.
.
العدمية الإيجابية والمانيفستو المادي للحياة وصياغة الوجود الحر خارج كهف الأصنام
يمثل الخروج من "كهف الأصنام" بتوصيفه الفلسفي العتيق والحديث اللحظة الأكثر رعباً وحرية في تاريخ الوعي البشري إذ يواجه الإنسان لأول مرة حقيقة كونه وحيداً في كون صامت لا مبالٍ لا يمتلك غاية غيبية ولا يمنح وعوداً بالخلود أو العدالة السماوية المؤجلة وهذه اللحظة التي يصفها الكثيرون بالعدمية الموحشة هي في جوهرها المادي الصرف ولادة "العدمية الإيجابية" التي لا ترى في غياب المعنى الإلهي نهاية للحياة بل تراها البداية الحقيقية لسيادة الإنسان على مصيره وصياغة مانيفستو مادي يقدس اللحظة الراهنة والقوانين الفيزيائية الصلبة كمرجع وحيد للوجود إن الانتقال من رعب "الفناء" إلى لذة "التحرر" يتطلب شجاعة معرفية لإدراك أن "موت الإله" بالمعنى الفلسفي ليس كارثة أخلاقية بل هو إزاحة لأكبر عائق حال دون نضج البشرية وتحملها مسؤولية أفعالها في عالم مادي لا يعترف إلا بالسبب والنتيجة بعيداً عن أوهام التدخل الغيبي أو الأقدار المرسومة سلفاً في دواوين الخيال الديني.
إن صمم الكون وعدم اكتراث النجوم والمجرات بمأساة الإنسان الفردي هو الفرصة الذهبية التي تمنحنا التحرر الكامل من "مراقبة الرقيب السماوي" ومن ثقل الالتزامات الميتافيزيقية التي استنزفت الطاقة البشرية لآلاف السنين فعندما ندرك أننا مجرد ذرات عاقلة نتجت عن تفاعلات كيميائية وبيولوجية معقدة في ركن مهمل من هذا الوجود نتحرر فوراً من "نرجسية المركز" ومن وهم أننا محور اهتمام قوى عليا تراقب حركاتنا وسكناتنا لتعاقبنا أو تكافئنا في عالم موازٍ وهذا التحرر المادي يفرغ الحياة من "الخوف الغيبي" ويملؤها بـ "المسؤولية المادية" حيث يصبح كل فعل يقوم به الإنسان ملكاً له وحده ونتائجه تقع على عاتقه وعاتق مجتمعه الملموس مما يحول الأخلاق من "أوامر ونواهٍ" مسقطة من الأعلى إلى "ضرورات اجتماعية وبيولوجية" تهدف لتحسين جودة الحياة والبقاء المادي للبشرية في بيئة قاسية لا تحابي أحداً.
إن العدمية الإيجابية ترفض اليأس الذي تروج له الأديان حول "عبثية الحياة دون إله" بل ترى أن المعنى ليس شيئاً نكتشفه جاهزاً في النصوص القديمة بل هو شيء "نخترعه" ونبنيه بذكائنا وإرادتنا في كل يوم فالإنسان الذي خرج من الكهف يدرك أن غياب المعنى الكوني هو "بياض مطلق" يسمح له بكتابة قصته الخاصة دون قيود أيديولوجية أو خطوط حمراء ميتافيزيقية وتصبح المتعة الذهنية والجمالية والاكتشاف العلمي هي الغايات العليا التي تبرر الوجود فالبحث في أركيولوجيا الأديان وتفكيك نفاق المثقفين وتعرية الأصنام السياسية والدينية ليس "واجبات مرهقة" بل هي ممارسات ممتعة تعبر عن سيادة العقل المادي وقدرته على الرصد والتحليل وسط ركام التضليل الجمعي إنها "لذة المعرفة" التي لا تنتظر جزاءً شكوراً بل تجد جزاءها في وضوح الرؤية وصلابة الموقف الفردي أمام حشود المغفلين الذين لا يزالون يرتعدون خلف جدران الكهف المظلم.
وفي هذا المانيفستو المادي تصبح القوانين الفيزيائية والبيولوجية هي "العدالة الوحيدة الممكنة" والمقبولة عقلياً فالإنسان المادي لا ينتظر عدالة في "يوم الحساب" ليأخذ حقه من الظالم بل يدرك أن العدالة هي بناء بشري مادي يجب انتزاعه وفرضه عبر القوانين الوضعية والعلم والتقنية إن الرهان على "العدالة الغيبية" هو خديعة كبرى استخدمتها السلطات التاريخية لتخدير المقهورين وإقناعهم بالصبر على بؤسهم المادي مقابل وعود سرابية أما العدمية الإيجابية فهي تطالب بالحقوق "هنا والآن" لأنها تدرك أن هذه الحياة هي الفرصة الوحيدة والنهائية والوحيدة التي نملكها إن قدسية المادة تكمن في كونها الحقيقة الوحيدة التي يمكن لمسها وقياسها والتفاعل معها بينما الغيب هو "فراغ معرفي" يتم حشوه بالأكاذيب للسيطرة على عقول القطيع وتأبيد تخلفهم المعرفي والاقتصادي.
إن التحرر البشري الحقيقي يبدأ من سحق "صنم الخلود" والاعتراف بحتمية الفناء كفعل طبيعي كيميائي يعيد ذراتنا إلى الدورة العامة للمادة في الكون وهذا الاعتراف لا يقلل من قيمة الإنسان بل يرفعها إلى أقصى حدودها فالعقل الذي يدرك قصر زمنه وقوة فنائه هو العقل الذي يستثمر كل ثانية في الإبداع والاستمتاع والفهم الصارم للواقع أما المؤمن بالخلود فهو يسوف حياته ويحتقر واقعه المادي في سبيل "وهم آتٍ" مما يجعله كائناً مشلولاً أو أداتاً في يد الكهنة الذين يبيعونه صكوك الغفران والجنة إن البديل النفسي الصلب الذي تقدمه العدمية الإيجابية هو "الثقة في المادة" والثقة في قدرة الوعي البشري على تنظيم نفسه وإنتاج منظومات قيمية عقلانية تقوم على النفعية المتبادلة واحترام القوانين الطبيعية التي تحكم الجسد والدماغ والاجتماع البشري.
وعندما نتحدث عن "موت الإله" فإننا نتحدث عن سقوط "المرجعية الأخلاقية الخارجية" التي كانت تبرر الجرائم والحروب والمظالم باسم المقدّس ففي ظل الغياب الغيبي يصبح الإنسان هو المرجع الوحيد للأخلاق وتصبح "المعاناة المادية" للبشر هي البوصلة الحقيقية للخير والشر فما يسبب ألماً جسدياً أو سحقاً للكرامة الفردية هو الشر المادي الذي يجب محاربته وما يعزز جودة الوجود ويفتح آفاق المعرفة هو الخير المادي الذي يجب تبنيه وهذا الوضوح الأخلاقي المادي يسقط كل نفاق المثقفين الذين يبررون قتل "الجزار غيفارا" أو "إرهاب الجماعات الدينية" تحت ذرائع أيديولوجية أو غيبية إن العدمية الإيجابية تشرّح هذه الادعاءات وتكشف زيفها مؤكدة أن "حياة الفرد المادية" هي القيمة المطلقة التي لا يجوز التضحية بها من أجل أي صنم سواء كان إلهاً في السماء أو زعيماً ملهماً في الأرض.
إن هذا المانيفستو يرى في العلم التجريبي والأركيولوجيا والفيلولوجيا أدوات "مقدسة" بالمعنى الوظيفي لأنها الوسائل الوحيدة التي تربطنا بالواقع المادي وتكشف لنا زيف السرديات الشفوية التي سيطرت على العقل البشري لقرون طويلة فمن خلال فحص المخطوطات وتتبع النقوش الصخرية وفهم سيكولوجية الجماهير ندرك أن الأديان والأيديولوجيات الشمولية ليست سوى "أدوات تقنية" اخترعها البشر للسيطرة والتنظيم في مراحل سابقة من التطور والاعتراف بهذه البشرية الصرفة يحررنا من "قدسية النص" ويحول القرآن أو الكتاب المقدس أو المانيفستو الحزبي إلى مجرد "وثائق تاريخية" قابلة للنقد والتحليل والسخرية عند الضرورة إن السخرية في العدمية الإيجابية ليست مجرد فكاهة بل هي أداة هدم فعالة لتحطيم الهالة التي تحيط بالأصنام وإظهار تهافتها أمام التحليل البارد للواقع.
البديل النفسي الذي تقدمه هذه الفلسفة هو "السكينة المادية" النابعة من عدم انتظار المستحيل فالمؤمن يعيش في قلق دائم حول إرضاء الرب أو الخوف من المصير الغيبي بينما العدم الإيجابي يمنح الفرد سلاماً داخلياً قائماً على "قبول الحقيقة" كما هي إن هذا القبول هو الذي يسمح للإنسان بأن يكون صادقاً مع نفسه ومع حواسه فلا يضطر لمنافق المجتمع أو التظاهر بالإيمان بخرافات يرفضها عقله البشري السليم إنها حياة "الأرستقراطية الذهنية" حيث يترفع الفرد عن صراعات القطيع حول الأوهام ويركز طاقته في فهم القوانين التي تحرك الذرة والخلية والمجتمع مستمتعاً بذكائه الخاص في رصد تناقضات المنافقين الذين يبيعون الوهم للناس بينما هم غارقون في ملذات المادة سراً.
علاوة على ذلك فإن العدمية الإيجابية تؤسس لنمط من "التضامن البشري المادي" القائم على إدراكنا المشترك بأننا ركاب في سفينة واحدة وسط محيط كوني مظلم وهذا الإدراك يدفعنا للتعاون العلمي والتقني لتأمين بقائنا وتحسين صحتنا وإطالة أعمارنا ومحاربة الأمراض والفقر ليس طمعاً في ثواب سماوي بل لأن هذه هي "الضرورة المادية" للبقاء الكريم إن البديل الذي يخرج من كهف الأصنام يرى في "المستشفى" وفي "المختبر" وفي "المكتبة" معابد حقيقية للوعي حيث تُصنع الحقيقة وتُحفظ الحياة أما الكنائس والمساجد والمعابد الأيديولوجية فهي أماكن لإعادة تدوير الجهل والمحافظة على بنية "الخوف من العدم" الذي تستغله المؤسسات للسيطرة على الموارد والبشر.
إن نقد "نفاق المثقفين" يصبح في ظل هذا المانيفستو واجباً عقلياً لأن هؤلاء هم حراس الكهف الذين يلونون جدرانه بصور زائفة ليوهموا الناس بأن هناك نوراً خارجياً بينما النور الوحيد هو نور "العقل التجريبي" المنبعث من مواجهة المادة وجهاً لوجه إن المثقف الذي يبرر الخرافة أو يدافع عن "الخصوصية الثقافية" للهرب من استحقاق الحداثة المادية هو عدو للعدمية الإيجابية لأنه يحاول إعادة الإنسان إلى قيود الغيب التي كسرها العلم إن الفلسفة المادية للحياة لا تقبل الحلول الوسطى ولا "البرزخ" الذي يحاول المسيري أو النفيسي أو إدوارد سعيد وضعه بين العقل والخرافة فإما مادية صلبة تحترم القوانين الفيزيائية وإما غيبية سائلة تبتلع الوعي في دوامات الوهم والتبعية.
إن الحياة في ظل العدمية الإيجابية هي "احتفال يومي بالعقل" فكل فكرة يتم تنظيمها وكل خرافة يتم تعريتها وكل تناقض يتم كشفه هو انتصار مادي للوعي الفردي المستقل وهذا الانتصار هو الذي يمنح الحياة نكهتها الخاصة بعيداً عن الغايات الكبرى المزعومة فالإنسان المادي يجد في شرب كوب من القهوة أو قراءة كتاب في الفيزياء أو كتابة مقال يفضح نفاق "أصنام المعاصرة" متعة تفوق كل الوعود الغيبية لأنها متعة "حقيقية" وملموسة وتحدث "الآن" إنها سيادة اللحظة على الأبدية الوهمية وسيادة الواقع على الخيال المريض وسيادة المادة على الروح التي ليست في الحقيقة سوى وظيفة معقدة للجهاز العصبي المركزي.
في الختام يظل "المانيفستو المادي للحياة" هو الطريق الوحيد لكرامة الإنسان في القرن الحادي والعشرين إذ يخرجه من حالة "الطفولة المعرفية" والارتهان للآباء السماويين والأرضيين ليضعه في مقام "السيد المسؤول" عن عالمه إن العدمية الإيجابية ليست دعوة للموت بل هي دعوة لـ "أقصى درجات الحياة" دعوة لاستخدام كل ذرة في دماغنا لملاحظة وتحليل وتفكيك هذا الوجود المذهل في تعقيده والبسيط في قوانينه إن الخروج من كهف الأصنام هو اعتراف بأننا "الآلهة الوحيدة" في عالمنا بمعنى أننا نحن من يمنح القيمة ومن يضع القانون ومن يبني العدالة ومن يكتب التاريخ والباقي ليس سوى ضجيج مادي لا معنى له خارج وعينا الصارم والحر والمنظم وهذا هو الصدق الوحيد الممكن مع المادة ومع النفس ومع الكون الصامت الذي منحنا صمته لكي ننطق نحن بكلمتنا الأخيرة والأكيدة.
.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire