.
.
ميتافيزيقا الاستهلاك وفضيحة التحديث دون حداثة ولماذا يشتري العربي التكنولوجيا ويكره العلم
تمثل حالة الفصام المعرفي التي يعيشها العقل العربي المعاصر واحدة من أكثر الظواهر سريالية في التاريخ البشري، حيث نجد كائناً يعيش بجسده في ذروة المنجز المادي والحضاري للقرن الحادي والعشرين، بينما يسكن عقله في سراديب القرون الوسطى المظلمة. إن هذه الازدواجية القاتلة بين الممارسة المادية المتمثلة في استخدام أحدث ما أنتجته المختبرات الغربية من هواتف ذكية وطائرات نفاثة وعلاجات بالليزر، وبين البنية الذهنية التي ترفض المنهج العلمي والعقلاني الذي أنتج هذه الأدوات، هي لب المأساة التي نطلق عليها ميتافيزيقا الاستهلاك. فالإنسان العربي يستهلك منتجات المادة بشراهة منقطعة النظير، لكنه في الوقت ذاته يحتقر القوانين الفيزيائية والمنطقية التي جعلت هذه المنتجات ممكنة، مما يحوله إلى كائن طفيلي على الحضارة، يأخذ ثمارها المادية ويسب جذورها العقلانية، معتقداً بجهل مقدس أن الامتلاك الفيزيائي للجهاز هو سيادة، بينما الحقيقة الصارمة تقول إن السيادة تكمن في امتلاك المنهج والقدرة على ابتكاره، وأن العقل الذي يستهلك الذكاء الاصطناعي بعقلية الإيمان بالجن والخرافة هو عقل محكوم عليه بالانقراض البيولوجي والمعرفي، لأنه انفصل عن الواقع المادي الذي يمنحه أسباب البقاء.
إن مفهوم التحديث دون حداثة هو المفتاح لفهم هذا النفاق البنيوي، فالمجتمعات العربية قامت بعملية تجميلية واسعة النطاق لبيئتها المادية؛ شيدت الأبراج الزجاجية، واستوردت أحدث السيارات، ونشرت شبكات الإنترنت الفائقة السرعة، لكنها رفضت تماماً استيراد "روح" هذه المنجزات، أي المنهج العلمي القائم على الشك والملاحظة والتجربة والقابلية للتكذيب. لقد أراد العربي أن يحصل على "الراحة" التي يوفرها العلم دون أن يتحمل "عبء" التفكير الذي يفرضه العلم، مما خلق حالة من الحداثة القشرية التي تخفي خلفها ركاماً من الميتافيزيقا الغيبية والعداء للمنطق. فالإنسان الذي يستخدم "الآيفون" ليرسل رسائل صوتية تتحدث عن "عين الحسد" أو "السحر" هو في الحقيقة يرتكب جريمة معرفية بحق المادة؛ فهو يستخدم تكنولوجيا تعتمد على فيزياء الكم وأشباه الموصلات والرياضيات المعقدة، ليروج لمفاهيم تنفي وجود القوانين الطبيعية أصلاً. هذا التناقض المادي ليس مجرد مفارقة مضحكة، بل هو دليل على تعطل العصب النقدي الذي يجعل الإنسان يدرك أن الجهاز الذي بين يديه هو نتاج "إنكار" لكل الخرافات التي يؤمن بها.
ويظهر نفاق المجتمع بوضوح عندما نرى كيف يتم توظيف الخوارزميات المعقدة والذكاء الاصطناعي في منصات التواصل الاجتماعي للترويج لأكثر الأفكار بدائية وضلالاً، مثل فوائد بول الإبل أو المعجزات الغيبية المتخيلة. إنها مفارقة مبكية أن تُستخدم خوارزمية صممها علماء في "سليكون فالي" بناءً على منطق رياضي جاف ومادي بحت، لكي تصل إلى ملايين العقول التي تسب هؤلاء العلماء وتعتبرهم كفرة، بينما تتبنى نتائج عقولهم لتثبيت خرافاتها الخاصة. هذا الاستغلال الطفيلي للمنجز العلمي يثبت أن العربي لم يفهم بعد أن "المنهج" لا يتجزأ؛ فلا يمكنك أن تقبل بالنتيجة المادية (الهاتف) وترفض المقدمة العقلية (العلم المادي). إن الانفصال عن المنطق جعل العربي يعتقد أن التكنولوجيا هي نوع من "السحر الحديث" الذي يأتيه من الخارج كمنحة، دون أن يدرك أنها تتطلب بنية ذهنية محددة تحترم المادة وتخضع لصرامتها. ومن هنا، يتحول الاستهلاك إلى فعل ميتافيزيقي، حيث يُنظر للجهاز كأيقونة مقدسة تمنحه القوة، دون أن تمنحه البصيرة لفهم كيف يعمل أو لماذا تفوق الآخرون في صنعه.
إن هذا الانفصال عن المنطق جعل العربي كائناً طفيلياً بامتياز على جسد الحضارة العالمية؛ فهو يستهلك الدواء الذي قضى العلماء عقوداً في تطويره عبر التجارب السريرية والمادية، ثم ينسب الشفاء لتعويذة أو دعاء، في نكران جحودي للمجهود البشري المادي. هذا السلوك يعكس رغبة عميقة في الهروب من استحقاقات الواقع؛ فالاعتراف بسيادة العلم المادي يعني بالضرورة سقوط سيادة النصوص القديمة والأوهام الغيبية، وهو ما يخشاه العقل العربي الذي يجد في الهوية الغيبية حصناً يحميه من الشعور بالدونية التقنية. لكن الحقيقة المادية لا تجامل؛ فامتلاك الجهاز لا يعني امتلاك القوة، والسيادة الحقيقية هي في "القدرة على التفكير بأسلوب المختبر" وليس في "القدرة على الشراء". إن العقل الذي يستهلك التكنولوجيا وهو يكره العلم هو عقل يعيش في حالة "انتحار معرفي"، لأنه يقطع الأغصان التي يجلس عليها، مستمتعاً بظلها المادي بينما هو يحطم جذورها العقلانية بفؤوس الخرافة والجهل الممنهج.
علاوة على ذلك، فإن الوهم بأن الامتلاك المادي للأدوات يمنحنا مكانة في العصر الحديث هو وهم قاتل. فالعالم الذي صمم الطائرة وصاغ معادلات الديناميكا الهوائية يمتلك سلطة المعرفة، بينما الراكب الذي يجلس في المقعد الوثير ويقضي رحلته في قراءة كتب الغيبيات هو مجرد "حمولة زائدة" في مسيرة التاريخ. إن السيادة هي امتلاك المنهج الذي ابتكره الجهاز، وهو منهج يقوم على مادية الطبيعة وعدم تدخل الغيب في القوانين الفيزيائية. وعندما يرفض العربي هذا المنهج، فإنه يحكم على نفسه بالانقراض المعرفي؛ فالفجوة بين "ذكاء الآلة" التي يستهلكها و"غيبية العقل" التي يسكنها تتسع يوماً بعد يوم، حتى يصل لمرحلة العجز الكامل عن فهم العالم من حوله، فيتحول إلى مجرد مستهلك سلبي يتم التلاعب به عبر نفس التكنولوجيا التي يظن أنه يملكها. إن العقل الذي يؤمن بالجن في عصر الذكاء الاصطناعي هو عقل خرج من سياق التطور البيولوجي والثقافي، وهو في طريقه لأن يصبح حفرية تاريخية تشهد على أمة ملكت كل شيء مادي، لكنها خسرت المعنى الوحيد الذي يجعل المادة مفيدة: العقل العلمي.
إن الهدف من تعرية هذا النفاق هو وضع الإنسان العربي أمام المرآة القاسية للواقع المادي. إن الاستهلاك الشره للتكنولوجيا مع احتقار العلم هو خيانة للذات وللمستقبل؛ فالمنهج العلمي ليس "وجهة نظر" يمكن رفضها، بل هو المرجع الوحيد الذي يحدد من يعيش ومن يندثر في صراع القوى المادي. إن النخبة المثقفة التي تبرر هذا الانفصام تحت مسمى "الخصوصية الثقافية" هي نخبة منافقة تساهم في تخدير الشعوب، فالحقيقة المادية لا تعرف الخصوصية؛ فالكهرباء تسري في الأسلاك بناءً على قوانين الفيزياء، سواء كان المستخدم مؤمناً بالخرافة أو ملحداً بالمادة، لكن الفرق أن الأول يظل عبداً للجهاز والثاني سيداً للمنهج. إن السيادة تبدأ من تبني "المادية الصارمة" في التفكير، والاعتراف بأن كل جهاز نستخدمه هو "شهادة وفاة" لفكرة غيبية قديمة، وكل انتصار للعلم هو هزيمة للخرافة التي نتمسك بها.
إن البديل الوحيد للخروج من هذا المأزق هو "الصدق المادي"؛ فإما أن نقبل المنهج العلمي بكل تبعاته التي قد تهدم أصنامنا القديمة، وإما أن نكون صادقين مع أنفسنا ونعود إلى الخيمة والناقة ونرفض التكنولوجيا التي نكره العلم الذي أنتجها. أما هذه الحالة "البرزخية" من العيش في رغد المادة وعفن الغيب فهي حالة من النفاق الحضاري الذي لا ينتج سوى أجيال مهزوزة فكرياً، تستخدم "يوتيوب" لتشاهد شيوخ الدجل، وتستخدم "تويتر" لتمارس التنمر الرقمي ضد العلماء، وتستخدم "المستشفيات" لتشكو من السحر. إنها مهزلة العقل الذي قرر أن يشتري الثمرة ويقطع الشجرة، ظناً منه أن الثمار ستستمر في التساقط عليه للأبد دون أن يدرك أن المادة لا تعطي أسرارها إلا لمن يحترم قوانينها ويخضع لسيادة المنطق العلمي دون قيد أو شرط غيبي.
في الختام، يظل "صنم الاستهلاك" هو الحجاب الذي يمنعنا من رؤية الحقيقة العارية؛ الحقيقة التي تقول إننا أمة من الطفيليين المعرفيين الذين فقدوا القدرة على الابتكار لأنهم فقدوا الإيمان بالمادة. إن "ميتافيزيقا الاستهلاك" هي السجن الأخير الذي يجب تحطيمه، والعبور نحو الحداثة يتطلب ما هو أكثر من مجرد شراء "آيفون"؛ يتطلب عقلاً يرى في التكنولوجيا تجسيداً لانتصار الإنسان على الغيب، ويرا في العلم الطريق الوحيد والنهائي للسيادة والوجود. إن العقل الذي يرفض هذا العبور هو عقل محكوم عليه بالاندثار، فالمادة لا ترحم المتخلفين، والتاريخ لا يسجل أسماء المستهلكين، بل يسجل أسماء الذين امتلكوا الجرأة ليقولوا إن العلم هو الحقيقة الوحيدة، وأن ما دون ذلك ليس سوى ضجيج ميتافيزيقي في عالم صامت لا يفهم إلا لغة القوة والمنطق والفيزياء.
.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire