.
.
نقاط تحوّل إرهابيّة: مقارنة بين جريمة طوفان الأقصى وجريمة 11 سبتمبر 2001
يمثل التاريخ البشري سلسلة من الأحداث المتلاحقة، لكن ثمة لحظات فارقة تعمل كفواصل زمنية حادة، تقسم عمر العالم إلى ما قبلها وما بعدها، وتعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام ألفين وواحد في الولايات المتحدة، وعملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر عام ألفين وثلاثة وعشرين، من أبرز هذه المنعطفات التي تجاوزت في أثرها حدود الجغرافيا الضيقة لتصيغ نظاماً عالمياً جديداً وتغير من مفاهيم الاستراتيجية والأمن القومي. إن المقارنة بين هذين الحدثين لا تنبع فقط من كونهما هجمات مباغتة استهدفت مدنيين وأربكت حسابات دول كبرى، بل لأن كلاً منهما كان بمثابة انتحار سياسي وأخلاقي لتنظيمات إرهابية توهمت القدرة على كسر موازين القوى الدولية، فأفرزت نتائج عكسية أدت إلى استئصال هذه التنظيمات وتغيير النظرة العالمية لمفهوم الدولة والدين والمقاومة المزعومة.
على الصعيد السياسي والدبلوماسي، أحدثت هجمات سبتمبر تغييراً جذرياً في العقيدة العسكرية الأمريكية، حيث انتقلت من سياسة الردع التقليدي إلى مبدأ الضربات الاستباقية وتغيير الأنظمة التي ترعى الإرهاب، وهو ما تجلى في غزو أفغانستان والعراق. وبالمثل، نجد أن طوفان الأقصى قد أنهى تماماً حقبة الاحتواء أو التعايش مع التنظيمات المسلحة في المنطقة العربية، حيث أدرك المجتمع الدولي أن بقاء كيانات مثل حماس وحزب الله والميليشيات المرتبطة بإيران يمثل تهديداً وجودياً للاستقرار العالمي وليس فقط للأمن الإقليمي. لقد أعاد السابع من أكتوبر صياغة التحالفات الدولية، فبتنا نرى اصطفافاً عالمياً ضد فكر الإخوان المسلمين والتشيع السياسي المسلح، مع تراجع القبول الدبلوماسي لأي فصيل يحمل السلاح خارج إطار الدولة الوطنية، مما جعل فكرة الدولة الفلسطينية في نظر الكثير من صانعي القرار العالمي مرادفة لإنشاء كيان إرهابي يشكل خطراً مستداماً على الممرات المائية والاقتصاد الدولي.
وفي مضمار العلاقات الدولية، أعقب الحادي عشر من سبتمبر تشكيل تحالف دولي واسع لمحاربة الإرهاب، مما عزز الهيمنة الأمريكية لسنوات طويلة تحت شعار الأمن العالمي، بينما أدى طوفان الأقصى إلى كشف هشاشة محور ما يسمى بالمقاومة الذي تقوده إيران. لقد أثبتت التداعيات أن هذا المحور، رغم خطاباته الرنانة، عاجز عن حماية أعضائه عند المواجهة الحقيقية، مما أدى إلى انهيار تدريجي في نفوذ طهران في عواصم عربية مثل بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء. الدبلوماسية الدولية اليوم لم تعد تتحدث عن تسويات سياسية مع هذه الأطراف، بل عن تفكيك بنيتها التحتية وتجفيف منابع تمويلها، وهو تحول يشبه الطريقة التي تم بها عزل نظام طالبان وتنظيم القاعدة دولياً، مما يعكس اقتناعاً عالمياً بأن الحوار مع الفكر الراديكالي الذي يستهدف إبادة الآخر هو مضيعة للوقت واستنزاف للموارد.
أما من الناحية الاقتصادية، فقد تسببت هجمات سبتمبر في خسائر هائلة لقطاع الطيران والتأمين والأسواق المالية العالمية، مما استدعى إعادة هيكلة شاملة للنظام المالي لمنع غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. وفي المقابل، نجد أن طوفان الأقصى قد وجه ضربة قاضية للاقتصادات الهشة في الدول التي تسيطر عليها الميليشيات، فلبنان واليمن وغزة باتوا يعانون من دمار اقتصادي لا يمكن التعافي منه في المدى المنظور، ليس فقط بسبب الحرب، بل بسبب هروب الاستثمارات واليقين الدولي بأن هذه المناطق غير صالحة للنشاط الاقتصادي المستقر. إن تكلفة المغامرات العسكرية غير المحسوبة أدت إلى إفقار شعوب كاملة، وهو ما عزز القناعة لدى القوى الاقتصادية الكبرى بأن استقرار المنطقة يمر بالضرورة عبر القضاء على هذه التنظيمات التي تتخذ من الفوضى بيئة للاستثمار والنمو.
وفي الجانب الفكري والاجتماعي، أطلقت أحداث سبتمبر موجة من النقاشات حول الإسلاموفوبيا وتصادم الحضارات، لكنها في الوقت نفسه دفعت المجتمعات الإسلامية نحو مراجعة نقدية للفكر الجهادي. وبصورة أكثر حدة، أدى طوفان الأقصى إلى سقوط الأقنعة عن أيديولوجيا الإسلام السياسي المتمثلة في الإخوان المسلمين والشيعة الثوريين، حيث رأى العالم والشارع العربي كيف تُضحي هذه التنظيمات بالشعوب والمدنيين من أجل أجندات خارجية ومكاسب سلطوية ضيقة. لقد تلاشت خرافات "النصر الإلهي" و"التمكين" تحت وطأة الدمار الذي طال الأبرياء نتيجة قرارات طائشة، مما أدى إلى كفر شريحة واسعة من المجتمعات بهذه الأيديولوجيات التي تستثمر في الموت بدلاً من الحياة، وبات هناك توجه متزايد نحو الدولة المدنية التي تفصل بين المعتقد الديني وممارسة السياسة، وهو تحول فكري يعد الأهم منذ قرون في المنطقة.
وعلى مستوى الجيوش والتكنولوجيا العسكرية، كانت هجمات سبتمبر هي الدافع لتطوير تقنيات المراقبة الجماعية، والطائرات بدون طيار، والذكاء الاصطناعي في تتبع الأفراد. طوفان الأقصى دفع بهذا التطور إلى آفاق أبعد، حيث رأينا استخداماً غير مسبوق للتقنيات السيبرانية، واختراق شبكات الاتصال الخاصة بالميليشيات مثل واقعة أجهزة اللاسلكي في لبنان، والاعتماد الكلي على المعلومات الاستخباراتية الدقيقة في تصفية قيادات الصف الأول في غزة وبيروت. لقد تغيرت عقيدة القتال من الحروب التقليدية إلى حروب جراحية تستهدف الرؤوس المدبرة والقدرات النوعية، مما جعل الميليشيات التي تعتمد على الكثافة البشرية أو الانفاق والأسلحة التقليدية تبدو بدائية وعاجزة أمام التفوق التكنولوجي، وهو درس عسكري سيعاد تدريسه في الأكاديميات الحربية لعقود قادمة.
إن النتيجة الحتمية لهذه التحولات هي نهاية حقبة الجماعات المسلحة التي تبتز العالم باسم الدين أو القضية. فكما أدت هجمات سبتمبر إلى تشتيت القاعدة وقتل قياداتها، فإن طوفان الأقصى يكتب الفصل الأخير لنظام بشار الأسد، ووجود حزب الله كقوة عسكرية، ونفوذ حماس في غزة، وتمدد الحوثيين في اليمن. العالم بات أكثر قناعة بأن السماح بنمو هذه الأورام السرطانية كان خطأ تاريخياً، وأن الوقت قد حان لاستعادة سيادة الدول الوطنية القوية التي تلتزم بالقانون الدولي وتحمي شعوبها من أوهام المغامرين. لقد كان طوفان الأقصى في حقيقته طوفاناً جرف معه كل الشعارات الزائفة والخرافات المذهبية، ليترك المنطقة أمام خيار واحد هو السلام القائم على القوة، والتنمية القائمة على العلم، بعيداً عن أيديولوجيات الموت التي أهلكت صنّاعها ومموّليها قبل غيرهم.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire