.
.
هندسة الوهم: تفكيك خرافة مار جرجس بين سادية المتخيل الإلهي ومازوخية الوعي الرعوي
تبدأ مأساة العقل البشري حين يستسلم لسطوة الحكاية التي لا تخاطب فيه ملكة النقد بل تستهدف غريزة الخوف وحاجته الماسة إلى التعلل بميتافيزيقا تبرر له عجزه الواقعي، وتعد قصة مار جرجس أو جرجس الكبادوكي تجسيداً صارخاً لهذا الاستلاب الذهني حيث تتحول "السيرة المقدسة" إلى مسرح مفتوح لعبثية لا تنتهي وتناقضات تضرب في صميم المنطق والأخلاق على حد سواء. إننا أمام نص أدبي رديء الحبكة، غرضه الأساسي ليس سرد حقيقة تاريخية بل هندسة وعي جمعي يقبل بالألم كقيمة مطلقة، ويقدس التضحية العبثية، ويشرعن صمت الإله أمام أنهار الدماء التي تسيل لإرضاء نرجسية غيبية لا تشبع من قرابين الأجساد المهروسة تحت عجلات المسامير. إن فحص هذه الأسطورة بعين العقل يكشف لنا عن ثالوث مدمر يتشكل من سادية إلهية مزعومة، ومازوخية متجذرة في العقل المتدين، وحماقة درامية ارتكبها مؤلف القصة الذي خانته أبسط قواعد المنطق وهو يحاول صنع بطل خارق لا يموت إلا بمزاج مؤلفه، مما حول القصة من ملهمة إلى وثيقة تدين المنظومة التي أنتجتها.
تبدأ الفجوة المنطقية في القصة من تلك الشخصية الكاريكاتورية للإمبراطور دقلديانوس، الذي يصوره المؤلف كوحش كاسر لا يتورع عن قطع رؤوس آلاف الأتباع لمجرد أنهم أعلنوا مسيحيتهم، بمن في ذلك زوجته الإسكندرينة التي تخلص منها بلمحة بصر، لكنه في المقابل يتحول إلى كائن صبور ومتردد أمام مار جرجس نفسه. هذا التناقض الدرامي يكشف عن حماقة المؤلف الذي أراد إطالة أمد العذاب لسبع سنوات كاملة لغرض استعراضي بحت، متناسياً أن المنطق السياسي والعسكري لأي إمبراطورية يقتضي تصفية المحرض الأول فوراً لإخماد الفتنة. إن بقاء جرجس حياً لسبع سنوات تحت التعذيب ليس دليلاً على قوة إلهية، بل هو ثغرة في حبكة المؤلف الذي احتاج لهذا الزمن الطويل ليمارس ساديته الكتابية على جسد البطل، وليقدم للمستمعين وجبة دسمة من العنف المقدس الذي يغذي النزعة المازوخية لدى الجمهور الذي يجد لذة غريبة في رؤية قديسه وهو يُقطع ويُحرق ثم يقوم بلمسة سحرية ليعاد تعذيبه من جديد.
إن فكرة المعجزة في هذه القصة تتجاوز حدود الغيبيات لتدخل في نطاق العبث، فما الفائدة من معجزات باهرة كإقامة الموتى وتحطيم الأصنام بكلمة إذا كانت لم تحقق غرضها الأساسي وهو هداية الإمبراطور أو حقن دماء الأبرياء؟ إن الإله في قصة مار جرجس يظهر ككيان سادي يستعرض عضلاته الميتافيزيقية دون طائل حقيقي، فهو يحمي جرجس بمعجزات يومية ليجعله يذوق الألم مرة تلو أخرى، لكنه يرفع يده عن حماية "الكومبارس" أو المؤمنين العاديين الذين تُقطع رؤوسهم فور إيمانهم. هذا التحيز الإلهي المزعوم يضرب فكرة العدالة في مقتل، ويحول الإله إلى مخرج مسرحي مهتم بسلامة بطل العرض فقط ليتمكن من إكمال المشاهد المؤلمة، بينما يترك المتفرجين الصادقين يواجهون مصيرهم البائس بلا معجزة واحدة توفر عليهم حدة السيف. إنها سادية مغلفة بالقداسة، حيث يصبح الألم هو اللغة الوحيدة للتواصل بين الخالق والمخلوق، وحيث يُطلب من الضحية أن تشكر جلادها السماوي لأنه منحها "شرف" التعذيب الطويل.
هنا يبرز دور العقل المتدين الذي يتلقى هذه الحماقات برحاب صدر، محولاً إياها إلى "صمود إيماني"، وهي في الحقيقة ليست سوى مازوخية نفسية تتلذذ بامتهان الذات وتعييب الجسد. إن القصة تكرس فكرة أن الإيمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر بوابة الوجع، وأن القديس الأفضل هو الذي تحمل مقادير أكبر من السم والنار والتمزيق. هذا الفكر هو الذي أسس لثقافة تبرير المعاناة في واقعنا المعاصر، حيث يقتنع المقهورون بأن فقرهم وجوعهم وظلم حكامهم هو "امتحان إلهي" يشبه سنوات جرجس السبع، وبدلاً من الثورة لتغيير الواقع وانتزاع رغيف الخبز، ينصرفون إلى ترديد اسم القديس والتوسل بصبره، غافلين عن أن هذا الصبر لم يغير من واقع الإمبراطور شيئاً ولم ينقذ حياة طفل واحد من الجوع. إنها عملية تدجين كبرى للعقل البشري، حيث يتم استبدال الفعل الواقعي بالتمني الغيبي، ويتحول الألم من عدو يجب استئصاله إلى صديق يجب احتضانه طلباً لمكافأة مؤجلة في عالم لا يملك أحد دليلاً على وجوده.
إن المؤلف الأحمق الذي صاغ هذه الأسطورة وقع في فخ المغالطة الأخلاقية حين جعل من "الاسم" و"الذكرى" غاية تبرر وسيلة الموت الجماعي. فإذا كان الله قد سمح بقتل آلاف البشر من أجل أن يشتهر اسم مار جرجس وتنتشر المسيحية، فإننا أمام إله يتصرف بعقلية "رجل الدعاية" الذي لا تهمه التكلفة البشرية بقدر ما يهمه انتشار العلامة التجارية لدينه. إن حياة إنسان واحد أثمن من كل الأيقونات والأسماء، لكن العقل المازوخي يقلب هذه الآية، فيرى في دماء الشهداء مجرد "زيت" يضاء به سراج الكنيسة. هذا الاسترخاص للدم البشري هو الجريمة الحقيقية التي ترتكبها هذه الخرافة، فهي تعلم الإنسان أن قيمته تكمن في موته لا في حياته، وفي خضوعه لا في تمرده، وفي قدرته على تقبل الظلم لا في قدرته على تحطيمه.
علاوة على ذلك، فإن القصة تفتقر لشرعية "الامتحان" الذي يتشدق به اللاهوتيون، فدقلديانوس لم يُمنح فرصة حقيقية للهداية بل تم استفزازه بمعجزات استعراضية زادته عناداً، مما يجعلنا نتساءل عن أخلاقية إله يخلق الجلاد ويهيئ له بيئة الطغيان ثم يرسل له "منبهاً" يستفز كبرياءه ليضاعف من جرائمه، ليكون في النهاية مبرراً لحرقه في جحيم أبدي. إنها لعبة "نرد" كونية يدفع ثمنها البشر البسطاء الذين يتم الزج بهم في صراعات بين آلهة وأباطرة لا تعنيهم آلام الجوعى ولا صرخات المظلومين. إن العدالة التي يفتقدها الطفل الذي يموت جوعاً اليوم هي نفسها العدالة التي غابت عن ساحات تعذيب جرجس، والادعاء بأن التعويض سيكون في "الآخرة" هو مجرد شيك بلا رصيد يقدمه الوالدان السافلان -بتعبيرات الحوار السابق- لطفلهما المتروك للذئاب.
في نهاية المطاف، تظل خرافة مار جرجس وثيقة تاريخية على طفولة العقل البشري الذي كان يحتاج للأساطير ليفهم عالمه، لكن بقاءها اليوم كقيمة مقدسة هو انتكاسة معرفية وأخلاقية. إننا بحاجة إلى دين إنساني محوره رغيف الخبز والكرامة الملموسة، لا دماء الشهداء وقصص التعذيب السادية. إن احترامنا الحقيقي لمار جرجس -كإنسان تاريخي مفترض- يبدأ من رفضنا لقصته كما رويت، ورفضنا لاستغلال آلامه لتبرير صمت الإله أو لتخدير وعي الجماهير. إن العقل الحر هو الذي يجرؤ على قول "لا" لهذه السيناريوهات الحمقاء، ويتمسك بحقه في امتحان "الممتحن" قبل القبول بورقة الامتحان، وهو الذي يدرك أن البطولة الحقيقية ليست في تحمل الألم لسبع سنوات، بل في منع حدوث الألم لثانية واحدة عبر إقامة العدل في الأرض بأيدينا نحن، لا بأيدي قوى غيبية أثبتت التجربة عبر المليارات من البشر أنها تكتفي بالمراقبة والصمت بينما يُطحن الإنسان تحت عجلات التاريخ والوهم. إن الوعي الذي يفكك هذه الخرافة هو الوعي الذي يفتح الطريق لبناء عالم لا يحتاج فيه الإنسان إلى قديسين خارقين، لأنه يملك من الكرامة والخبز ما يغنيه عن التسول على أبواب الغيب الموصدة، وعن تقديس السادية والمازوخية تحت مسميات الإيمان والقداسة والولاء المطلق لخرافة لا تطعم جائعاً ولا تنصر مظلوماً.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire