Translate

معضلة الشر: البنية المنطقية ومأزق الصفات المطلقة (مقال)

.


.
معضلة الشر: البنية المنطقية ومأزق الصفات المطلقة




ترتكز الفلسفة اللاهوتية في الأديان التوحيدية على بنية ميتافيزيقية محددة تمنح الخالق صفات مطلقة لا تقبل التجزئة أو النقصان، وتعتبر هذه الصفات بمثابة الأعمدة الهيكلية التي يقوم عليها التصور الإيماني بأكمله. ومن بين هذه الصفات تبرز ثلاث صفات رئيسية تشكل معاً مأزقاً منطقياً مستعصياً عند تصادمها مع الواقع التجريبي المشهود، وهي القدرة الكلية التي تعني هيمنة الخالق على كل ذرة في الوجود واستطاعته تغيير أي مسار في الكون، والصلاح الأخياري أو الخيرية المطلقة والرحمة الواسعة التي تقتضي رغبته الأزلية في بسط العدل والخير ومنع الآلام عن مخلوقاته، وأخيراً صفة العلم الكلي المحيط بكل ما كان وما يكون وما سيكون. هذا الثالوث الصفاتي يواجه معضلة حتمية وصارمة حين يصطدم بالبديهية الرابعة التي لا يمكن لأي كائن حي إنكارها، وهي وجود الشر والمعاناة والألم في هذا العالم بشكل موضوعي ومستمر ومتكرر على مدار الساعة.
إن البنية المنطقية للمعضلة، والتي عُرفت تاريخياً بأسماء شتى وسياقات فلسفية متعددة، تمثل تناقضاً بنيوياً بين هذه الفرضيات الأربع، حيث يستحيل من جهة قواعد العقل الصرف الجمع بينها جميعاً دون الوقوع في مغالطة منطقية فاضحة. فإذا انطلقنا من فرضية أن الإله كلي القدرة، فإن هذا يعني بالضرورة أنه يملك القوة المطلقة والآليات الكاملة لمحو المعاناة ومنع حدوث الكوارث والأمراض والجرائم قبل وقوعها أو رفعها فور حدوثها. وإذا أضفنا إلى ذلك فرضية أنه كلي الصلاح والرحمة، فإن النتيجة المنطقية المترتبة على هذه الصفة هي توفر الإرادة والمشيئة الأخلاقية الكاملة لديه لإعدام الشر وتوفير بيئة خالية من الألم لمخلوقاته، انطلاقاً من أن الكائن الخيّر يكره الألم ويسعى لإزالته بحكم طبيعته. بناءً على هاتين المقدمتين، يصبح من الواجب منطقياً أن يكون الكون مكاناً مثالياً خالياً من أي فظائع بيولوجية أو أخلاقية، لكن الواقع التجريبي المحسوس يثبت العكس تماماً، حيث تعج الطبيعة والتاريخ البشري بشتى أنواع العذابات والآلام العشوائية التي تصيب الكائنات الحية دون تمييز.
عند محاولة تفكيك هذا التناقض، نجد أننا أمام خيارات عقلية إجبارية لا يمكن الالتفاف عليها بلغات لاهوتية فضفاضة، فالمنطق يلزمنا بأنه إذا صدقت صفتان من صفات الإطلاق، بطلت الصفة الثالثة بالضرورة. فإذا كان الخالق يريد منع الشر ويرغب في إزالته مدفوعاً برحمته المطلقة، ولكنه في الوقت نفسه لا يستطيع فعل ذلك نظراً لوجود المعاناة وتفشيها، فإن النتيجة الحتمية هي أنه عاجز ومحدود القوة، مما يعني سقوط صفة القدرة الكلية وتهافت التصور التوحيدي التقليدي الذي يرى فيه مسيطراً مطلقاً على ملكوته. وعلى الجانب الآخر، إذا كان هذا الخالق قادراً ومتمكناً من إنهاء الألم بكلمة واحدة أو بتعديل بسيط في القوانين الفيزيائية والبيولوجية للكون، ولكنه يمتنع عن فعل ذلك ويترك الأمراض والتشوهات والمجازر تستمر وتفتك بالبرياء، فإن النتيجة المنطقية المباشرة هي انتفاء صفة الرحمة والخيرية المطلقة عنه، وظهوره بمظهر الكائن غير المبالي بأوجاع مخلوقاته، أو الأسوأ من ذلك، بمظهر الكائن السادي الذي يجد في رؤية هذه الآلام نوعاً من الغاية والمأرب الخاص.
يظهر هذا المأزق بشكل أكثر وضوحاً عند إقحام صفة العلم الكلي في هذه المعادلة الصعبة، فالقول بأن الخالق يعلم كل شيء يجر وراءه حتمية المعرفة المسبقة والأزلية بكل تفاصيل المعاناة الإنسانية والحيوانية قبل خلق الكون نفسه بمليارات السنين. إن الخالق، وفق هذه الرؤية التوحيدية، حين اتخذ القرار الأزلي ببدء الخلق وصياغة القوانين الطبيعية، كان يعلم علماً قاطعاً لا يحتمل الشك أن هذه القوانين ستؤدي إلى نشوء طفرات جينية تسبب سرطانات للأطفال، وأنها ستؤدي إلى زلازل تبتلع مدناً بأكملها، وأنها ستمنح طغاة ومجرمين القدرة على إبادة شعوب بريئة. هذا العلم المسبق، مقترناً بالقدرة على تغيير التصميم أو الامتناع عن الخلق من الأساس، يحول الخالق من مجرد مراقب محايد إلى مسبب أول ومسؤول مباشر ومصمم هندسي لكل مأساة تحدث في هذا الوجود، حيث تصبح المعاناة جزءاً مقصوداً ومتوقعاً ومصادقاً عليه في الخطة الأزلية الصارمة.
لطالما حاول المتكلمون واللاهوتيون عبر العصور الدفاع عن هذه المنظومة الصفاتية من خلال ممارسات تأويلية تحاول إعادة تعريف معاني القدرة والرحمة، مستخدمين في ذلك حيلة الفصل بين الفعل الإلهي المباشر وبين الآثار الناتجة عن القوانين الطبيعية. إلا أن هذا الفصل يتهاوى معرفياً أمام حقيقة أن القوانين الطبيعية ليست كائنات مستقلة بذاتها، بل هي صياغة تابعة لإرادة الخالق وتصميمه بحسب الطرح التوحيدي نفسه. فالميكانيكا التي تتحرك بها الصفائح التكتونية مسببة الزلازل، والآلية البيولوجية التي تتكاثر بها الخلايا السرطانية، والخصائص الكيميائية للسموم والأوبئة، كلها أجزاء أصيلة من نظام الوجود الذي اختاره الخالق بإرادته الكاملة وعلمه المحيط، وبالتالي فإن محاولة تبرئة الذات الإلهية من تبعات هذه القوانين تشبه تماماً محاولة تبرئة صانع آلة حربية من الدمار الذي تحدثه آلاته بدعوى أن الآلة تعمل وفق قوانين الميكانيكا الذاتية.
إن أزمة اللاهوت الدفاعي تكمن في رفضه القاطع للاعتراف بوجود هذا التناقض البنيوي، حيث يصر على الاحتفاظ بجميع صفات الإطلاق في آن واحد مع رفض مراجعة الفرضيات الميتافيزيقية وتكييفها مع الواقع. هذا الإصرار الأعمى ينتج منظومة من التبريرات الفضفاضة التي تعتمد على استثنائية لغوية تحرم العقل من تطبيق قواعد المنطق البديهية على المفاهيم الدينية. فعندما يتعلق الأمر بالخير والجمال في الكون، يسارع اللاهوتيون إلى نسبته مباشرة لكرم الخالق ورحمته مستدلين بعقولهم، ولكن عندما يتوجه السؤال نحو البشاعة والألم والظلم العشوائي، يتراجع هؤلاء فجأة عن استخدام العقل ويطالبون بتعطيله، مدعين أن مفاهيم الرحمة والعدل الإلهية تختلف جذرياً عن المفاهيم الإنسانية، وهو ما يمثل سقوطاً معرفياً في فخ الكيل بمكيالين، إذ كيف يمكن للعقل البشري أن يدرك كمال الصفات الإلهية عبر شواهد الخير، بينما يعجز تماماً عن رؤية الخلل فيها عبر شواهد الشر.
وفي المحصلة، تظل البنية المنطقية لمعضلة الشر قائمة كشاهد على عجز الطروحات التوحيدية عن بناء نظام فكري متسق ومنسجم مع تجربة الوجود الحي. إن مواجهة هذه المعضلة بنزاهة فكرية تتطلب إما الشجاعة للتخلي عن فكرة الإطلاق الصفاتي والاعتراف بمحدودية الإله أو بعدم مبالاته، وإما القبول بالنتيجة المنطقية الأسهل والأكثر اتساقاً مع العلم والواقع، وهي أن هذا الكون مادي أعمى ومحايد لا يديره أي وعي غيبي، وأن صياغة صفات الإطلاق والكمال وتجميعها في ذات واحدة لم تكن سوى رغبة بشرية قديمة في إسقاط المثالية على السماء، رغبة اصطدمت بقسوة الواقع وحياده لتنتج واحدة من أعقد العقد الفلسفية في تاريخ الفكر الإنساني.





.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...