.
.
التربية على الولاء والبراء: تدمير العقد الاجتماعي العالمي وصناعة الكراهية العقدية
تعد عقيدة الولاء والبراء واحدة من أكثر المفاهيم الدينية مركزية وخطورة في المنظومة الفكرية الإسلامية، حيث تمثل العمود الفقري الذي تقوم عليه صياغة علاقة المسلم بذاته وبالعالم من حوله. إن هذه العقيدة ليست مجرد موقف قلبي عابر، بل هي منظومة تربوية شمولية تهدف إلى إعادة هندسة الوجدان البشري ليكون قائماً على ثنائية حادة لا تقبل المساومة: الحب المطلق والتبعية الكاملة لكل ما ينتمي للعقيدة (الولاء)، والبغض المطلق والعداء المستمر لكل ما ومن يختلف عنها (البراء). إن التربية على هذا المفهوم منذ الطفولة المبكرة تمثل عملية تجريف ممنهجة للروابط الإنسانية الشاملة، حيث يتم استبدال فطرة التعاطف البشري والفضول المعرفي تجاه الآخر ببرمجة ذهنية تزرع الكراهية كأصل وجودي. هذا البحث يسعى لتفكيك أثر هذه العقيدة في تدمير مفهوم العقد الاجتماعي العالمي، وكيف أنها تلغي قيم المواطنة والتعايش لصالح روابط ضيقة تؤسس لصراعات أبدية لا تنتهي إلا بمحو الآخر أو إخضاعه.
تبدأ مأساة الولاء والبراء من داخل الأسرة والمؤسسات التعليمية الدينية، حيث يُلقن الطفل أن هويته لا تُعرف بما يقدمه من خير للبشرية، بل بمن يوالي ومن يعادي. يتم تحويل "الحب والبغض" من مشاعر إنسانية تلقائية تخضع للمعايير الأخلاقية والسلوكية إلى "واجبات دينية" مرتبطة بالهوية العقائدية حصراً. الطفل الذي يتعلم أن عليه "بغض الكافر" لله، حتى لو كان هذا الكافر جاراً مسالماً أو طبيباً يداويه أو عالماً يخدم البشرية، ينمو ولديه انفصام أخلاقي حاد. هو يرى الإنسانية في الآخر، لكن العقيدة تأمره بإلغاء هذا الإدراك واستبداله بكراهية "مقدسة". هذه التربية تقتل في مهدها فكرة العقد الاجتماعي الذي يقوم على الاحترام المتبادل والمساواة في الحقوق والواجبات بغض النظر عن المعتقد، وتستبدلها برابطة "الدم والعقيدة" التي ترى في غير المنتمي لها عدواً محتملاً أو كائناً أدنى لا يستحق الولاء.
إن إحدى أخطر نتائج التربية على الولاء والبراء هي تفتيت مفهوم المواطنة الوطنية والعالمية. فالمواطنة الحديثة تقوم على الولاء للدولة وللقانون وللقيم الإنسانية المشتركة التي تجمع بين مختلف الأطياف في حيز جغرافي واحد. أما عقيدة الولاء والبراء، فهي تضع "الرابطة العقدية" فوق كل اعتبار وطني أو إنساني. المسلم المتربّي على هذه العقيدة يجد نفسه مضطراً لموالاة مسلم غريب في أقصى الأرض، حتى لو كان متطرفاً أو مجرماً، والبراءة من مواطنه المخالف له في الدين، حتى لو كان وفياً لوطنه. هذا الانقسام الولائي يخلق "مجتمعات موازية" داخل الدولة الواحدة، حيث يعيش الأفراد بجسدهم في وطن وبولائهم في فضاء أيديولوجي عابر للحدود يزدري قوانين الدولة المدنية ويراها "قوانين وضعية كفرية". هنا يصبح التعايش مجرد "هدنة" أو "تقية" تفرضها موازين القوى، وليس قناعة أخلاقية بالعيش المشترك، مما يجعل السلم الأهلي هشاً وقابلاً للانفجار عند أول صدام أيديولوجي.
علاوة على ذلك، تعمل هذه العقيدة على "تجريد العالم من إنسانيته" عبر تقسيم البشرية إلى معسكرين: فسطاط الإيمان وفسطاط الكفر. هذا التقسيم يلغي مفهوم "المواطنة العالمية" التي تسعى المنظمات الدولية والقوانين الحديثة لترسيخها. فبدلاً من رؤية التنوع الثقافي والديني كإثراء للجنس البشري، تراه عقيدة الولاء والبراء كتهديد يجب الحذر منه أو محاربته. الكراهية الفطرية التي تُزرع تجاه "المختلف" تمنع الفرد من تقدير الإنجازات الحضارية والعلمية للأمم الأخرى، حيث يُنظر لكل ما ينتجه "الآخر" بريبة وشك، بوصفه محاولة لغزو عقول المسلمين أو صرفهم عن دينهم. هذا الانغلاق الفكري يحرم المجتمعات الإسلامية من الاندماج الحقيقي في المسيرة الحضارية العالمية، ويجعلها تعيش في حالة دفاعية مستمرة وتوجس دائم من كل ما هو "أجنبي"، مما يؤسس لعداء وجودي يتجاوز المصالح السياسية ليصل إلى صراع على الهوية والبقاء.
إن عقيدة الولاء والبراء تمثل أيضاً البنية التحتية النفسية التي يرتكز عليها الإرهاب والتطرف. فلكي يقدم الانتحاري على قتل الأبرياء، يجب أولاً أن يتمكن من "البراءة" منهم تماماً، أي نزع أي رابطة إنسانية تجمعه بهم. التربية المكثفة على بغض الآخر تجعل عملية القتل مجرد نتيجة منطقية لعداء مسبق تم تأصيله شرعياً. عندما يسمع الشاب لسنوات أن "الكفار" هم أعداء الله، وأن موالاتهم مخرج من الملة، وأن بغضهم من أوثق عرى الإيمان، فإنه يصبح مهيأً تماماً لرؤية الدماء المسفوكة كعمل بطولي. إن الإرهاب ليس سوى "التطبيق العملي" لعقيدة البراء في ذروة توحشها. وبدون تفكيك هذه العقيدة في المناهج التعليمية والخطاب الديني، سيظل العالم يواجه موجات متلاحقة من العنف؛ لأن المشكلة ليست في "السلاح" بل في "العقل" الذي تم حشوه بكراهية الآخر قبل أن يتعلم كيف يحب نفسه.
كما تؤدي هذه التربية إلى تدمير الروابط الأسرية والاجتماعية في حالات الاختلاف الفكري. فعقيدة الولاء والبراء تفرض على المرء التبرؤ حتى من أقرب الناس إليه، كالوالدين أو الإخوة، إذا ما اختاروا طريقاً فكرياً مختلفاً أو تركوا الدين. هذا التمزيق للنسيج الاجتماعي الصغير (الأسرة) يعكس مدى توغل هذه العقيدة في تدمير الفطرة البشرية. الإنسان الذي يُطالب بالتضحية بمشاعره الطبيعية نحو أهله في سبيل "الولاء العقدي" هو إنسان يتم تجريده من مشاعره الإنسانية ليصبح آلة أيديولوجية صماء. هذا النوع من "الشمولية العقدية" لا يترك مساحة للحرية الفردية أو للتعددية، ويحول المجتمع إلى ثكنة عسكرية قائمة على الطاعة والولاء الأعمى، حيث يُصنف أي نقد أو اختلاف كخيانة تستوجب البراءة والمقاطعة أو حتى القتل.
من الناحية الجيوسياسية، تساهم عقيدة الولاء والبراء في تأجيج الصراعات الأبدية بين الدول والمجتمعات. فالعلاقات الدولية في ظل هذه العقيدة لا تقوم على المعاهدات والمصالح المتبادلة والاحترام السيادي، بل تقوم على منطق "السيادة للعقيدة". هذا المنطق يرى في الدول غير المسلمة "دار حرب" بالضرورة، وفي المعاهدات مجرد وسيلة مؤقتة للتمكين. هذا الفكر يمنع نشوء استقرار عالمي حقيقي، لأنه يغذي طموحات "أممية" توسعية تزدري الحدود الوطنية وتطمح لفرض نظام واحد على المعمورة. إن الصراع الذي تؤسس له هذه العقيدة هو صراع "صفري" لا يقبل الحلول الوسط؛ فإما الولاء التام أو البراء التام والعداء المستمر. وهذا هو الجذر الحقيقي لفشل الكثير من محاولات الاندماج للمهاجرين في المجتمعات الغربية، حيث تظل عقيدة الولاء والبراء حاجزاً نفسياً يمنع الفرد من الولاء الحقيقي لمجتمعه الجديد وقوانينه، ويجعله يعيش كـ "غريب معادٍ" في الداخل.
إن مواجهة هذا الخطر تتطلب ثورة تعليمية وفكرية تضع "الإنسان" فوق "العقيدة". يجب الاعتراف بأن التربية على كراهية الآخر هي جريمة بحق الطفولة وبحق السلم العالمي. إن البديل الحقيقي لعقيدة الولاء والبراء هو "العقد الاجتماعي العالمي" القائم على المواطنة العالمية، وحقوق الإنسان، وقبول التعددية كقيمة إنسانية عليا. يجب تعليم الأطفال أن الولاء يكون للقيم الأخلاقية العالمية كالحق والعدل والصدق والتعاون، وليس لهوية ضيقة تزدري الآخرين. إن فك الارتباط بين "الدين" وبين "العداء السياسي والاجتماعي" هو السبيل الوحيد لإنقاذ المجتمعات من دوامات العنف والكراهية. بدون ذلك، ستظل عقيدة الولاء والبراء تعمل كـ "لغم موقوت" في قلب الحضارة الإنسانية، يهدد بتفجير كل محاولات التقارب والتعايش، ويبقي البشرية أسيرة لصراعات القرون الوسطى في عصر الذكاء الاصطناعي وغزو الفضاء.
في الختام، يمثل الولاء والبراء المسمار الأخير في نعش التضامن الإنساني إذا ما استمر كمنهج تربوي وعقدي. إنه يلغي "إنسانية الإنسان" ويختزله في تصنيف طائفي ضيق، مما يؤدي إلى تجريف الأخلاق الكونية واستبدالها بأخلاقية "العصابة العقدية". إن العالم اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى تجاوز هذه المفاهيم الإقصائية وبناء وجدان بشري يحتفي بالاختلاف ويرى في كل إنسان شريكاً في الوجود، لا عدواً في العقيدة. إن كسر حلقة الكراهية الموروثة يبدأ من شجاعة نقد النصوص والتقاليد التي تقدس البراء وتزدري الآخر، ومن إعادة الاعتبار للفطرة البشرية التي تميل للحب والتعاون، قبل أن تلوثها أيديولوجيات الموت والعداء الأبدي. إن العقد الاجتماعي العالمي لا يمكن أن يستقيم طالما أن هناك من يربي أجياله على أن "بغض الآخر" هو أقصر الطرق لمرضاة السماء. الحقيقة هي أن السماء لا تُرضى بتدمير الأرض، والولاء الحقيقي يجب أن يكون للحياة وللبشرية جمعاء، بعيداً عن صنم الولاء والبراء الذي لم ينتج سوى الدمار والفرقة والضياع.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire