Translate

بنية الطغيان: الجذور الثيولوجية والاجتماعية للديكتاتورية في الفكر الإسلامي (مقال)

.


.
بنية الطغيان: الجذور الثيولوجية والاجتماعية للديكتاتورية في الفكر الإسلامي




لا تمثل الديكتاتورية في الفضاء السياسي والاجتماعي الإسلامي مجرد عارض تاريخي طارئ أو انحراف عابر عن نموذج مثالي متخيل، بل هي المحصلة البنيوية الحتمية لمنظومة عقائدية ومعرفية تأسست، منذ لحظتها الجنينية الأولى، على مركزية الإقصاء ومحو الآخر المغاير. إن تفكيك آليات الاستبداد في هذا السياق يتطلب نفاذاً عميقاً إلى ما وراء تمظهرات السلطة السياسية الجافة، للوصول إلى الجذور الثيولوجية والفلسفية التي تمنح الطغيان مشروعيته الميتافيزيقية وتجعله مقبولاً بل ومطلوباً في الوعي الجمعي. تبدأ هذه الصيرورة من هندسة المفهوم التوحيدي ذاته، الذي يعاد إنتاجه سياسياً ليصبح النموذج الأعلى للديكتاتورية الكونية، مروراً بأطروحة ختم النبوة التي أغلقت منافذ التطور المعرفي والتاريخي، وصولاً إلى الدور الوظيفي للمؤسسة الفقهية في تطويع النصوص واختراع الأحاديث لخدمة الحاكم. إن خطورة هذه البنية لا تقف عند حدود النخبة الحاكمة، بل تكمن في تغلغلها الأنثروبولوجي داخل النسيج الاجتماعي للشعوب، مما حوّل المجتمعات ذاتها إلى أجهزة قمع جماعية تمارس دكتاتورية متبادلة ضد أي سلوك أو فكر يخرج عن نمط الجماعة النمطي الصارم.
تتأسس المداميك الأولى لبنية الطغيان من التصور اللاهوتي السائد للتوحيد، الذي جرى إسقاطه على الواقع المادي ليعمل كأيديولوجيا تبريرية للمستبد الأرضي. فالإله في هذا التصور ليس فكرة أخلاقية مجردة تسعى لإقرار العدل والمساواة، بل هو الحاكم المطلق، الفرد الصمد، الجبار، المتكبر، الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، والذي يتصرف في كونه تصرف المالك الذي لا تحد إرادته علة أو مصلحة إنسانية. هذا البناء الميتافيزيقي الذي يلغي السببية ويجعل الوجود بأكمله خاضعاً لمشيئة تحكمية لا ترد، ينعكس مباشرة على مرآة السياسة الأرضية؛ فالحاكم أو السلطان يصبح على الفور الوعاء البشري والممثل الأرضي لهذا النموذج السماوي. وكما أن الكون لا يحتمل إلهين لأن التعدد يعني الفساد والاضطراب، فإن الدولة والمجتمع لا يحتملان رأسين أو رأيين، ويتحول التعدد السياسي أو الفكري إلى مرادف للفتنة والشذوذ والتمرد على التصميم الكوني؛ فالوحدانية اللاهوتية تُترجم آلياً إلى أحادية سياسية واجتماعية صارمة، ويصبح الحاكم الفرد مستمداً شرعيته المادية من مطابقة سلوكه الإقصائي لصفات الجبروت الملكي الغيبي.
تكتسب هذه الأحادية لاهوتياً وسياسياً طابعاً إغلاقياً نهائياً عبر مسألة خاتم الأنبياء والرسل، وهي المسألة التي مثلت صدمة وجودية وتاريخية حسمت مصير العقلانية والتطور في البيئة الإسلامية. إن إعلان قفل باب الوحي والاتصال بالسماء بانقضاء عهد الرسول كان يعني، من منظور فلسفي واجتماعي، إعلان نهاية التاريخ المعرفي والتشريعي للبشرية، وتثبيت الحقيقة في لحظة تاريخية ماضية ومحددة. بناءً على هذه الأطروحة، أصبح الماضي هو المعيار الوحيد للصواب، وصار المستقبل مرادفاً حتمياً للانحراف والضلال، وتحول مفهوم "الابتداع" في الدين والدنيا إلى قرين للفساد والشر والتقبيح. هذا الإغلاق التاريخي سحق إمكانية ظهور أي رؤى تجديدية أو نماذج معرفية مغايرة؛ فكل مختلف أو داعٍ للتغيير أصبح يواجه تهمة القفز فوق ثوابت النص الختامي، وجرى تفريغ الوعي الجمعي من القدرة على التطلع نحو المستقبل، ليرتهن بدلاً من ذلك بالاجترار الدائم لنموذج الخلافة الراشدة الأولى، وهو نموذج مغرق في الخيال جرى تضخيمه أيديولوجياً ليصبح عائقاً بنيوياً يمنع الشعوب من التفكير في صياغة عقود اجتماعية وسياسية حديثة تناسب حركية الواقع ومتطلبات التطور المادي.
أمام هذا الإغلاق المعرفي والنصي، برزت الحاجة المادية للسلطة السياسية المستبدة إلى جهاز وظيفي يتولى مهمة الوساطة والتأويل وضبط حركة الجماهير، وهي المهمة التي اضطلعت بها طبقة الفقهاء والشيوخ عبر التاريخ بحرفية بالغة. شكلت هذه المؤسسة الدينية الطفيلية تحالفاً مادياً وطبقياً متيناً مع البلاط الحاكم؛ فبينما كانت السلطة تمنحهم النفوذ الاجتماعي، والأموال، والسيطرة على التعليم والقضاء، كان الفقهاء يقدمون في المقابل صكوك الشرعية الفقهية واللاهوتية لكل ممارسات الاستبداد والمصادرات المادية والتنكيل بالخصوم. استند الفقهاء في هذه اللعبة إلى الطبيعة الزئبقية للنصوص القرآنية، وهي نصوص حمالة أوجه، تتداخل فيها الآيات المكية المهادنة مع الآيات المدنية الصارمة والإقصائية، مما أتاح للمفسرين طمس معاني الحرية والعدل، وتثبيت آيات الطاعة والجهاد والخضوع لولي الأمر، وتطويع النص القرآني الممتد ليصبح على مقاس الرغبات السلطانية المباشرة، محولين الدين من تجربة روحية إلى أداة ضبط واستعمار داخلي لعقول الرعايا.
ولم يتوقف تطويع الآلة النصية عند حدود التأويل الزئبقي للقرآن، بل تجاوزه نحو الجريمة المعرفية الأكبر المتمثلة في اختراع وفبركة أحاديث منسوبة للرسول خلال العصرين الأموي والعباسي لتلبية الحاجات الأمنية والسياسية اللحظية للحكام. لقد امتلأت مدونات السنة بآلاف الروايات الموضوعة التي تفرض على الإنسان المسلم الاستسلام المطلق وتجرده من أي إرادة سياسية أو وعي طبقي، مثل الأحاديث التي تذمر من الخروج على الحاكم وإن كان جائراً وفاسقاً، وتأمره بالسمع والطاعة وإن جلد ظهره وسلب ماله. هذا اللاهوت الجبري التدجيني نجح في تحويل الخنوع السياسي إلى فضيلة دينية وقربة يتقرب بها العبد إلى ربه، وصار الصبر على استبداد الحاكم وظلمه علامة على قوة الإيمان وحسن الاحتساب، مما تسبب في إجهاض كافة الثورات الاجتماعية والانتفاضات الطبقية في المهد، وعزل الجماهير عن إدراك أسباب تخلفها المادي والاقتصادي، لتغرق في انتظار الفرج الغيبي والتعويض المؤجل في دار الآخرة.
إن الكارثة الأعمق والأخطر لهذه البنية الاستبدادية الممتدة عبر القرون لا تكمن في قسوة الأجهزة الأمنية للدول أو بطش السلاطين، بل في نجاح هذا اللاهوت الإقصائي في التغلغل الفيروسي داخل النسيج السيكولوجي والأنثروبولوجي للشعوب ذاتها. لقد تسربت عقلية الديكتاتور من رأس الهرم السياسي لتستوطن عقول العوام والمستضعفين، مما حوّل المجتمع إلى هيكل ميكانيكي من الديكتاتوريات الصغيرة المتداخلة. فكل فرد داخل هذه البيئة يمارس سلطة إقصائية دكتاتورية ضد من هم أدنى منه في المرتبة الطبقية أو الجندرية أو المعرفية؛ يمارسها الأب في أسرته، والشيخ في حارته، والمدير في دائرته. وصار المجتمع يمارس ما يمكن تسميته بـ "الديكتاتورية الجماعية الشاملة" ضد أي مظهر من مظاهر الاختلاف الفردي أو الخروج عن الرأي النمطي العام؛ فالخارج عن إجماع القطيع، سواء في عقيدته، أو لباسه، أو نمط حياته، أو أفكاره الفلسفية، يُنظر إليه كعنصر سرطاني مهدد لتماسك الجماعة، ويواجه بنبذ اجتماعي، وقمع اقتصادي، وتشهير أخلاقي، يصل في كثير من الأحيان إلى التواطؤ الشعبي مع السلطة لتصفيته مادياً وجسدياً تحت شعارات حماية الدين وصون السلم الأهلي.
تشتغل هذه الديكتاتورية الجماعية كآلية حماية ذاتية لمنظومة الجهل والجمود؛ فالخوف من سلطة الجماعة الباطشة ورفضها للمختلف يمنعان الأفراد من التفكير النقدي المستقل ويجبرانهم على تبني التقية والنفاق الاجتماعي كإستراتيجيات وحيدة للبقاء المادي والمعنوي. هذا المناخ الموبوء بالاختناق والإقصاء يقضي على روح المغامرة العلمية والإبداع الفلسفي، ويحول المجتمعات إلى تجمعات قطيعية تكرر ذاتها عبر الأجيال، وتعادي بالفطرة أي وافد معرفي أو حضاري حديث؛ فالذات الجماعية المستلبة لاهوتياً ترى في حريات الأفراد وحقوق الإنسان تفكيكاً لهويتها الثيولوجية المتخيلة، ولذلك تنحاز الجماهير في الغالب، وبوعي زائف مدهش، لصالح الأنظمة الديكتاتورية والحركات الأصولية الفاشية التي تعدها بإعادة إنتاج مجد السلف والقمع الصارم للمختلفين، ظناً منها أن هذا التنكيل بالآخر هو الطريق الوحيد لنيل الرضا الإلهي والحفاظ على النقاء العقائدي.
من منظور المادية التاريخية، تلاقت هذه البنية الإقصائية اللاهوتية مع مصالح النظم الاجتماعية البطريركية والقبلية التي هيمنت على الشرق الأدنى؛ فالقبيلة بطبيعتها بنية مغلقة تقوم على التضامن الميكانيكي الأعمى ونبذ الفردية لصالح الشيخ والرمز القبلي، وحين تبنت هذه القبائل اللاهوت الإسلامي الأحادي، حدث اندماج كامل بين عصبية القبيلة وإقصائية الدين. فلم يعد الاستبداد مجرد ممارسة إدارية لضبط ريع الأرض وجباية الخراج، بل أصبح طقساً ثنائياً يجمع بين قداسة السماء وسيف القبيلة الفاتحة. هذا التزاوج التاريخي أنتج نمط إنتاج آسيوي ريعي يقوم على خمول الطبقات المنتجة وغياب المبادرة الفردية، حيث تسيطر النخبة الحاكمة العسكرية والفقيهة على الفائض الاقتصادي، وتُبقي الجماهير في حالة من الفقر المادي والعجز المعرفي الذي يمنعها من تطوير وعي طبقي حاسم يفكك آليات السيطرة وشبكات المصالح الممتدة بين الجامع والقصر.
ويتضح هذا الترابط الشرطي بين اللاهوت والأحادية السياسية عند مراقبة فشل كل محاولات التحديث السياسي والبنيوي التي شهدتها المنطقة في العصر الحديث. فكلما حاول مصلح أو تيار سياسي إدخال مفاهيم الديمقراطية، والعلمانية، والمواطنة، وفصل السلطات، واجه هجمة مرتدة وشرسة من المؤسسة الدينية والجماهير المستلبة على حد سواء؛ إذ يجرى تصوير هذه المبادئ الإنسانية كبضاعة غربية مستوردة وتحدٍ سافر لحاكمية الله وشريعته المطلقة. وتتحول المنظومة الديمقراطية في وعي هذه الشعوب إلى مجرد آلية عددية جوفاء تتيح للأغلبية الطائفية أو القبلية الوصول إلى صناديق الاقتراع من أجل ممارسة دكتاتورية دينية أشد قسوة وبطشاً ضد الأقليات والمختلفين، مما يثبت أن استنبات الديمقراطية في بيئة ثقافية لم تفكك لاهوتها الإقصائي القديم هو حرث في البحر، وأن الديكتاتورية السياسية ستبقى تتناسل وتعيد إنتاج نفسها بأقنعة مختلفة ما دامت الجذور المعرفية الكامنة في البنية الثيولوجية لم تمس بمشرط النقد الجذري والعقلاني.
إن تفكيك بنية الطغيان يتطلب الإقرار بالشجاعة المعرفية بأن الديكتاتورية في المجتمعات الإسلامية ليست مشكلة سياسية تكمن في شخص الحاكم أو طبيعة الدستور الوضعي، بل هي أصل ثابت ومتجذر في صلب الرؤية الدينية للكون والتاريخ والإنسان. إنها تبدأ من التوحيد الذي يلغي التعددية ويهندس الغيب كإمبراطورية مطلقة للمستبد الكوني، وتستمر عبر ختم النبوة الذي يعجز العقل عن مجاراة الحاضر ويربطه بالمقابر والماضي، وتتغذى على كدح الفقهاء في صناعة لاهوت الخنوع واختراع نصوص الطاعة والعبودية، وتستقر كنمط عيش وسلوك يومي يمارسه المظلومون ضد بعضهم البعض بروح إقصائية فاشية. إن التحرر الحقيقي والخروج من هذه الدائرة الجهنمية للمصادرات والمظالم لا يمكن تحقيقه عبر تغيير الوجوه السياسية أو إصلاحات إدارية قشرية، بل يستدعي ثورة معرفية وأنثروبولوجية تقتحم حصون اللاهوت الإقصائي، وتفكك لاهوت الطاعة والوحدانية السياسية، وتعيد الاعتبار للفرد الإنساني كذات حرة مستقلة وصاحبة الحق الحصري في صياغة قيمها، وتشريعاتها، ومصيرها المادي على هذه الأرض، بعيداً عن وصاية السماء وسيوف الشيوخ وجحافل الجماعات المدجنة.





.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...