Translate

معضلة الشر: من التعددية الوثنية إلى الشيطانيات التوحيدية والنسبية التاريخية لمفارقة أبيقور (مقال)

.


.
معضلة الشر: من التعددية الوثنية إلى الشيطانيات التوحيدية والنسبية التاريخية لمفارقة أبيقور




إن تتبع الجذور التاريخية والأنثروبولوجية لمعضلة الشر يكشف عن حقيقة بنيوية حاسمة: المعضلة لم تكن يوماً أزمة وجودية ملازمة للوعي الإنساني منذ فجره الأول، بل هي "عَرَض جانبي" ناتج عن طفرة فكرية وتطور اصطلاحي محدد أصاب المنظومات العقائدية عند انتقالها من الفضاء الوثني التعددي المفتوح إلى قفص التوحيد المطلق المحكم. في العصور القديمة، وحيث كانت الآلهة تتعدد بتعدد ظواهر الطبيعة وتناقضاتها، لم يكن العقل الإنساني بحاجة إلى اختراع "ثيوديسيا" (تبرير للعدالة الإلهية) أو التورط في تبريرات لغوية ركيكة؛ لأن بنية الفكر الوثني كانت تستوعب الصراع والشر كجزء أصيل من طبيعة الآلهة نفسها. فالآلهة في الميثولوجيا الرافدية، أو المصرية، أو الإغريقية، لم تكن منزهة ولا كلية الصلاح؛ بل كانت كائنات مأزومة، تشتهي، وتحقد، وتغار، وتتصارع، وتصيبها النزوات البشرية. كان هناك إله للعواصف والدمار، وإله للأوبئة تحت الأرض، وإله للخصب والنماء؛ وبالتالي، فإن ولادة طفل مشوه أو حدوث زلزال مدمر كان يُفهم ببساطة باعتباره نتيجة لخسارة إله خير في معركة صراع نفوذ، أو تعبيراً عن غضب إله سادي ومتقلب المزاج. الشر هنا كان له موضع أنطولوجي واضح وشرعي في الكون، ولم يكن يمثل أي تناقض منطقي مع طبيعة الآلهة المحدودة والمتصارعة.
إلا أن الكارثة المعرفية والمأزق المنطقي الأعظم بدأا بالتشكل مع صعود النزعة التوحيدية الجذيرية (Monotheism)، والتي قامت بعملية اختزال واحتكار قسري لجميع صفات القوة والتدبير والصلاح في كائن غيبي واحد وأحد. من هنا ولدت "مفارقة أبيقور" الشهيرة، ليس كترف فكري، بل كصدمة منطقية في وجه هذا التحول البنيوي؛ إذ وضع الفيلسوف اليوناني العقل أمام معادلته الصارمة: "إما أن الإله يريد منع الشر ولكنه لا يقدر، أو أنه يقدر ولكنه لا يريد، أو أنه لا يريد ولا يقدر، أو أنه يريد ويقدر معاً فمن أين يأتي الشر؟". هذه المفارقة لم تكن لتكتسب خطورتها لو ظلت في الفضاء الوثني، لكنها تحولت في الفضاء التوحيدي إلى لغم يقوض أساس المنظومة برمتها. فالتوحيد، وبجمعه لثلاثية "القدرة المطلقة، والعلم المحيط، والصلاح المحض" في ذات واحدة، وضع نفسه في زاوية ضيقة جعلت من وجود أي ذرة ألم بريئة في الكون دليلاً مباشراً على كذب الفرضية أو خلل في بناء الصفات الإلهية.
وللخروج من هذا الحصار المنطقي الخانق الذي فرضته مفارقة أبيقور على اللاهوت التوحيدي، عمدت الأديان والمذاهب الغيبية إلى ترحيل الأزمة وتصديرها عبر اختراع منظومة "الشيطانيات" وتجسيد الشر في كائنات غيبية موازية كإبليس أو الشيطان والمردة. إن هذه الحيلة الميتافيزيقية لم تكن في جوهرها سوى محاولة يائسة وغير معلنة لإعادة إنتاج التعددية الوثنية القديمة تحت قناع توحيدي؛ حيث تم منح الشيطان صفات شبه إلهية وقدرة هائلة على الغواية، والتدمير، والتأثير في المادة، وتشويه الفطرة، ليكون هو المشجب الذي تُعلق عليه خطايا الوجود وشروره، وتبرأ بذلك ساحة الإله المطلق من دماء الضحايا. غير أن هذا الحل الشيطاني سرعان ما يتهاوى أمام أول اختبار عقلاني؛ فمن الذي خلق الشيطان في المقام الأول؟ ومن الذي منح الحية في وادي التكوين القدرة على الخداع؟ ومن الذي يعلم سلفاً -بحكم العلم المحيط- أن هذا الكائن سيعيث في الأرض فساداً ويغوي البشرية ويدمر حيوات الأطفال بالأمراض، ومع ذلك تركه حراً طليقاً ومنحه مهلة ممتدة إلى يوم الدين؟ إن العقل الصارم يعيد المسألة فوراً إلى المربع الأول: يظل المصمم الأول والنظام الكلي هو المسؤول الأخي والمنطقي عن أفعال أدواته، وتصبح الشيطانيات مجرد مسرحية هزلية وتمرير لغوي يفشل في إخفاء التناقض البنيوي للاهوت التوحيدي.
تتجلى النسبية التاريخية لهذه المعضلة في كونها تعبيراً حياً عن أنانية العقل البشري وقصوره المعرفي في مراحل تطوره التاريخي؛ فالإنسان الذي نصب نفسه مركزاً للكون ومحوراً للعناية الإلهية، صدمته الطبيعة بحيادها القاسي وعشوائيتها الصماء، فبدأ يسقط مفاهيمه الذاتية عن العدالة والظلم على حركة الذرات وتفاعلات الكيمياء. وتكشف المراجعة التاريخية للسجالات اللاهوتية عبر العصور عن نمط متكرر من التراجع المعرفي؛ فكلما تقدم العلم خطوة وفسر ظاهرة طبيعية كانت تُعزى للغيب (كالأوبئة والزلازل والكسوف)، تراجعت الميتافيزيقا خطوة إلى الخلف، وانتقلت من تفسير الشر بـ "الغضب الإلهي المباشر" إلى الاحتماء بـ "الحكمة المستورة والابتلاء الخفي"، وهو ما يوضح أن المعضلة ليست متجذرة في واقع الوجود، بل في عجز النص الديني عن مواكبة تفسير الطبيعة مادياً وعلمياً. إن حصر معضلة الشر في قوالب لاهوتية هو جناية بحق الفلسفة، وتجريد للألم الإنساني من واقعيته الفيزيائية لتحويله إلى مجرد تمرين منطقي بارد لحماية هيبة الفكرة الغيبية وصيانة عروش الكهنوت.
وفي ختام هذه السلسلة من التفكيك الأنطولوجي والمادي والتاريخي، نصل إلى النتيجة الحتمية والأكثر نزاهة واتساقاً: إن معضلة الشر ليست لغزاً كونياً ينتظر حلاً، بل هي نتيجة حتمية ومباشرة لتبني فرضية تفسيرية خاطئة وساقطة منطقياً وتجريبياً؛ فرضية وجود إله توحيدي كلي القدرة والصلاح يدير هذا العالم. بمجرد إحراق هذه الفرضية الميتافيزيقية بنيران النقد الصارم، والقبول بالمنظور المادي والعلمي الذي يرى في الكون نظاماً محايداً، أعمى، ومحكوماً بقوانين الفيزياء والحركة وتضارب المصالح البيولوجية، تبخرت المعضلة تماماً وتهاوت الشيطانيات والتبريرات اللاهوتية كأوراق الخريف. الوجود لا يحكمه بطيخ، ولا تديره إرادة سادية أو طيبة، بل تحكمه حتمية المادة؛ والرحمة والعدالة والصلاح ليست صفات مغروسة في مجرات الفضاء، بل هي قيم بشرية صرفة، اخترعها الإنسان، ويجب عليه وحده أن يزرعها ويقاتل من أجلها في هذا العالم الصامت، لينقذ بني جنسه من قسوة الطبيعة دون انتظار لعون من سماء صماء لا تسمع، ولا ترى، ولا تملك في جعبتها سوى الفراغ والعدم الميتافيزيقي.
بذلك، نكون قد أكملنا المقالات الستة التي تفكك معضلة الشر في السياق الفلسفي والمادي والتاريخي صياغةً وبناءً بأعلى تدفق ممكن.







.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...