.
.
تهافت الأسطورة وتحليل الانتحار السياسي: نقد العقل المادي لظاهرة الحسين بن علي ومغالطات الموروث
إن القراءة الفاحصة لتاريخ الحسين بن علي، بعيداً عن هالات القداسة التي أضفاها الموروث الشيعي والسني على حد سواء، تكشف عن فجوة هائلة بين الواقع المادي الملموس وبين البناء الأسطوري الذي شيده "سدنة المعبد" عبر القرون. من وجهة نظر مادية وعقلانية، لا يمكن قراءة خروج الحسين إلا بوصفه فعلاً يفتقر إلى أبسط مقومات المنطق السياسي والعسكري، بل هو في حقيقته تجسيد للحماقة الانتحارية التي يتم تغليفها اليوم بعبارات "الفداء" و"الكرامة" لتبرير فشل ذريع في تقدير موازين القوى. إن استمرار الشيوخ والمؤسسات الدينية في شحن عقول الجماهير بهذه السيرة كقدوة ومثال، ليس إلا عملية تدجين فكري تهدف إلى تقديس الهزيمة وتحويل العجز المادي إلى انتصار وهمي غيبي، وهو ما يعيق العقل الجمعي عن إدراك قوانين الواقع التي تحكم صراع الإرادات والمصالح.
تبدأ المشكلة من إنكار الحقيقة البيولوجية والمادية للإنسان، حيث يُقدم الحسين في السير الشعبية وكأنه كائن يتجاوز غريزة البقاء، في حين أن أي تحليل سيكولوجي رصين يرى في إقدامه على مواجهة جيش نظامي بسبعين رجلاً نوعاً من الهوس المرضي بالسلطة أو انقطاعاً تاماً عن الواقع (Psychosis). إن الادعاء بأن الحسين كان "يعلم" بمقتله ومع ذلك مضى قدماً، لا يجعله بطلاً بل يجعله مسؤولاً جنائياً وأخلاقياً عن إبادة أهله وأطفاله في مقامرة خاسرة سلفاً. إن المنطق المادي يقرر أن المبدأ الذي لا يحمي صاحبه ولا يحقق غاية ملموسة هو مبدأ "عدمي"، وما ترويجه على أنه "سمو روحي" إلا نتاج ماكينة إعلامية دينية استغلت الحادثة لتحويلها إلى "دين موازٍ" يقوم على المظلومية والندب، بدلاً من الاعتراف بأنها كانت مجرد انقلاب فاشل قام به شخص لم يحسن قراءة الخريطة السياسية لزمانه.
إن مفهوم "المعارضة" الذي يُلصق بالحسين هو تزييف تاريخي آخر، فالمؤسسة الدينية التي أنتجت الحسين هي ذاتها التي تشرعن الطاعة لولي الأمر، وما حدث لم يكن صراعاً من أجل "الديمقراطية" أو "حقوق الإنسان" بمفاهيمنا الحديثة، بل كان صراعاً على "الشرعية الثيوقراطية". فالحسين كان يرى نفسه الأحق بالحكم بناءً على "الجينات" والوراثة النبوية، وهو منطق عنصري مادي يرفضه العقل الحديث. إن "المعروف" و"المنكر" اللذين تذرع بهما هما مجرد مصطلحات هلامية يستخدمها كل طرف لتكفير الآخر؛ فيزيد كان يرى في الحسين "مارقاً" يهدد وحدة الدولة، والحسين كان يرى في يزيد "فاسقاً" يغتصب حقه الموروث. وفي صراع الإرادات هذا، انتصر المنطق المادي ليزيد الذي امتلك أدوات القوة، بينما سقط الحسين ضحية لأوهامه الغيبية وتصديقه لرسائل أهل الكوفة التي أثبتت الوقائع المادية أنها كانت مجرد وعود زائفة لا تصمد أمام سطوة المال والسيف.
إن تحويل هذا "الانتحاري" إلى قدوة قد أدى إلى كوارث فكرية لا تزال شعوب المنطقة تدفع ثمنها، حيث ترسخت ثقافة "الشهادة" التي هي في جوهرها احتقار للمادة وازدراء للحياة. عندما يشحن الشيوخ عقول الشباب بأن الحسين "انتصر بدمه"، فإنهم يزرعون بذور الإرهاب والعمليات الانتحارية المعاصرة، فالفكر الذي يبرر للحسين رمي نفسه وأطفاله في التهلكة هو ذاته الفكر الذي يبرر للانتحاري تفجير نفسه طلباً لجزاء غيبي. إن العقلانية تقتضي منا أن نرى في كربلاء درساً في "كيف لا نثور"، ودرساً في ضرورة امتلاك القوة المادية قبل التفكير في تغيير الواقع. أما البكاء والنحيب وتحويل المأساة إلى طقس سنوي، فهو آلية دفاعية نفسية يستخدمها "المغفلون" للهروب من واقعهم المهزوم عبر التوحد مع "بطل مهزوم" منحوه صفات الألوهية ليعوضوا نقصهم المادي.
علاوة على ذلك، فإن الموروث القصصي قد لعب دوراً "تجميلياً" فجاً، حيث يتم إغفال التبعات الكارثية التي تسبب بها فعل الحسين من تمزيق لنسيج المجتمع وخلق فتنة طائفية استمرت ألف عام. من منظور مادي، القيمة الحقيقية لأي فعل تُقاس بآثاره على الأرض، وآثار فعل الحسين كانت دماراً، وحروباً أهلية، وتكريساً للفكر الغيبي على حساب الفكر العملي. إن النفاق الديني يتجلى في تصوير الحسين كـ "مخلص"، في حين أنه لم يخلص أحداً من الجوع أو الجهل أو الاستبداد، بل أعطى للمستبدين "قميص عثمان" جديداً يبررون به قمعهم تحت مسمى الحفاظ على وحدة الصف ضد "المفتنين" و"الخوارج". إن الحسين في حقيقته لم يكن سوى لاعب سياسي خسر رهانه، وكل ما أضيف عليه من "قداسة" هو صناعة لاحقة قام بها الفقهاء والشعراء لملء الفراغ الروحي للجماهير المحبطة.
إننا بحاجة إلى "تشريح مادي" للسيرة الحسينية يخرجها من إطار المعجزات والكرامات إلى إطار الفعل البشري القاصر. فالحسين لم يواجه جيش يزيد بـ "المعجزات"، بل واجهه بأجساد فانية تمزقت بالسيوف، وهذا هو الانتصار الوحيد للحقيقة المادية في تلك الحكاية. أما "الانتصار المعنوي" فهو كلمة حق أريد بها باطل، يستخدمها الفاشلون لتبرير هزائمهم. إن العقل المنطقي يرفض أن تكون "الحماقة" قدوة، ويرفض أن يكون "الخروج غير المحسوب" بطولة. إن القدوات الحقيقية هم من يبنون، ومن يخترعون، ومن يحافظون على حياة شعوبهم ويرتقون بمستواهم المادي والمعيشي، وليس من يسوقون الناس إلى المذابح دفاعاً عن "حق إلهي" مزعوم في السلطة.
في الختام، يظل الحسين بن علي نموذجاً للشخصية القدرية التي قادتها نرجسيتها ونبوءاتها الذاتية إلى حتفها، وما كتابات المعاصرين وتزييفات الشيوخ إلا محاولة لإعادة إنتاج هذا "الوهم" لضمان استمرار القطعان البشرية في التبعية للمؤسسة الدينية. إن التحرر الحقيقي يبدأ من كسر صنم "البطل الانتحاري" وإدراك أن المادة هي الحقيقة الوحيدة، وأن الحياة أثمن من أن تضيع في سبيل تبريرات فارغة وأكاذيب تاريخية لم تجلب لنا سوى التخلف والدماء والفرقة. الحسين مات ضحية لحماقته، ومن يتبع نهجه اليوم ليس إلا ضحية لغسيل دماغ ممنهج يقدس الموت ويهين العقل والمنطق. إن الحكاية الحسينية، كما يروجها الموروث، هي "أفيون" حقيقي يُخدر الجماهير ويمنعها من نقد السلطة الدينية والسياسية بعقلانية مادية، ويجعلها تكتفي بالندم على حدث وقع في الماضي بدلاً من العمل على تغيير حاضرها المادي المتردي.
.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire