.
.
جغرافيا الوهم: مكة بين الصمت الأركيولوجي والتلفيق الأموي
تمثل الجغرافيا في البحث التاريخي المادي القاعدة الصلبة التي تقوم عليها صدقية الروايات؛ فالحجر والنقش والخرائط المعاصرة للحدث لا تحابي أحداً ولا تخضع لأهواء المفسرين أو طموحات الأيديولوجيين. وعند إخضاع مسرح الأحداث الإسلامي المبكر لمشرط النقد المادي، نجد أنفسنا أمام فجوة معرفية هائلة تفصل بين "مكة التراثية" بوصفها مركز العالم وبؤرة التجارة الكونية، وبين "مكة التاريخية" التي يطبق عليها الصمت الأركيولوجي المطبق في كافة السجلات العالمية المزامنة لظهور الإسلام المفترض. إن هذا الغياب ليس مجرد تفصيل ثانوي يمكن تجاوزه، بل هو خلل بنيوي يضرب في صميم الرواية الرسمية ويفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات مادية حول حقيقة المكان الذي شهد ولادة هذا النص، وحول الكيفية التي تمت بها صناعة "المكان المقدس" بأثر رجعي لخدمة أغراض سياسية وسلطوية محضة.
تبدأ إشكالية مكة من صمت الخرائط والسجلات الجيوسياسية للقوى العظمى في أواخر العصور القديمة؛ فبالنظر إلى خرائط الجغرافي الشهير بطليموس في القرن الثاني الميلادي، أو السجلات التجارية والضريبية البيزنطية والساسانية التي كانت ترصد بدقة كل ممر تجاري وقافلة تعبر الجزيرة العربية، نجد غياباً تاماً لاسم مكة. الرواية التراثية تدعي أن مكة كانت محطة رئيسية في طريق البخور والتوابل بين اليمن والشام، ولكن المنطق المادي يخبرنا أن أي مركز تجاري بهذا الحجم لابد أن يترك أثراً في حسابات التجار أو تقارير الجواسيس أو حتى في النقوش الصخرية التي ملأ بها المسافرون شعاب الجزيرة. المثير للدهشة هو أن نقوش "المسند" الحميرية والسبئية، التي أرخت لحملات عسكرية كبرى في قلب الجزيرة العربية وصراع القوى بين الأحباش والفرس، تذكر مدناً وقرىً صغيرة في الحجاز واليمامة ونجد، لكنها لا تذكر مكة إطلاقاً كمركز ديني أو سياسي. هذا الصمت التاريخي المطبق يلقي بظلال من الشك الكثيف على ادعاءات "القرآنيين" والتقليديين بأن مكة كانت "أم القرى" ومركزاً عالمياً للحج قبل الإسلام؛ إذ كيف لمركز كوني بهذا الثقل أن يمر دون أن تلاحظه عين مؤرخ أو قلم تاجر أو ريشة رسام خرائط طوال سبعة قرون؟
هذا الغياب المكاني يتصل بشكل عضوي بلغز "القبلة" الأولية، وهو اللغز الذي كشفت عنه الدراسات الأركيولوجية الحديثة للمساجد الأموية المبكرة. فمن منظور مادي، اتجاه المحراب في المساجد التي بنيت في القرن الأول للهجرة يمثل بوصلة سياسية وجغرافية لا تكذب. تشير البيانات المسحية لعدد كبير من هذه المساجد في العراق والأردن والشام إلى أن محاريبها لم تكن تتجه نحو مكة في الحجاز، بل كانت تشير بدقة لافتة نحو مدينة البتراء في جنوب الأردن. هذا المعطى الأركيولوجي يطرح فرضية "التهجير السياسي" للدين؛ حيث يبدو أن النواة الأولى للإسلام كانت ديناً "شمالياً" نشأ في بيئة نبطية أو سريانية قريبة من مراكز الثقافة الهلنستية واليهودية-المسيحية. إن انتقال الثقل الديني من البتراء (أو أي مركز شمالي آخر) إلى مكة في الحجاز لم يكن وحياً من السماء، بل كان مناورة سياسية بارعة قادها الأمويون أو الزبيريون لاحقاً لخلق مركزية دينية بعيدة عن متناول الإمبراطورية البيزنطية، ولتأسيس هوية "عربية" محضة تكون مكة هي قلبها النابض بعيداً عن صراعات الشمال التي كانت تهدد استقرار الخلافة الناشئة.
وعندما ننتقل من فحص الأرض إلى فحص "النص"، نجد أن القرآن نفسه يبدو كـ "نص مغترب" عن البيئة الحجازية الجافة. فالمادية التاريخية تقتضي أن النص هو انعكاس لبيئة منتجه، ولكن القرآن يفيض بإشارات بيئية وزراعية لا تنتمي لصحراء مكة القاحلة التي وصفت بأنها "وادٍ غير ذي زرع". فالنص يتحدث بكثافة عن الزيتون، والرمان، والتين، والأعناب، وهي محاصيل تتطلب مناخاً متوسطياً وتربة خصبة تتوفر في الشام وشمال الجزيرة، ولا يمكن لها أن تنمو في حرارة مكة اللاهبة قبل اختراع البيوت البلاستيكية. كما أن الإشارات المتكررة لصيد البحر، والسفن التي تجري في البحر كالأعلام، واللؤلؤ والمرجان، وصراع الروم والفرس القريب، كلها توحي ببيئة ساحلية أو قريبة من حوض المتوسط أو البحر الميت، وليست بيئة محصورة في جبال الحجاز الوعرة. هذا "الاغتراب البيئي" يؤكد أن النص القرآني تشكل في حاضنة ثقافية وجغرافية مختلفة تماماً عن تلك التي رسمها الخيال التراثي لاحقاً، وأن عملية "إسقاط" هذا النص على جغرافيا مكة كانت فعلاً قسرياً استهدف توطين الدين في عمق الصحراء العربية لضمان استقلاله السياسي.
إن صناعة "المكان المقدس" في مكة كانت ضرورة وجودية لتثبيت شرعية الخلافة الأموية ومن بعدها العباسية. فمن منظور سوسيولوجي مادي، تحتاج أي إمبراطورية ناشئة إلى "فاتيكان" خاص بها، مركز يمنحها الشرعية المطلقة ويجعل الرعية يرتبطون بمركز جغرافي واحد يسهل التحكم فيه وتوجيه الولاء نحوه. لقد قام الأمويون، وخاصة في عهد عبد الملك بن مروان، بعملية "تلفيق جغرافي" كبرى؛ حيث تم نقل القصص والأحداث المرتبطة بـ "المسجد الحرام" و"الكعبة" من مواقعها الأصلية المفترضة في الشمال إلى موقع مكة الحالي. تم بناء المسجد الحرام في مكة، وجُلبت الحجارة، ورُسمت المناسك، وصيغت "السيرة النبوية" لتجعل من هذا الموقع الصامت تاريخياً مسرحاً لأعظم حدث كوني. هذه الصناعة لم تكن مجرد فعل ديني، بل كانت "هندسة مكانية" تهدف لقطع الطريق على المنافسين السياسيين وتوحيد الأمة تحت "قبلة واحدة" تضمن مركزية السلطة في دمشق أو بغداد لاحقاً.
القرآنيون، في محاولتهم لإنقاذ النص من هذا الصمت الأركيولوجي، يقعون في فخ السفسطة اللغوية؛ فبدلاً من مواجهة غياب الدليل المادي، يبدأون في ابتكار معانٍ باطنية لكلمة "مكة" أو "بكة"، مدعين أنها حالة روحية أو موقع رمزي. لكن المنطق المادي لا يقبل الرموز كبديل عن الحقائق؛ فإذا كان القرآن يصف معارك، وقبائل، وحجاً، وتجارة، فلابد أن لهذه الأمور وجوداً مادياً ملموساً. إن فشل القرآنية في تقديم تفسير مادي مقنع لغياب مكة من السجلات التاريخية يعزز فكرة أن المنظومة بأكملها هي "بناء أيديولوجي" تم تشييده بعد وقوع الأحداث بقرون، ليعطي شرعية تاريخية لسلطة راهنة. إن مكة، بهذا المعنى، هي "جغرافيا وهمية" تم ملؤها بالمعنى والقداسة عبر تدوين السيرة والأحاديث في العصور العباسية المتأخرة، لتصبح الحقيقة الوحيدة التي لا يجرؤ أحد على التشكيك فيها.
في الختام، يظهر النقد المادي لمسرح الأحداث الإسلامي أننا لا نتعامل مع وقائع تاريخية صلبة، بل مع "تراكم أسطوري" تمت هندسته بعناية لخدمة مشروع الدولة الإمبراطورية العربية. إن الصمت الأركيولوجي لمكة ليس ثغرة عابرة، بل هو الدليل القاطع على أن الرواية الدينية هي "تلفيق سياسي" بامتياز. إن تحرير العقل العربي يبدأ من إدراك أن "المقدس" ليس حقيقة سماوية هبطت في مكان محدد، بل هو "منتج بشري" تمت صناعته وتوطينه جغرافياً لضبط الجماهير وتثبيت كراسي الحكم. وعندما تسقط قدسية المكان أمام معطيات العلم والأركيولوجيا، يسقط معها "وهم المرجعية" التي كبلت العقل لقرون، ليصبح الإنسان قادراً على النظر إلى التاريخ بوصفه صراعاً للمصالح والمادة، لا مسرحاً لتدخلات الغيب وخوارق العادات في وديان وهمية لم تعرفها خرائط البشر.
.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire