.
بين شرفتين
بنزرت، المدينة التي ينام البحر في حضنها وتستيقظ هي على ملوحته. في حي "بوقطفا"، حيث تتراص العمارات ببرود يوحي بالسكينة ويخفي خلف الجدران آلاف الحكايات المكتومة، كان "أمين" يعيش روتينه كمن يسير في حلم طويل.
أمين، مهندس في ميكانيكا السفن، رجل في أواخر الثلاثينيات، اختار العزلة لا كعقاب، بل كدرع. شقته في الطابق الرابع تطل مباشرة على نهج ضيق يفصل بين عمارته وعمارة مقابلة، توأم في القبح المعماري وفي الوجع الإنساني.
نافذة على عالم آخر
بدأت القصة في ليلة من ليالي الشتاء البنزرتي القاسي، حين تعوي الرياح "الشرقية" وتجبر الجميع على إغلاق النوافذ. لكن أمين، الذي كان يدخن سيجارته الأخيرة قبل النوم، لمح حركية في الشقة المقابلة. كانت هي.
لم تكن "ليلى" مجرد جارة، بل كانت تجسيداً للحياة التي لم يعشها أمين. كانت تعيش في الطابق الثالث من العمارة المواجهة. في تلك الليلة، كانت تحاول تهدئة طفلها الصغير بينما يركض الآخر حول الطاولة. كانت ملامحها متعبة، هالات سوداء خفيفة تحت عينيها، وشعرها مربوط بإهمال يوحي بامرأة لم تعد تملك وقتاً لنفسها.
مع مرور الأيام، تحولت الملاحظة العابرة إلى طقس يومي. لم يكن أمين "متلصصاً" بالمعنى القبيح للكلمة، بل كان يبحث عن "ونس" في فراغه. كان يعرف مواعيد استيقاظها، متى تفتح الستائر لتسمح لشمس الصباح الباهتة بالدخول، ومتى يعود زوجها.
الرجل الظل
الزوج، "كمال"، كان رجلاً غليظ الملامح، يعمل في التجارة الحرة بين بنزرت وتونس العاصمة. كان يعود متأخراً دائماً، وفي الأيام التي يعود فيها باكراً، كان أمين يسمع صراخهما يتصاعد عبر الشارع الضيق. لم تكن كلمات واضحة، بل نبرات حادة، صفعات معنوية ترتطم بجدران شقة أمين وتستقر في قلبه.
كان أمين يراقب ليلى وهي تقف في الشرفة بعد كل مشاجرة. تمسك بكوب قهوة بارد، وتنظر نحو الأفق، نحو القنال الكبير حيث تمر السفن الضخمة. كان يشعر برغبة عارمة في أن يلوح لها، في أن يقول لها: "أنا هنا، أنا أراكِ، وأعرف كم أنتِ وحيدة".
ذات صباح في سوق "السمك" القديم، التقت نظراتهما لأول مرة. كانت تشتري "الوراطة" من بائع يساومها على السعر. وقف أمين قريباً منها، شم رائحة عطرها البسيط الممزوج برائحة البحر. التفتت نحوه، بدت كأنها تعرفه. ربما لمحت ظله خلف نافذته؟ ربما هو الصمت المشترك بين الغرباء؟
قال لها بصوت خفيض: "هذا البائع يغش في الميزان، انتقلي إلى الطاولة الموالية".
نظرت إليه بدهشة، ثم ابتسمت ابتسامة شاحبة وقالت: "شكراً.. ظننت أن لا أحد يهتم".
الحب الصامت
تلك الجملة "ظننت أن لا أحد يهتم" كانت القيد الذي كبّل أمين. منذ ذلك اليوم، تحولت المراقبة إلى حب صامت، ينمو في العتمة مثل الطحالب على صخور الميناء. بدأ يشتري لها الهدايا التي لا يستطيع منحها إياها. يشتري كتباً يعتقد أنها ستحبها، يضعها على رف مكتبته ويهديها إياها في خياله.
كان يراقبها وهي تلاعب طفليها. كان يرى في حركاتها حناناً يفتقده هو في جدران شقته الباردة. بدأ يتخيل نفسه مكانه "كمال". يتخيل أنه هو من يعود بالخبز الساخن، وهو من يقبل جبينها ويخبرها أن كل شيء سيكون بخير.
لكن الواقع كان يصفعه في كل مرة يرى فيها كمال يدخل الشقة ويغلق الستائر بعنف.
المواجهة غير المعلنة
في أحد أيام الربيع، حين تكتسي غابات "الناظور" بالخضرة، قرر أمين أن يكسر الصمت بطريقته. لم يكن يريد هدم بيتها، بل أراد أن يكون "رئة" تتنفس منها.
بدأ يضع أحياناً أصيصاً من الورد على شرفته، أزهار "الجيرانيوم" الحمراء التي تحبها نساء بنزرت. كانت ليلى تلاحظ. وفي المقابل، بدأت هي الأخرى تترك نافذة المطبخ مفتوحة لفترة أطول. كانا يتواصلان عبر "الفراغ" بين العمارتين. هي تغسل الأطباق وتدندن بصوت لا يصله، وهو يقرأ كتابه ويتظاهر بأنه لا يراقبها.
ذات ليلة، انقطع التيار الكهربائي عن الحي بأكمله. ساد الظلام، وخرج الناس إلى الشرفات. كانت المسافة بين الشرفتين لا تتجاوز الستة أمتار.
قالت ليلى بصوت مسموع: "ظلام موحش، أليس كذلك؟".
أجاب أمين، وقلبه يقرع كطبل: "أحياناً يكون الظلام أرحم من رؤية ما لا نحب".
ساد صمت طويل، ثم قالت: "لماذا تراقبني يا جار؟".
تجمد أمين. لم يتوقع الصراحة.
"أنا لا أراقبكِ، أنا أنتظر أن تبتسمي، لكي أعرف أن العالم لا يزال بخير".
سمع تنهيدة عميقة من الجانب الآخر. "العالم ليس بخير، وأنا لست بخير. كمال يريد الرحيل.. يريد الهجرة إلى إيطاليا ويتركني هنا مع الطفلين حتى يتدبر أمره".
ذروة الألم
مرت الشهور، وأصبح أمين جزءاً غير مرئي من حياة ليلى. كان يعرف متى يمرض طفلها "ياسين"، وكان يعرف متى تبكي لأن كمال لم يتصل. أصبح حبه لها نوعاً من "الصوفية الحديثة"؛ حب لا يطمح للمس، بل للاحتواء.
في ليلة عاصفة من شهر نوفمبر، اشتعل شجار عنيف في الشقة المقابلة. صراخ، تكسير أواني، ثم صوت صفعة قوية تلاها بكاء مكتوم. لم يستطع أمين الاحتمال. نزل الدرج ركضاً، عبر النهج، وصعد عمارتها. وقف أمام بابها، يده ترتجف.
فتح كمال الباب، كان يفوح برائحة التبغ والغضب.
"ماذا تريد؟" سأل كمال بوقاحة.
قال أمين بصوت ثابت رغم الرعب: "الجيران يشتكون من الضجيج.. اهدأ قليلاً".
دفع كمال أمين في صدره وقال: "اهتم بشؤونك يا أعزب، واغرب عن وجهي".
أغلق الباب في وجهه. عاد أمين إلى شقته، وقف خلف نافذته والدموع في عينيه. رأى ليلى تقترب من نافذتها، كانت عينها محمرة ومتورمة. نظرت إليه، وضعت يدها على الزجاج، ووضع هو يده على زجاج نافذته. كان الزجاج هو الفاصل، وهو الحامي، وهو المستحيل.
الرحيل والبقاء
بعد تلك الحادثة بأسبوع، رحل كمال. لم يرحل إلى إيطاليا، بل رحل إلى امرأة أخرى في مدينة أخرى، تاركاً ليلى تواجه مصيرها مع طفلين وإيجار شقة لا تملك ثمنه.
بدأت ليلى تذبل. رآها أمين وهي تبيع قطعاً من أثاثها. رآها وهي تخرج في الصباح الباكر لتبحث عن عمل في معامل الخياطة بـ "منزل جميل".
قرر أمين أن يتدخل، لكن بكرامة. بدأ يضع مغلفات مالية تحت بابها ليلاً، دون اسم. كان يكتب فقط: "من صديق لا ينام".
كانت تعرف أنه هو. في الصباح، كانت تنظر نحو نافذته، تحني رأسها قليلاً كعلامة شكر، ثم تمضي لعملها.
لم يتجرأ أمين يوماً على اقتحام حياتها. ظل "الحبيب الظل". كان يكتفي برؤيتها وهي تطعم طفليها، وهي تستعيد عافيتها تدريجياً. أصبحت ضحكات الأطفال تعود لتملأ الشارع، وأصبح أمين يبتسم من خلف زجاجه.
الخاتمة
في مدينة بنزرت، حيث يختلط الحب بالملوحة، تعلم أمين أن أسمى أنواع الحب هو ذلك الذي لا يمتلك. هو الذي يحمي من بعيد، الذي يكون "سقفاً" لشخص لا يعرف أنك تحميه من المطر.
ذات مساء، بينما كان الجو صحواً والقمر ينعكس على مياه القنال، رأى ليلى تضع أصيص "جيرانيوم" جديداً على شرفتها. نظرت باتجاهه، ابتسمت بوضوح هذه المرة، ثم دخلت لتنادي طفليها.
لم يتزوج أمين ليلى، ولم يلمس يدها أبداً. لكنه في كل ليلة، قبل أن ينام، يغلق ستائره وهو يشعر أنه أغنى رجل في العالم، لأنه يملك "نافذة" تطل على الجنة، حتى لو كانت تلك الجنة ملكاً لشخص آخر.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire