.
اختراع الجغرافيا المقدسة: كيف حُوِّلت الحجاز والشام إلى مسارح للميتافيزيقا؟
تمثل الجغرافيا في أصلها المادي الصلب مساحة من التضاريس، والمسارات، والوديان، والموارد الطبيعية التي تخضع لقوانين المناخ والجيولوجيا والحركة البشرية الباحثة عن البقاء. غير أن نظرة فاحصة على تاريخ الشرق الأدنى القديم تكشف عن صيرورة دؤوبة ومحكمة جرى من خلالها انتزاع تضاريس محددة في منطقتي الحجاز والشام من سياقها الطبيعي والاقتصادي البدائي، لإعادة إدراجها في سياق غيبي لاهوتي فائق الميتافيزيقا. إن مفهوم "الأرض المقدسة" أو "البلد الأمين" لم يكن معطى سماوياً هبط مكتملاً في وعي البشر، بل كان منتجاً ثقافياً وسياسياً معقداً جرى طبخه على نار هادئة عبر قرون من التدافع القبلي والتوسع الإمبراطوري. من خلال أدوات الجغرافيا البشرية والمادية التاريخية، يتضح أن محطات الاستراحة البدائية، وآبار المياه الصحراوية، وممرات القوافل التجارية الدنيوية المحضة قد حُوِّلت، عبر سرديات صِيغت بأثر رجعي، إلى مراكز كونية ترتبط بالسماء، ومسارح ومحطات هبوط للوحي والأنبياء، حيث تلاقت طموحات النخب السياسية القرشية، والأموية، والعباسية مع حاجة الحشود إلى متخيل غيبي يبرر حركتها العسكرية واستحواذها الاقتصادي على مقدرات الشعوب المجاورة.
لقد بدأت هذه الصيرورة التاريخية من البنية الطبوغرافية والاقتصادية لشبه جزيرة العرب، حيث كانت التجارة عبر القوافل هي شريان الحياة الوحيد الذي يربط جنوب الجزيرة الماطر والخصيب بشمالها المتاخم للإمبراطوريات الكبرى في الشام والعراق. في هذا الفضاء الصحراوي القاحل، لم تكن المستوطنات البشرية الناشئة سوى محطات استراحة فرضتها الطبيعة الجغرافية؛ فالقافلة تحتاج بعد قطع مسافات شاسعة من الرمال والصخور إلى بقعة تتوفر فيها المياه والظلال لإعادة التزود وحماية البضائع. هكذا نشأت مكة ويثرب والعديد من واحات الحجاز كعقد طبوغرافية استراتيجية على طريق البخور والتجارة الدولية. كانت الكعبة في مكة، في سياقها الأنثروبولوجي قبل الإسلام، بيتاً وثنياً محلياً ومحفلاً تجارياً تلتقي فيه القبائل البدوية لعقد الصفقات، وتبادل السلع، وتأمين مسارات القوافل عبر نظام الأشهر الحرم الذي اخترعته النخبة القرشية كآلية ضبط اقتصادي مادية بحتة تضمن سلامة الأرباح وتمنع الاقتتال القبلي المدمر للتجارة.
مع صعود الكيان السياسي الإسلامي الناشئ وحاجته إلى الانفصال المعرفي والسياسي عن الهيمنة الدينية لليهودية والمسيحية السائدة في شمال الجزيرة والشام، بدأت عملية إعادة هندسة جذرية لهذه الجغرافيا الاقتصادية. كان تحويل القبلة من القدس إلى مكة خطوة استراتيجية حاسمة لتعريب الرمزية الدينية ومنح المركز الجغرافي الجديد استقلاليته التامة. لكي يكتسب هذا المركز شرعيته المطلقة أمام العقائد الأقدم، كان من الضروري مد جذوره في عمق التاريخ الميثولوجي؛ ومن هنا جرى ربط وادٍ قاحل وغير ذي زرع بشخصية إبراهيم وإسماعيل التوراتية. لقد استعار النص القرآني والقصص التراثي اللاحق الآباء المؤسسين للتوحيد من أدبيات التناخ والمدراش اليهودي، وجرى إسقاطهم جغرافياً على صحراء الحجاز، فتحولت بئر ماء بدائية وفرتها الطبيعة الجيولوجية كبئر زمزم إلى معجزة إلهية فجرتها أقدام طفل رضيع، وتغيرت وظيفة الصخور المحلية من علامات لترسيم الحدود التجارية والقبلية إلى أحجار مقدسة هبطت من الجنة كالحجر الأسود، أو مقامات داس عليها الأنبياء كمقام إبراهيم.
إن هذا الاختراع للجغرافيا المقدسة في الحجاز أدّى وظيفة سيكولوجية وسياسية بالغة الأهمية لتثبيت الشرعية القبلية للنخبة القرشية الحاكمة؛ فنظام "الحرم" الذي كان يوفر الأمن للمبادلات التجارية تم إلباسه دثاراً ميتافيزيقياً مطلقاً، فصار التحريم ناتجاً عن إرادة إلهية سبقت خلق السماوات والأرض وليس عن اتفاق مصلحي بين تجار مكة. ومن خلال صياغة سرديات الطواف، والسعي، ورمي الجمرات بأثر رجعي، تم تحويل الطقوس الوثنية البدائية التي كانت تمارسها القبائل لتهدئة الأرواح المحلية واستعطاف آلهة الخصيب والمطر، إلى شعائر توحيدية كبرى تربط العبد بخالقه عبر جغرافيا محددة لا يجوز تقديم العبادة خارج هندستها الطبوغرافية. هذه الميتافيزيقا الجغرافية حوّلت مكة من مجرد عقدة تجارية جافة في تهامة إلى "أم القرى" ومركز الدائرة الكونية، مما منح العرب لأول مرة عاصمة روحية تنافس مدن الحضارات العظمى وتبرر اندفاعهم العسكري اللاحق نحو الخارج.
عندما خرجت الجيوش العربية من صحراء الحجاز واجتاحت حواضر الشام والعراق ومصر في القرن السابع الميلادي، واجهت النخبة الأموية الجديدة مأزقاً جيوسياسياً وجغرافياً كبيراً. أدرك الأمويون، بعد نقلهم لمركز الخلافة من المدينة إلى دمشق، أنهم استوطنوا أرضاً مشبعة بالمقدس المسيحي واليهودي، حيث تمتلك القدس (إيلياء) كاريزما روحية هائلة تفوق مكة في وعي شعوب المنطقة المفتوحة حديثاً. في ظل الصراع العسكري والسياسي العنيف الذي دار بين عبد الملك بن مروان في دمشق وبين عبد الله بن الزبير الذي تحصن بمكة وسيطر على موارد الحج، بدأت الدولة الأموية في توظيف هندسة الجغرافيا المقدسة لحل أزمتها السياسية وصناعة مشروعية بديلة تضمن ولاء أهل الشام وتغنيهم عن السفر إلى مجاز الحجاز المحتل من الخصوم.
في هذه اللحظة التاريخية المادية والمفصلية، جرى استدعاء الآية الأولى من سورة الإسراء التي تتحدث عن انتقال غيبي من "المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله". وبحسب التحليل النقدي والتاريخي، لم يكن مصطلح "المسجد الأقصى" في زمن نزول الآية يشير إلى المسجد الموجود اليوم في القدس، إذ لم يكن هناك بناء بهذا الاسم أصلاً في المدينة التي كانت تحت الحكم البيزنطي وتسمى إيلياء، بل كان المصطلح يشير في المتخيل اللاهوتي المبكر إما إلى مسجد في السماء أو إلى أبعد مكان للعبادة جرت إليه الهجرة والاعتزال في شعاب الحجاز. غير أن عبقرية عبد الملك بن مروان السياسية، مدفوعة بجهود كتبة البلاط ومحدثي الشام مثل الزهري، قامت بعملية إسقاط طبوغرافي محكمة؛ فجرى دمج مصطلح "المسجد الأقصى" القرآني بصخرة بيت المقدس، وبُنيت قبة الصخرة الفاخرة فوق بقايا الهيكل اليهودي المهدوم والكنائس البيزنطية لتكون المعادل البصري والمادي للمقدس الأموي الجديد.
عبر هذا التحوير السردي، دخلت الشام بكاملها إلى مسرح الميتافيزيقا الإسلامية؛ فتحولت الصخرة الطبيعية التي كانت تستخدم في العصور القديمة كمذبح أو كعلامة طوبوغرافية في أورشليم إلى صخرة كونية عرج منها النبي إلى السماء، واهتزت شوقاً لخطواته، وصارت بقعة الحرم القدسي الشريف هي "الأرض المباركة" التي تضاعف فيها الصلوات وتغسل الذنوب. لم يتوقف الاختراع الأموي عند حدود القدس، بل امتد ليشمل جغرافيا الشام بأكملها عبر ضخ آلاف الأحاديث والروايات التي تتحدث عن "فضائل الشام"، وجعلها أرض المحشر والمنشر، وفسطاط المسلمين في الملاحم، والبقعة التي يضع الله فيها عمود الكتاب. هذا التضخيم اللاهوتي للشام لم يكن ينبع من قيمة روحية كامنة في تربتها وصخورها، بل كان تبريراً أيديولوجياً فجاً لنقل مركز الثروة والسلطة من الحجاز إلى دمشق، وصناعة وعي جمعي لدى المقاتلين الشاميين يشعرهم بأنهم يحرسون حدود الله وثغور مملكته الغيبية، وليس مجرد جنود يحمون عروش بني أمية وامتيازاتهم الاقتصادية.
ومع سقوط الدولة الأموية وصعود العباسيين عقب ثورة دموية انطلقت من خراسان واستقرت في العراق، جرى تشغيل آلة اختراع الجغرافيا المقدسة مجدداً لخدمة المركز السياسي الجديد في بغداد وسامراء. واجه العباسيون ذات المعضلة؛ فمشروعيتهم القائمة على "الرضا من آل محمد" والقرابة الهاشمية كانت تحتاج إلى جغرافيا تسندها وتمنحها طابعاً كونياً يتفوق على إرث الأمويين الشاميين. من هنا، بدأت عملية إعادة تقييم لاهوتية لبلاد العراق، فجرى نفض الغبار عن المرويات التاريخية القديمة المرتبطة ببابل وأشور والكوفة، وحُوِّلت تضخيمات خصب وادي الرافدين ونظامه الإروائي الهائل إلى دلالات على رضا السماء وبركتها. صِيغت روايات ترفع من شأن نهر الفرات وجعله سيحاً من سيحان الجنة، وتحولت الكوفة والنجف وكربلاء وبغداد إلى بقع مباركة ضمت أجساد الأئمة والصالحين من آل البيت، لتتحول المقابر العائلية والسياسية إلى مزارات مقدسة ومراكز جذب ديموغرافي واقتصادي تُشد إليها الرحال وتُصنع حولها ميثولوجيا الخلاص والشفاعة.
إن تفكيك هذه الصيرورة يكشف عن آلية بنيوية ثابتة في الوعي الإمبراطوري القديم: الجغرافيا تتبع القوة، واللاهوت يتبع المنتصر. فكلما تمكنت نخبة سياسية أو عسكرية من السيطرة على رقعة جغرافية معينة وتحويلها إلى مركز للجباية وإدارة الإمبراطورية، سارع كتبتها وفقهاؤها إلى نسج خيوط الميتافيزيقا حولها، وصناعة أساطير التأسيس التي تجعل من هذه البقعة بالذات محوراً للكون ومحطاً لعناية الآلهة. فالأرض لا تملك قداسة في ذاتها، بل إن "فعل التقديس" (Sacralization) هو عملية إسقاط بشري واجتماعي واقتصادي مستمر؛ حيث يجري استخدام النصوص والأساطير لتسييج فضاء مكاني محدد، وحظر التصرف فيه خارج شروط معينة، وتحويله إلى وعاء لاستقطاب الأموال عبر طقوس الحج والزيارة والنذور، مما يحول الجغرافيا المقدسة إلى واحدة من أربح المنظومات الاقتصادية والريع الروحي في تاريخ البشرية.
علاوة على ذلك، أدت هذه الجغرافيا المقدسة المخترعة دوراً حاسماً في صياغة مفهوم "العدو والآخر" وفي تبرير سياسات الاستبعاد وصهر الشعوب المستعبدة؛ فعندما يقرر النص التراثي أن الحجاز أو الشام هي أرض الله المختارة ومسرح ميتافيزيقا الوحي، فإن كل الشعوب والثقافات الأصيلة التي كانت تقطن هذه المناطق قبل الغزو العربي تصبح تلقائياً شعوباً "تدنس" هذا الفضاء الطاهر بحضورها وعقائدها. بناءً على هذه الميتافيزيقا المكانية، جرى تشريع قوانين الطرد والإقصاء مثل الأمر بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب لتظل الأرض خالصة ومطهرة للإله الواحد ونخبته الحاكمة الحجازية. وتحولت المدن التاريخية الكبرى كدمشق والإسكندرية ومدائن كسرى، التي كانت مراكز حضارية، وتكنولوجية، وعلمية متطورة، إلى مجرد ملحقات جغرافية تابعة للمركز المقدس، وجرى طمس معالمها المعمارية والوثنية القديمة أو إحلال المساجد والمقدسات الجديدة فوقها لتوثيق نصر اللاهوت الإسلامي الإمبراطوري على جغرافيا المهزومين.
يتضح من خلال هذه القراءة المادية والتاريخية الصارمة أن اختراع الجغرافيا المقدسة كان بمثابة حجر الزاوية في بناء وصيانة المتخيل الإسلامي الكلاسيكي؛ فالإنسان القديم، وبسبب بدائية أدواته المعرفية وعجزه عن السيطرة على الطبيعة عبر العلم والتكنولوجيا، كان بحاجة إلى ملء الفراغات الطبوغرافية الجافة والوحشة للصحراء والممرات عبر تحويلها إلى مسارح للميتافيزيقا الكونية حيث تلتقي السماء بالأرض. ولكن عندما تُعرى هذه التضاريس من غطائها الأسطوري وتوضع في مختبر النقد التاريخي، تبرز الحقيقة العارية: مكة، والقدس، ودمشق، وبغداد، لم تكن سوى محطات قوافل، وحصون عسكرية، ومراكز جباية إمبراطورية بشرية ومادية صرفة، كُتبت توراة قداستها وقرآن ملاحمها بأقلام كتبة السلاطين والخلفاء لإدامة السيطرة على الحشود وتأمين تدفق الخراج إلى خزائن المراكز السياسية الحاكمة. إن نزع السحر عن الجغرافيا ورؤيتها بحجمها الطبيعي والفيزيائي هو الخطوة الأولى نحو تحرير العقل من أسر الأساطير المكانية المعطلة للتفكير التنموي والواقعي المعاصر.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire