلهم الذريع وانفصالهم عن الواقع، يتم تقديمهم كمثاليين ضحوا بأنفسهم، في حين أن الحقيقة المادية تقول إنهم "انتحروا" وفشلوا وتسببوا في مآسي بشرية لا مبرر لها.
إن العقلانية المادية تقتضي منا أن نضع الحسين وجهيمان في خانة واحدة: خانة "الهوس الديني" الذي يتحدى المنطق. فالحرم المكي الذي انتهكت حرمته بالدم والرصاص عام 1979 هو امتداد لمنطق "الخروج" الذي أسسه الحسين؛ منطق يرى أن "الرؤية الخاصة" للفرد أو الجماعة فوق استقرار المجتمع وفوق دماء الأبرياء. وكما انتهت مغامرة الحسين تحت حوافر الخيول، انتهت مغامرة جهيمان تحت جنازير الدبابات والغازات الكيميائية. إن التاريخ المادي لا يحترم "المقدسات" إذا ما اصطدمت بالقوة، والحماقة تظل حماقة سواء وقعت في القرن الأول أو القرن الرابع عشر الهجري. إن الدرس الوحيد الذي يجب استخلاصه هو أن المبادئ التي لا تحترم قوانين المادة ولا تحمي حياة الإنسان هي أوهام سامة، وأن تمجيد "الأبطال الانتحاريين" هو الضمان الأكيد لاستمرار إنتاج نسخ جديدة من جهيمان ومن الحسين، تواصل العبث بمستقبل الشعوب واستقرارها.





.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...