.
مأزق التحسين والتقبيح: كيف سحقت السلطة السياسية العقلانية المادية في الفكر الإسلامي؟
لا يمثل الصراع الفكري في تاريخ الحضارات مجرد ترف ذهني يدور في أروقة المدارس الفلسفية المعزولة، بل هو في جوهره انعكاس حي واصطدام مباشر بين مصالح القوى المادية الحاكمة وبين رغبة المجتمعات في صياغة وعي عقلاني متحرر يفسر واقعها. وفي مسار الفكر الإسلامي، لم تشهد الساحة المعرفية معركة أعمق أثراً ولا أكثر امتداداً في تشكيل بنية العقل العربي الحالية من تلك المعركة المحورية التي دارت حول مسألة التحسين والتقبيح العقليين. إن هذا المأزق الفلسفي الذي يبدو للوهلة الأولى بحثاً مجرداً في أصول الأخلاق واللاهوت، كان في حقيقته المادية صراعاً وجودياً وقانونياً وسياسياً حدد مصير العقلانية برمتها. لقد انقسمت البنية الفكرية في ذلك العصر بين تيار المعتزلة الذي حاول تأسيس رؤية عقلانية موضوعية ترى القيمة كامنة في المادة والواقع وتربط الأحكام بمصالح البشر المادية، وبين تيار أهل الحديث والأشاعرة الذين دفعوا باتجاه نسف العقل وتثبيت النصية المطلقة التي تلغي أي فاعلية إنسانية مستقلة. ولم يحسم هذا الصراع بفعل قوة الحجة أو منطق البرهان، بل حُسم بالتدخل الخشن والدموي للسلطة السياسية، وتحديداً في عهد الخليفة العباسي المتوكل، الذي أدرك بعقلية المستبد أن بقاء نظامه والسيطرة على الحشود يتطلبان سحق أي نزعة عقلانية مادية واستبدالها بلاهوت تسليمي خرافي يشرعن الخضوع السياسي ويدجن الجماهير تحت مقولة القضاء والقدر والأمر الإلهي المطلق المعزول عن علل الواقع ومصالحه.
لتبديد الغموض عن هذا المأزق وفهم أبعاده المادية، لا بد من تفكيك الأطروحة الجريئة التي قدمها المعتزلة في أوج صعودهم المعرفي خلال القرنين الثاني والثالث الهجريين. انطلق المعتزلة من فرضية فلسفية ثورية مفادها أن للأفعال الإنسانية والأشياء المادية صفات ذاتية وكامنة تجعلها نافعة أو ضارة، خيرة أو شريرة، بغض النظر عن ورود نص ديني يحددها. فالعدل حسن في ذاته لأنه يحقق الصلاح والمنفعة المادية للمجتمع، والظلم قبيح في ذاته لما يجرّه من خراب واستغلال ودمار، والعقل البشري يمتلك القدرة المستقلة والأدوات المعرفية الكافية لادراك هذه القيم والصفات عبر رصد آثارها المادية في الواقع العملي. هذا يعني، في المنطق الاعتزالي، أن الأمر الإلهي لا يخلق القيمة من العدم، بل إن الله يأمر بالشيء لأنه حسن في ذاته ونافع للبشر، وينهى عن الشيء لأنه قبيح في ذاته وضار بوجودهم المادي. هذه الرؤية وضعت اللاهوت في خدمة الواقع وعقدت تصالحاً تاريخياً بين العقل والمادة، حيث أصبحت الأخلاق والقوانين خاضعة لمعايير موضوعية قابلة للقياس والنقد والتطوير الإنساني بناءً على تبدل علل المصالح والمفاسد على الأرض.
إن تبني المعتزلة لهذه العقلانية الموضوعية لم يكن معزولاً عن شروط التطور الاجتماعي والديموغرافي والدولي للإمبراطورية العباسية الناشئة. فقد انفتحت الدولة الجديدة على حضارات عريقة كالفارسية واليونانية والهندية، ووجدت نفسها تحكم مجتمعات معقدة ومتنوعة فكرياً وثقافياً، ولم يعد ممكناً إدارة هذه المنظومة الواسعة بالنصوص الشفهية الضيقة أو السرديات البدائية التي انبثقت من بيئة الصحراء. كانت الدولة بحاجة إلى لغة معرفية مشتركة وجهاز مفاهيمي كوني يتيح لها محاورة المخالفين ووضع تشريعات تستوعب علاقات الإنتاج الجديدة والتجارة الدولية المتنامية. لذلك، حظي المعتزلة برعاية النخبة المستنيرة وبعض الخلفاء كالمأمون والمعتصم والواثق، لأن أطروحتهم قدمت مبرراً فلسفياً لتحديث مؤسسات الدولة وقوانينها، وجعلت من العقل البشري مرجعية قادرة على التمييز بين الحق والباطل، والمصلحة والمفسدة، دون الارتهان الدائم للتأويلات الحرفية المتضاربة للنصوص النقلية التي كانت توظفها المعارضة القبلية أو الحركات التمردية.
في المقابل، تشكلت جبهة الردة المعرفية والنصية التي مثلها أهل الحديث وتوجها لاهوتياً أبو الحسن الأشعري، لتطرح مفهوماً نقيضاً ونسفياً لكل ما بناه العقلانيون. أعلنت الأشعرية عقيدة "التحسين والتقبيح السمعيين الشرعيين"، ومفادها أن العقل البشري عاجز تماماً وعميان عن معرفة أي قيمة ذاتية للأشياء والأفعال. فلا يوجد في المادة والواقع ما يمكن تسميته خيراً أو شراً بذاته؛ بل إن الخير هو ما أمر الشارع به، والشر هو ما نهى عنه. وبناءً على هذا اللاهوت الصادم، لو أمر الله بالظلم لكان الظلم عدلاً وحسناً، ولو نهى عن الصدق لكان الصدق قبيحاً وشراً؛ فالأفعال عارية عن أي صفات موضوعية، والإرادة الإلهية إرادة تحكمية مطلقة لا تُسأل عن علل أو غايات ولا ترتبط بمصالح العباد المادية. هذه القفزة الميتافيزيقية ألغت منطق السببية في الطبيعة والوجود، وحولت العالم المادي إلى شظايا متناثرة من الحوادث والاتفاقات المعزولة التي يخلقها الله لحظة بعد لحظة دون أي ترابط سببي، مما يعني تدمير إمكانية التفكير العلمي والبحث التجريبي في سنن المادة والمجتمع.
من المنظور الأنثروبولوجي والمادي، كان لزاماً على هذا التصور الأشعري والنصي أن ينتج نموذجاً إنسانياً مدجناً ومستلباً بالكامل. فإذا كان العقل عاجزاً عن إدراك الحسن والقبيح، وإذا كانت أفعال الإنسان مخلوقة ومقدرة عليه سلفاً دون مجاز حقيقي لروحه وفعل مادي مستقل، فإن النتيجة الحتمية هي تجريد الفرد من مسؤوليته الأخلاقية والتاريخية وتحويله إلى ريشة في مهب القدر الإلهي أو الإرادة السلطانية. هذا اللاهوت الجبري الذي صاغه أهل الحديث وتلقفته الأشعرية لم يكن يهدف إلى حماية التنزيه الإلهي كما ادعى أصحابه، بل كان أداة أيديولوجية هائلة لتثبيت الوضع القائم وصيانة مصالح النخب الطبقية المسيطرة؛ فإذا كان الفقر والظلم والاستبداد الواقع على الناس هو بتقدير الله وإرادته التحكمية التي لا علة لها، فإن أي محاولة لتغيير هذا الواقع المادي أو الثورة على الحاكم الجائر تصبح تمرداً على المشيئة الإلهية نفسها، ويكون الواجب على الرعية هو الصبر والقبول الأعمى بـ "المقدور" دون مساءلة أو نقد.
هنا يتقاطع الفلسفي بالسياسي في أبشع صوره المادية؛ إذ واجهت الخلافة العباسية في منتصف القرن الثالث الهجري تحولات طبقية وسياسية عاصفة هددت بقاء المركز الحاكم في بغداد وسامراء. لقد تزايدت التمردات والحركات الاجتماعية ذات الطابع الاقتصادي، مثل ثورات الزنج وحركات القرامطة والنفوذ المتنامي للقادة العسكريين الأتراك الذين بدأوا يستنزفون خزينة الدولة ويهددون سلطة الخليفة نفسها. في هذه الأجواء المشحونة بالخوف والاضطراب، وجد الخليفة المتوكل على الله، الذي اعتلى العرش عام اثنتين وثلاثين ومائتين للهجرة، أن الاستمرار في دعم المعتزلة والعقلانية يمثل خطراً حقيقياً على عرشه؛ فالمنهج الاعتزالي الذي يربط أحكام الشريعة بالعدل والعلل والمصالح المادية، يفتح الباب أمام النخب المثقفة والجماهير لمساءلة الخليفة وسياسته المالية والاقتصادية ومقارنتها بمعايير العدل العقلي الموضوعي، وهذا آخر ما يريده مستبد يبحث عن طاعة عمياء تضمن له السيطرة وحشد الأموال وتسيير الجيوش لقمع الخصوم.
بناءً على هذه الحسابات السياسية والمادية البرغماتية الصرفة، قاد الخليفة المتوكل انقلاباً جذرياً وشاملاً في أيديولوجيا الدولة الرسمية. أصدر المراسيم السلطانية التي تحظر تماماً الاشتغال بعلم الكلام والفلسفة، وأنهى محنة خلق القرآن لصالح الرؤية الحشوية التي تقول بقدم النص الحرفي، وأخرج قادة المعتزلة من دواوين الدولة وأروقة الحكم، وشرع في ملاحقتهم والتنكيل بهم وحرق كتبهم. وفي المقابل، قام المتوكل برفع شأن أهل الحديث وزعمائهم مثل أحمد بن حنبل، وأغدق عليهم الأموال والصلات، وقربهم من البلاط ليتولوا صياغة الوعي الديني الجديد للجماهير. لم يكن هذا التحالف بين السلطة السياسية والتيار النصي نابعاً من تقوى دينية مفاجئة حلت بقلب الخليفة الذي كان يعيش حياة باذخة مفعمة بالملذات في قصوره الأسطورية، بل كان صفقة سياسية واقتصادية مكتملة الأركان: السلطة تمنح الفقهاء المحدثين الاحتكار المعرفي والسيادة الروحية على عقول العوام، ومقابل ذلك يقدم هؤلاء الفقهاء صكوك الطاعة المطلقة للخليفة ويسوغون حكمه واستبداده بوصفه "ظلال الله في الأرض" الواجب طاعته وإن جلد الظهر وسلب المال.
إن سحق العقلانية المادية للاعتزال وإحلال النصية الخرافية محلها كان يعني مادياً وتاريخياً قفل باب الاجتهاد العقلي والتأسيس التشريعي المفتوح على متغيرات الواقع. تبلورت المنظومة الفقهية واللاهوتية الكلاسيكية بعد المتوكل لتكرس فكرة "النص المهيمن" وتلغي أي دور للعلة المادية والمنفعة الدنيوية في صياغة الأحكام ما لم تكن منضوية تحت إطار تأويلي ضيق يقاس بأقوال السلف الصحابة والتابعين. فتحول الفقه من أداة حيوية لتنظيم علاقات الإنتاج وحل مشكلات المجتمع المعقدة بناءً على المصلحة المادية القابلة للرصد، إلى مدونات جامدة تهتم بالشكليات والطقوس والعبادات، وتعجز عن تقديم حلول بنيوية للأزمات الاقتصادية والسياسية التي تلاحقت على الأمة، مما تسبب في جمود البنى الاجتماعية والحضارية وعجزها عن التطور ومواكبة قفزات التاريخ الحضاري للأمم الأخرى.
من أعمق الآثار المادية والسياسية الكارثية لهذا الانقلاب المتوكلي، هو تفكيك مفهوم السببية في الذهنية العربية والإسلامية وتجذير العقلية الخرافية التواكلية وسط الجماهير. عندما انتصر اللاهوت الأشعري الذي ينفي وجود قوى وميزات ذاتية في الأشياء والمادة، أصبحت الطبيعة مجرد رقعة للعبث والمشاهدة العشوائية، فالنار لا تحرق بذاتها بل الله يخلق الإحراق عند ملامستها، والماء لا يروي بذاته بل الله يخلق الري عنده، والدواء لا يشفي بذاته بل الشفاء فعل منفصل لا علاقة مادية له بتركيبة المادة الصيدلانية. هذا الإنكار الممنهج لقوانين الطبيعة والسببية أجهض في المهد الثورة العلمية والتجريبية التي كانت تبشر بها إسهامات ابن الهيثم وجابر بن حيان والكندي، وحول الذهنية العامة إلى وعي عجائبي ينتظر المعجزات والكرامات ويتلمس الحلول لمشاكله الاقتصادية والصحية عبر التوسل والدعاء والرقى البدائية، بدلاً من التخطيط العلمي والبحث المادي في أسباب التخلف والفقر والمرض.
لقد وظفت السلطة السياسية عبر العصور المتعاقبة (السلجوقية، والأيوبية، والمملوكية، والعثمانية) هذا المأزق الفكري لتدجين الشعوب وإدام خضوعها؛ فانتشار مدارس اللاهوت الأشعري والنصي الحنبلي حظي برعاية وتمويل دائمين من السلاطين والأمراء لأنه يخرج رعايا يمتثلون للأوامر دون تفكير، ويقبلون بالهزائم السياسية والمصائب المادية باعتبارها قضاءً وقدراً مكتوباً منذ الأزل في اللوح المحفوظ، ولا جدوى من محاربتها أو تغيير شروطها الموضوعية على الأرض. لقد تم تشويه مفهوم "العدل" ذاته، فبعد أن كان عند المعتزلة قيمة عقلية مادية واضحة تعني إعطاء كل ذي حق حقه ورفع الظلم والاستغلال عن كاهل البشر، تحول في القاموس الأشعري والسلطاني إلى تعريف تبريري بائس مفاده أن "العدل هو تصرف المالك في ملكه"، وبما أن الخليفة أو السلطان هو ظل مالك الملك في الأرض، فإن كل تصرفاته ومصادراته وظلمه هي عين العدل والحق، وليس للرعية إلا السمع والطاعة والاحتساب عند الله في الآخرة.
تثبت القراءة الفلسفية والتاريخية العميقة لصراع التحسين والتقبيح العقليين أن العقلانية لم تمت في الفكر الإسلامي موتاً طبيعياً بفعل عقم ذاتي، ولم تنهزم أمام النص لقوة في أطروحات الخصوم، بل ذُبحت ذبحاً متعمداً على مذبح المصالح الطبقية والسياسية للسلطة الحاكمة. إن الخيار الذي اتخذه الخليفة المتوكل بنبذ المعتزلة وتبني السلفية النصية الخرافية كان خياراً مصيرياً أفرغ الثقافة من مضمونها النقدي وحرَم المجتمع من أدوات وعيه المادي بالواقع. ولم يكن هذا السحق مجرد حدث تاريخي عابر انقضى بانقضاء العصر العباسي، بل هو بنية معرفية مستمرة وممتدة لا نزال نعيش ارتداداتها الكارثية حتى اليوم في مظاهر الاستلاب الفكري، والنزوع نحو التواكل والخرافة، والعجز عن تفكيك آليات الاستبداد السياسي بوعي طبقي ومادي حاسم. إن استعادة العقلانية التاريخية وبناء وعي عربي معاصر يتطلبان بالضرورة نقد هذا الانقلاب وتفكيك لاهوت الطاعة والجمود، وإعادة الاعتبار للعقل المادي الذي يرى القيمة في الواقع ويعلق القوانين والأخلاق بمصالح البشر الفردية والاجتماعية على الأرض، بعيداً عن أوهام السرديات التي صممتها السلطة لتدجين العقول وإدامة خضوع الشعوب.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire