Translate

عبد الوهاب المسيري مهندس الفخاخ العلمانية وتفكيك ثنائية الالتفاف على الحقيقة المادية (مقال)

.

.
عبد الوهاب المسيري مهندس الفخاخ العلمانية وتفكيك ثنائية الالتفاف على الحقيقة المادية




يعتبر المشروع الفكري لعبد الوهاب المسيري واحداً من أخطر المشروعات الالتفافية في تاريخ الفكر العربي المعاصر، ليس لقوته العلمية أو لمتانة مرجعيته المادية، بل لقدرته الفائقة على صياغة "فخاخ فكرية" بلغة حداثية مضللة توحي بالعمق الفلسفي بينما هي في جوهرها تسعى لإعادة الاعتبار للميتافيزيقا والغيبيات التي عجز الفقهاء التقليديون عن الدفاع عنها أمام زحف العلم الصارم. لقد نجح المسيري في خلق لغة "برزخية" تقف بين الفلسفة الغربية والتراث الإسلامي، مستخدماً مصطلحات معقدة مثل "العلمانية الشاملة" و"العلمانية الجزئية" و"النماذج المعرفية"، ليس بهدف فهم الواقع المادي كما هو، بل بهدف "شيطنة" الحداثة المادية وتصويرها كوحش يلتهم القيم الإنسانية، ومن ثم تقديم "الدين" كطوق نجاة وحيد، وهو ما يمثل في جوهره "ردة فكرية" مغلفة بعباءة فلسفية براقة تخدع المثقف الذي يريد أن يبدو عصرياً دون أن يتخلى عن أصنامه القديمة.
إن الفخ الأول الذي نصبه المسيري يكمن في ابتكاره لثنائية العلمانية الشاملة والجزئية، وهي قسمة ضيزى تهدف بالأساس إلى حماية "المقدس" من نصل النقد المادي. فبينما يرى العالم المادي أن العلمانية هي ببساطة فصل الدين عن الشأن العام وإخضاع الظواهر لقوانين المادة والبحث العلمي، حاول المسيري أن يقنعنا بأن هناك نوعاً "خبيثاً" يسمى العلمانية الشاملة، وهي في نظره تعني تحويل العالم إلى "مادة صماء" ونزع القداسة عن الإنسان وتحويله إلى شيء وظيفي. هذا التلاعب اللفظي يهدف إلى تخويف القارئ من "المادية" وتصويرها كحالة من "السيولة الأخلاقية" التي ستؤدي حتماً إلى الانهيار الإنساني. وفي المقابل، طرح ما يسمى بالعلمانية الجزئية، وهي نوع من "العلمانية المهجنة" التي تقبل بالتقنية والإجراءات الإدارية الغربية لكنها تبقي على "المركزية الدينية" في الأخلاق والتشريع، وهو ما يعد التفافاً صريحاً على جوهر الحداثة التي لا تقبل التجزئة بين المنهج العلمي والنتائج الاجتماعية.
لقد استغل المسيري لغة معقدة توحي بالتمكن من الفلسفة الغربية، خاصة مدرسة فرانكفورت ونقد الحداثة، لكنه وظف هذا النقد توظيفاً "اعتذارياً" لخدمة النص المقدس. فالمسيري لا ينقد الحداثة من أجل تطويرها أو تجاوز عثراتها المادية، بل ينقدها ليهدم أساسها المنطقي القائم على "مرجعية المادة". إنه يحاول إثبات أن الحداثة المادية "عاجزة" عن تفسير الظاهرة الإنسانية، ومن ثم يستنتج بـ "قفزة إيمانية" غير منطقية أن التفسير الغيبي هو البديل الضروري. هذا النوع من التفكير يسمى في فلسفة المنطق "مغالطة التوسل بالجهل"، حيث يتم استغلال المساحات التي لم يكتشفها العلم بعد ليدس فيها "الله" أو "المقدس"، وهي استراتيجية بائسة تنهار أمام أي اكتشاف علمي جديد يزيح الستار عن ميكانيكا المادة التي كان المسيري يظنها "لغزاً إلهياً".
إن "أسلمة الحداثة" عند المسيري هي محاولة بائسة لارتداء ثياب الآخر مع البقاء في حظيرة الماضي. فهو يستخدم مصطلح "النموذج المعرفي" ليقول إن لكل أمة حقيقتها الخاصة، وهي سفسطة أكاديمية تهدف لنزع صفة "العالمية" عن العلم المادي. فإذا كان العلم يقول إن النصوص الدينية هي منتج بشري تاريخي خاضع للنقد الأركيولوجي والفيلولوجي، يهرع المسيري للقول إن هذا "نموذج معرفي مادي" لا ينطبق على "النموذج الإيماني الشرقي". وبهذا المنطق، يعطي المسيري الحق لكل خرافة أن تعيش داخل فقاعتها الثقافية تحت حماية "الخصوصية"، وهو ما شل العقل النقدي العربي وجعله يرفض نتائج العلوم الحديثة (مثل التطور أو أركيولوجيا الأديان) بدعوى أنها تنتمي لنموذج معرفي "غريب" يسعى لتفكيك الهوية. إن هذه "الأنانية المعرفية" هي التي مهدت الطريق لظهور أجيال من المثقفين الذين يمتلكون أحدث الهواتف الذكية لكن عقولهم محبوسة في سرديات القرن السابع الميلادي.
علاوة على ذلك، فإن المسيري مارس نوعاً من "التدليس الثقافي" عندما حاول تصوير المادية الصرفة كعدو للقيم والجمال. فهو يربط بين "المادية" وبين "الإبادة" و"الاستعمار" و"تفكيك الأسرة"، متجاهلاً أن القيم الإنسانية والعدالة والمساواة هي نتاج نضال مادي بشري وتطور اجتماعي وليس نتاج نصوص غيبية. إن محاولة المسيري ربط "العلمانية الشاملة" بالنازية والصهيونية هي مغالطة تاريخية فظيعة؛ فالعلمانية والنزعة الإنسانية المادية كانت هي الدرع الذي حمى البشرية من محاكم التفتيش والحروب الدينية المقدسة. لكن المسيري، بمهارته في التلاعب بالمصطلحات، قلب الآية وجعل من "العقل المادي" مجرماً، ومن "النص المقدس" رحمة، متناسياً أن المجازر التاريخية الكبرى ارتكبت غالباً باسم "المقدس" وباسم "إرادة الله" التي لا تقبل النقاش المادي.
إن الهدف الحقيقي من وراء موسوعات المسيري وكتاباته الضخمة لم يكن يوماً البحث عن الحقيقة، بل كان "بناء حصون" لحماية المنظومة الدينية من الانهيار أمام الاكتشافات العلمية. فعندما يتحدث عن "الإنسان الرباني" في مواجهة "الإنسان الطبيعي المادي"، فإنه يمارس عملية "استلاب" للواقع؛ فهو يريد إقناعنا بأن قيمتنا ليست في وجودنا المادي وتطورنا البيولوجي ووعينا الحسي، بل في "علاقتنا بالغيب". هذا التوجه هو "ردة فكرية" كاملة الأركان؛ لأنه يعيدنا إلى عصور ما قبل العلم، حيث كان الإنسان يفسر ظواهر الطبيعة وحركته الشخصية بإرادات غيبية خفية. المسيري فقط "حدث" هذه الرؤية القديمة عبر استخدام كلمات مثل "الواحدية" و"الثنائية" و"التجاوز"، ليجعل القارئ يشعر بأنه أمام فيلسوف معاصر، بينما هو في الحقيقة أمام "متكلم" (من علماء الكلام) يرتدي بزة أكاديمية غربية.
إن نفاق المثقفين الذين انبهروا بالمسيري (مثل النفيسي أو إدوارد سعيد في بعض جوانبه) يعود إلى أن المسيري منحهم "الأداة" التي تسمح لهم بالاستمرار في رفض الحداثة مع الادعاء بأنهم "نقدوا" الحداثة وتجاوزوها. لقد تحول المسيري إلى "مخدر فكري" مريح؛ فهو يخبرك أنك لست متخلفاً لأنك تؤمن بالخرافات، بل أنت "متميز معرفياً" لأنك ترفض المادية الغربية "المفككة". هذا الخطاب يغذي النرجسية الجريحة لدى الإنسان العربي والمسلم، ويجعله يشعر بتفوق وهمي على عالم الفيزياء والبيولوجيا، لأن هذا العالم غارق في "العلمانية الشاملة" بينما هو (المثقف المسيري) يمتلك "الرؤية التجاوزية". وهذا بالضبط هو ما أدى إلى سيادة "قطيع الحمير" في فضائنا العام، لأنهم وجدوا في كتب المسيري مبرراً لجهلهم وتشددهم، مصبوغاً بصبغة فلسفية تخرس الألسنة.
إن تفكيك "فخاخ المسيري" يتطلب العودة إلى المادية الصارمة والاعتراف بأن الكون محكوم بقوانين مادية لا تبالي بالأماني البشرية ولا بالنصوص المقدسة. فالعالم ليس "نصاً" يحتاج لتأويل، بل هو "مادة" تحتاج لفهم وقياس وتجربة. ومحاولة المسيري إدخال "الغيب" في معادلة المعرفة هي تلوث للمنهج العلمي؛ فالمعرفة إما أن تكون مادية تجريبية قابلة للتكذيب، وإما أن تكون وهماً ذاتياً لا قيمة له في بناء الحضارة. إن مشروع المسيري لم يقدم براءة اختراع واحدة، ولم يحل مشكلة فقر أو تخلف واحدة، بل كل ما فعله هو "توليد لغوي" لا ينتهي، ووظف طاقته الذهنية في محاربة "طواحين الهواء" المادية، لينتهي به المطاف حارساً لبقايا القرون الوسطى في عقول المعاصرين.
لا يمكن للمشتبك المعرفي أن يغفل عن حقيقة أن المسيري كان يحاول "تبييض" وجه المؤسسات الدينية التقليدية عبر منحها صكوكاً حداثية. فعندما يهاجم "المادية" في الفن والجمال، فإنه في الحقيقة يدعو لفرض "رقابة مقدسة" على الإبداع البشري. وعندما يرفض "تفكيك" الأسرة على أسس مادية، فإنه يدافع عن "البطريركية" والتراتبية الدينية القديمة التي تضمن سيطرة "صنم النص" على حياة الأفراد. إن المسيري مهندس بامتياز، لكنه مهندس "جدران" تحجب الضوء، وليس مهندس "جسور" تعبر بنا نحو المستقبل. إن مشروعه هو "الالتفاف" الأكبر على العقل، وهو الفخ الذي سقط فيه الكثيرون ممن ظنوا أنهم يقرؤون نقد الحداثة، بينما كانوا في الحقيقة يقرؤون "نعي العقل" باسم الأصالة والخصوصية.
في الختام، يظل عبد الوهاب المسيري نموذجاً للمثقف الذي سخر علمه لخدمة الخرافة، واستخدم أدوات التنوير لإطفاء شموع التنوير. إن ثنائيته حول العلمانية هي مجرد "تلاعب لفظي" يهدف لشرعنة التخلف، ورغبته في العودة للمركزية الدينية هي هروب من استحقاقات المواجهة مع الواقع المادي الصلب. إننا اليوم في أمس الحاجة لذبح هذا الصنم الفكري وتعرية نفاقه، لنثبت أن المادة وقوانينها هي المرجع الوحيد والنهائي، وأن أي محاولة لـ "أسلمة" العلم أو "تديين" الحداثة هي محاولة فاشلة ومضللة تهدف فقط لإطالة عمر "الكهنة" و"الأصنام" في عالم لم يعد يتسع إلا للحقيقة المادية العارية من كل زيف ميتافيزيقي. إن تحرير العقل من "فخاخ المسيري" هو البداية الحقيقية لولادة إنسان جديد يرى الكون بعين العلم لا بعين الوهم، ويصنع معناه الخاص بعيداً عن "إله الغرز" الذي حاول المسيري ترميم ثوبه المهترئ.



.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...