Translate

جمال عبد الناصر الإخوانجي: تحليل بنيوي في ضوء أدبيات التنظيم الإرهابي (مقال)

.


.
جمال عبد الناصر الإخوانجي: تحليل بنيوي في ضوء أدبيات التنظيم الإرهابي




يظل التاريخ الرسمي في المنطقة العربية، وخاصة المصري منه، أسيراً لسردية عاطفية رسمتها أجهزة الدعاية الناصرية لعقود، وهي سردية حاولت بشتى الطرق تصوير جمال عبد الناصر كالنقيض الوجودي لجماعة الإخوان المسلمين. غير أن القراءة العميقة والمجردة للمسار السياسي لعبد الناصر، بعيداً عن صخب الأناشيد القومية، تكشف عن حقيقة أكثر تعقيداً وخطورة، وهي أن ناصر لم يكن مجرد عسكري استهواه العمل السياسي، بل كان ابناً باراً لأدبيات تنظيم الإخوان المسلمين، ومنفذاً أميناً لمنهجهم الشمولي، حتى وإن اصطدم برؤوس التنظيم لاحقاً في صراع محموم على السلطة المطلقة. إن تحليل شخصية ناصر من خلال أدبيات التنظيم الإرهابي يكشف لنا أننا لم نكن أمام مشروعين متناقضين، بل أمام "إخوانية عسكرية" نجحت في تأميم الدولة والمجتمع والدين، محققةً ما عجز عن تحقيقه حسن البنا وسيد قطب عبر العمل التنظيمي الصرف.
بدأت العلاقة بين جمال عبد الناصر وتنظيم الإخوان المسلمين في أربعينيات القرن الماضي، وهي فترة التكوين التي صاغت وعيه السياسي. لم يكن ناصر غريباً عن أروقة التنظيم، بل كان عضواً فاعلاً ومبايعاً في "النظام الخاص"، وهو الجناح العسكري السري الذي أسسه حسن البنا للقيام بأعمال الاغتيال والإرهاب. إن يمين الولاء الذي أداه ناصر في تلك الغرف المظلمة لم يكن مجرد طقس عابر، بل كان انصهاراً في فلسفة "السمع والطاعة" و"الحاكمية" التي تقوم عليها أدبيات الإخوان. هذه الخلفية تفسر بوضوح لماذا اعتمد ناصر، بعد استيلائه على السلطة في عام ألف وتسعمئة واثنين وخمسين، على منهجية "الخلية السرية" في إدارة الدولة، حيث تحولت مصر من مملكة ذات تعددية سياسية وحزبية وجالية دولية متنوعة، إلى ضيعة مغلقة تخضع لرقابة الأجهزة الأمنية التي استنسخت أساليب "النظام الخاص" في القمع والتصفية.
إن الجريمة الكبرى التي ارتكبها ناصر، والتي تتسق تماماً مع أدبيات الإخوان، هي عملية تدمير "العقل المصري" عبر القضاء على التعددية تحت ستار القومية. لقد كان المشروع الإخواني يطمح دوماً لصبغ المجتمع بصبغة واحدة وإلغاء "الآخر"، وهو ما نفذه ناصر ببراعة فائقة حين أقدم على تأميم المؤسسات والممتلكات. هذه العملية لم تكن مجرد إجراءات اقتصادية اشتراكية كما رُوّج لها، بل كانت عملية "سرقة مقننة" استهدفت انتزاع ممتلكات الأجانب واليهود والمصريين الليبراليين، وتفكيك الطبقة الوسطى التي كانت تشكل صمام الأمان ضد التطرف. إن طرد الجاليات الأجنبية وتصفية الوجود اليهودي في مصر لم يكن فعلاً وطنياً، بل كان تجسيداً للفكر الإخواني الإقصائي الذي يرى في "الآخر" عدواً يجب استئصاله لتستقيم "جماعة المؤمنين" أو في حالة ناصر "جماعة القوميين". بهذه الخطوة، حوّل ناصر مصر من مركز كوزموبوليتاني منفتح على العالم إلى ثكنة عسكرية منغلقة، تسودها لغة الكراهية والتحريض ضد كل ما هو غير "عربي مسلم" وفق تعريفه الضيق.
وفيما يخص "تأميم الدين"، فإن ما قام به ناصر تجاه الجامع الأزهر في عام ألف وتسعمئة وواحد وستين يعتبر التطبيق الأكمل لفكرة "المرشد" ولكن بزي عسكري. إن أدبيات الإخوان المسلمين تقوم على فكرة شمولية الإسلام ليكون هو الدولة والدولة هي هو، وناصر بتذويبه للأزهر وجعله مجرد إدارة حكومية تابعة لرئاسة الجمهورية، حقق جوهر هذا المطلب. لقد أراد ناصر أن يكون هو "الإمام" الذي يحدد للناس ما هو الحلال وما هو الحرام سياسياً، تماماً كما تفعل ولاية الفقيه في النموذج الإيراني لاحقاً أو كما يطمح مرشد الإخوان. هذا الإلحاق القسري للمؤسسة الدينية بجهاز الدولة أدى إلى "تغول الأزهر" بمرور الوقت، حيث منحته الدولة سلطة معنوية وسياسية هائلة في مقابل ولائه للزعيم، مما خلق وعياً مشوهاً لدى الجماهير يمزج بين القداسة الدينية والديكتاتورية العسكرية. إن هذا التشويه هو الذي غرس بذور التطرف التي حصدناها لاحقاً، فالعقل الذي اعتاد على السمع والطاعة لـ "القائد الملهم" هو نفس العقل الذي استسلم بسهولة لـ "الداعية المتطرف".
أما خطاب "رمي اليهود في البحر" وتغذية أوهام الجماهير، فهو صدى مباشر للخطابة الإخوانية الحماسية التي تستبدل الواقع بالعواطف الجياشة. لقد دمر ناصر ملكة النقد لدى المصريين عبر آلة إعلامية ضخمة كانت تبث الأكاذيب والوعود الزائفة بالانتصار والتحرر، بينما كان الواقع يشير إلى تآكل بنية الدولة واقتصادها. إن التماهي بين ناصر وصدام حسين في هذا السياق يوضح أننا أمام مدرسة واحدة في "الديكتاتورية الحمقاء" التي تستخدم الشعارات القومية والدينية لتغطية الفشل العسكري والسياسي. فالمشروع القومي العربي، كما صاغه ناصر، لم يكن إلا "أيديولوجيا احتلال" بديلة، حاولت فرض هوية قسرية على شعوب المنطقة وتجاهلت التنوع الثقافي والتاريخي، تماماً كما تحاول المشاريع الإسلاموية فرض خلافة متخيلة لا تعترف بالحدود أو الخصوصيات الوطنية. إن الاعتماد على اللغة أو الدين كأدوات وحيدة للانتماء، مع إهمال قيم المواطنة والليبرالية، جعل من هذه المشاريع مجرد أوهام ساقطة أدت في النهاية إلى كوارث كبرى، كان أكبرها نكسة يونيو عام ألف وتسعمئة وسبعة وستين.
إن الصراع الذي نشب بين ناصر والإخوان لم يكن صراعاً بين مشروع حداثي ومشروع ظلامي، بل كان صراعاً على "حق الامتياز" في قيادة القطيع. لقد أدرك ناصر أن وجود تنظيم الإخوان كقوة مستقلة سيزاحمه في سلطته المطلقة، فقرر تصفيتهم جسدياً وتنظيمياً، ليس حباً في العلمانية، بل حمايةً لعرشه. وفي الوقت الذي كان يسجن فيه قيادات الإخوان، كان يطبق برامجهم التعليمية والاجتماعية التي تزرع في الأطفال روح الاستشهاد والعداء للغرب والديمقراطية. إن تدمير العقول بدأ من المدرسة التي أصبحت تخرج أجيالاً تؤمن بأن القائد لا يخطئ وأن المؤامرات الخارجية هي السبب الوحيد لكل فشل محلي. هذه "الإخوانية المستترة" في نظام ناصر هي التي جعلت المجتمع المصري، بعد وفاته، يميل بشدة نحو التيارات الإسلامية، لأن ناصر كان قد أفرغ الساحة من أي بديل ليبرالي أو علماني حقيقي، وترك الناس بعقول مهيأة تماماً لتقبل خطاب "الإسلام هو الحل" بعد أن فشل خطاب "القومية هي الحل".
لقد كانت الدولة في العصر الملكي، رغم عيوبها، تمتلك بذور "دولة القانون" والتعددية، وكانت الملكية الفردية مصانة، والجامعات مراكز للتنوير الحقيقي. جاء ناصر ليقتلع هذه البذور باسم "الثورة"، فكان ما فعله هو عملية "نهب منظم" لمقدرات البلاد تحت شعارات براقة. إن تأميم الممتلكات والشركات لم يذهب لصالح "الفقراء" كما ادعى، بل ذهب لصالح طبقة جديدة من "البيروقراطية العسكرية" التي أدارت هذه المؤسسات بعقلية التنظيم السري، مما أدى إلى انهيار الإنتاج وهرب الكفاءات. إن رحيل الجاليات اليونانية والإيطالية واليهودية والمصرية الليبرالية لم يكن مجرد خسارة اقتصادية، بل كان "إخصاءً ثقافياً" لمصر، حيث جُففت منابع التنوع والجمال والإبداع، وحل محلها القبح المعماري والفكري الذي نراه اليوم. إن هذا التدمير الممنهج هو الذي مهد الطريق للدولة الأمنية الشمولية التي نراها في نماذج صدام حسين وغيره، حيث يصبح الوطن مجرد سجن كبير، والمواطنون مجرد رهائن لأوهام الحاكم.
ختاماً، لا يمكن فهم كارثة جمال عبد الناصر إلا باعتبارها قمة التجلّي للفكر الإخواني في ثوب عسكري. إن "الديكتاتور الأحمق" الذي دمر اقتصاد مصر ومزق نسيجها الاجتماعي، لم يكن إلا منفذاً لأدبيات التنظيم الإرهابي في إقصاء الآخر وتأمين السلطة بالقوة وتزييف الوعي الجماهيري. إن المشاريع الشمولية، سواء كانت قومية أو شيوعية أو إسلامية، قد أثبتت فشلها الذريع لأنها تقوم على نفي الفرد وإلغاء العقل وتدمير الملكية الخاصة. إن المخرج الوحيد من هذه الدوامة التاريخية الكارثية ليس بالعودة إلى أوهام ناصر أو الشعارات الدينية، بل في التبني الصريح والشجاع للدولة العلمانية الديمقراطية الليبرالية؛ تلك الدولة التي تفصل الدين عن الدولة فصلاً كاملاً، وتحمي حقوق الأفراد وممتلكاتهم بقوة القانون، وتؤسس لمواطنة حقيقية لا تفرق بين البشر على أساس العرق أو اللغة أو المعتقد. إن استمرار تقديس ناصر أو محاولة تصويره كبطل قومي هو استمرار في ذات التيه الذي أضاع عقول الأمة لعقود، وحان الوقت لتسمية الأشياء بمسمياتها: ناصر كان "إخوانجياً" في المنهج والأدوات، وما حصدناه من خرابة كان النتيجة الحتمية لهذه الخلطة السامة بين العسكرة والأيديولوجيا الإقصائية.





.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...