.
.
مهزلة العقل العربي في مواجهة العقل اليهودي وفضيحة الأرقام بين غوغائية الكم ونخبوية الكيف
تمثل المقارنة بين المحتوى المعرفي المنتج باللغتين العربية والعبرية على شبكة الإنترنت وفي الأوعية المعلوماتية الحديثة صدمة حضارية تتجاوز حدود الأيديولوجيا لتستقر في صلب الحقائق المادية والإحصائية الصارمة التي لا تجامل أحداً ولا تعترف بالعواطف القومية الجريحة إننا أمام مشهد سريالي يتجلى فيه بؤس العقل العربي الذي يمتلك خزيناً ديمغرافياً يتجاوز أربعمئة وخمسين مليون نسمة مقابل عقل يهودي عبري لا يتجاوز الناطقون بلغه الثمانية ملايين إنسان داخل إسرائيل ومع ذلك فإن لغة الأرقام والمساهمة العلمية والتقنية تكشف عن هوة سحيقة تجعل من "السيادة العربية" مجرد وهم رقمي فارغ ومن "التفوق العبري" حقيقة مادية ملموسة تُصاغ في مخابر البحث ومراكز الابتكار فالمحتوى العربي على الشبكة العنكبوتية رغم ضخامته العددية يعاني من ضحالة معرفية وتكرار إنشائي وغرق في الغيبيات والمساجلات الطائفية بينما يقدم المحتوى العبري مادة علمية وتقنية وثقافية رصينة تتناسب مع احتياجات العصر الحديث مما يطرح تساؤلاً وجودياً ومصيرياً حول مستقبل شعوب تستهلك الوهم وتنتج الهباء في مقابل شعوب تقبض على ناصية العلم وتصنع المادة والمنطق والسيادة.
إن الفضيحة الإحصائية تبدأ من تحليل نوعية المحتوى المنشور بالعربية حيث تشير الدراسات المسحية لبيانات الويب إلى أن الغالبية العظمى من الصفحات العربية تقع في خانة "المحتوى المكرر" أو "المنقول" الذي لا يضيف قيمة معرفية حقيقية بل هو مجرد اجترار لنصوص تراثية أو فتاوى دينية أو أخبار فضائحية وترفيهية رخيصة وفي المقابل نجد أن اللغة العبرية التي كانت قبل قرن من الزمان لغة طقوسية شبه ميتة قد تحولت إلى وعاء للمحتوى العلمي الفائق حيث تُترجم إليها أحدث الأبحاث العالمية وتُنتج بها دراسات أصلية في الفيزياء والبيولوجيا وهندسة البرمجيات والذكاء الاصطناعي بنسب تتفوق بمراحل على الإنتاج العربي قياساً لعدد السكان إن هذه المفارقة الديمغرافية تعكس خللاً بنيويًا في العقل العربي الذي لا يزال يرى في "اللغة" وعاءً للفخر والبيان والشعر بينما يراها العقل العبري أداة وظيفية للاشتباك مع المادة والسيطرة على الطبيعة وهذا الفرق في "الوظيفة" هو الذي جعل المحتوى العبري ثابتاً وقيماً ومؤثراً بينما ظل المحتوى العربي سائلاً وفارغاً ومضطرباً يعكس حالة التيه الحضاري التي تعيشها الشعوب الناطقة به.
وعندما نغوص في عمق المقارنة الديمغرافية نكتشف حجم المهزلة المعرفية فالإنسان العربي يمثل جزءاً من كتلة بشرية هائلة كان من المفترض أن تنتج محتوىً يوازي حجمها وتاريخها المدعى لكن الواقع يشير إلى أن المساهمة العربية في ويكيبيديا على سبيل المثال وهي مرآة لوعي الشعوب تظل متواضعة جداً مقارنة باللغة العبرية من حيث عمق المقالات ودقتها العلمية والتوثيق الأركيولوجي والمادي فالمقالة العبرية في الغالب تُكتب بروح البحث الأكاديمي الصارم المدعوم بالمراجع واللقى المادية بينما تسيطر "الإنشائية الأدبية" والنزعة الاعتذارية على المقالة العربية التي تهدف غالباً لتمجيد الذات أو الدفاع عن المقدس بدلاً من تقديم الحقيقة العارية إن هذا التفوق الكيفي للعبرية يذبح الادعاءات العربية حول "العالمية" ويثبت أن القيمة لا تكمن في كثرة الأفواه الناطقة بل في نوعية الأدمغة المفكرة القادرة على صياغة محتوى يتحدى الزمن ويقدم حلولاً مادية لمشكلات الوجود البشري المعاصر.
إن المحتوى العربي الضحل هو انعكاس لسيكولوجية "جيوش الحمير الرقمية" التي ناقشناها سابقاً حيث يتحول الإنترنت في العالم العربي إلى ساحة للغوغائية الرقمية التي تعيد إنتاج التخلف بصورة تقنية فالخوارزميات التي تغذي المحتوى العربي تميل نحو الإثارة والغيبيات لأن هذا هو ما يطلبه الجمهور بينما الخوارزميات في الوسط العبري واليهودي تتوجه نحو القيمة المضافة لأن العقل هناك مبرمج على الإنتاج لا على الاستهلاك العاطفي وهذا التناقض المادي يجعل الأمل في المستقبل بالنسبة للعرب يبدو ضئيلاً ما لم يحدث انقلاب جذري في بنية التفكير فالشعوب التي لا تساهم في المحتوى العلمي العالمي بلغتها الأم هي شعوب محكوم عليها بالتبعية والزوال المعرفي فالعبرية اليوم رغم قلة الناطقين بها هي لغة حية تخاطب المستقبل بينما العربية رغم كثرة الناطقين بها تبدو وكأنها لغة تحاول الهروب نحو الماضي أو الاختباء في جلباب الترجمة الرديئة التي لا تغني من جوع تقني.
علاوة على ذلك فإن فجوة المحتوى تعكس غياب المؤسسات البحثية الحقيقية في العالم العربي فالمحتوى العبري القوي هو نتاج لجامعات ومراكز أبحاث تعمل بروح المادة والمنطق وتعتبر إنتاج المعرفة ونشرها فعلاً وجودياً للحفاظ على البقاء بينما تعاني المؤسسات العربية من الترهل والتبعية للأيديولوجيا والسلطة مما جعل المحتوى المنشور يعبر عن رغبات "الرقيب" أو "الفقيه" أو "المهرج الرقمي" بدلاً من التعبير عن "العالم" إن نفاق المثقف العربي يظهر بوضوح هنا فهو يتحدث عن "عظمة الحضارة العربية" ولكنه يكتب ويساهم في محتوى فارغ من أي قيمة تجريبية بينما يكتفي العقل اليهودي بالصمت المنتج الذي تظهر نتائجه في براءات الاختراع والمنشورات العلمية التي تملأ قواعد البيانات العالمية وهذا الفرق بين "ضجيج الفارغ" و"صمت الممتلئ" هو جوهر المهزلة التي نعيشها حيث تحول العرب إلى ظاهرة صوتية رقمية بينما تحول اليهود إلى قوة مادية رقمية مهيمنة.
إن التساؤل حول أمل هذه الشعوب في المستقبل يأخذ طابعاً مأساوياً عندما ننظر إلى إحصائيات القراءة والبحث فالمستخدم العربي يبحث في الغالب عن تفسير الأحلام أو الأغاني أو السجالات المذهبية بينما يبحث المستخدم العبري عن الابتكارات التكنولوجية والتحليلات السياسية الرصينة والعلوم البحتة وهذا التباين في اهتمامات "المستهلك الرقمي" يحدد مسار التطور المستقبلي فالعقل الذي يتغذى على الضحالة لا يمكنه بناء حضارة صلبة والعقل الذي يتغذى على العلم لا يمكنه أن يُهزم حضارياً إن الشعوب العربية بسلوكها الرقمي الحالي تبرهن على أنها تعيش حالة "انتحار معرفي" طوعي حيث تضيع ساعات العمل والإنتاج في ملاحقة "ترندات" تافهة ومحتويات مكررة لا تزيد الوعي إلا تبلداً ونفاقاً بينما يستغل الطرف الآخر كل ثانية رقمية لتعزيز وجوده المادي وتوثيق روايته التاريخية بالأدلة الأركيولوجية والبحثية التي يفتقدها العرب في دفاعهم العاطفي عن "خرقتهم البالية" المسماة هوية.
إن العقل اليهودي استطاع عبر لغته العبرية المحدثة أن يخلق "إجماعاً علمياً" يتجاوز حدود الجغرافيا ليربط كل يهود العالم بشبكة معرفية فائقة القوة بينما فشل العقل العربي في تحويل لغته المشتركة إلى أداة للوحدة المادية بل حولها إلى سكين للتمزق الطائفي واجترار المظلوميات التاريخية فالمحتوى العربي على الإنترنت هو مرآة للتشرذم والضياع حيث تجد آلاف المواقع والصفحات التي يكفر بعضها بعضاً أو تتصارع على قضايا وهمية بينما المحتوى العبري يبدو ككتلة واحدة منسجمة تهدف لتعزيز المركزية اليهودية وتفوقها التقني وهذا هو الفرق بين "القطيع الرقمي" الذي يتباع الخوارزمية كالأعمى وبين "النخبة الرقمية" التي تصمم الخوارزمية وتوظفها لخدمة أهدافها القومية والمادية العميقة.
إن الخيانة المعرفية لليسار العربي وللمثقفين القوميين تتجلى في محاولتهم الدائمة لتبرير هذا الفشل المعرفي عبر إلقاء اللوم على الاستعمار أو "المؤامرة" متجاهلين أن العالم الرقمي مفتوح للجميع وأن أحداً لا يمنع العربي من كتابة محتوى علمي رصين أو تطوير برمجيات باللغة العربية لكن المشكلة تكمن في "العجز البنيوي" للعقل الذي استمرأ الغيبيات وهرب من المادة فالكتابة في العلم تتطلب جهداً وبحثاً وتدقيقاً بينما الكتابة في "كرامات الأولياء" أو "أمجاد الأجداد" لا تتطلب سوى خيال مريض ولسان طويل ولأن العرب اختاروا الطريق الأسهل فقد انتهى بهم الأمر إلى إنتاج محتوى ضحل لا قيمة له في ميزان القوى العالمي مما جعلهم خارج التاريخ الرقمي الفعلي رغم أنهم يتصدرون قوائم المستهلكين الأكثر نشاطاً في العالم.
إن المستقبل ينتمي لمن يملك "المعلومة الموثقة" و"المعرفة المنتجة" وليس لمن يملك "الصراخ الرقمي" إن المقارنة بين المحتوى العربي والعبري هي صرخة لإيقاظ ما تبقى من عقل مادي في هذه الأمة للتوقف عن عبادة "صنم الكم" والبدء في احترام "قدسية الكيف" فالرقم الذي يقول إن هناك ثمانية ملايين عبري ينتجون معرفة تضاهي ما ينتجه نصف مليار عربي هو رقم يذبح كل كبرياء كاذب ويضعنا أمام مرآة الحقيقة العارية التي تقول إننا أمة تأكل الكلام وتتبرز الوهم بينما الطرف الآخر يأكل العلم وينتج المادة والسيادة وبدون اعتراف صريح بهذا الفقر المادي والمعرفي وبدون تحول جذري نحو لغة العلم والبحث والأركيولوجيا والفيزياء سنظل مجرد "حمير رقمية" في حظيرة الآخرين ننتظر أن يكتبوا لنا تاريخنا ويحددوا لنا مستقبلنا ويمنحونا بقايا معرفتهم التي لم تعد تكفي لستر عورات تخلفنا المزمن.
إن الأمل في المستقبل يتطلب ذبح "مهزلة العقل العربي" القائمة على الإنشاء والتمجيد الذاتي واستبدالها بعقلية "المختبر" و"الوثيقة المادية" فاللغة العربية يجب أن تتطور وتنظّف وتتحول من لغة للخطابة والبلاغة والدين والعنتريات إلى لغة للمختبر والتقنية وهذا لن يحدث طالما ظل "المحتوى" بين يدي الفقهاء والمؤثرين التافهين والسياسيين المنافقين الذين يخشون العلم لأنه يكشف زيف سلطتهم. إن المواجهة الحقيقية مع العقل اليهودي ليست في الحروب العسكرية التقليدية بل هي في "حرب المحتوى" وفي القدرة على إثبات الوجود عبر المادة والمنطق والبحث العلمي الرصين وبدون ذلك سنظل نكرر مآسينا في دوائر مفرغة مفسحين المجال لعقل عبري ذكي ومادي لكي يسيطر على كل شبر من وعينا ومن أرضنا ومن مستقبلنا الذي نضيعه بأيدينا في كل نقرة تافهة على شاشات هواتفنا الذكية التي لا نملك من "ذكائها" سوى حق الاستهلاك البائس.
في الختام يتبين لنا أن الحقيقة المادية لا تعرف العواطف وأن الفجوة بين العربية والعبرية على الإنترنت هي فجوة بين "العدم المعرفي" و"الامتلاء العلمي" وهي تعكس بصدق حال شعوب اختارت الغيب مهرباً وشعوب اختارت المادة سلاحاً إن العقل العربي يعيش حالة "انتحار إحصائي" حيث الكم الهائل لا ينتج إلا الهراء بينما العقل العبري يعيش حالة "نمو نخبوي" حيث القلة تنتج الوجود وهذا هو قانون المادة الذي لا يحابي أحداً فالمستقبل هو للمحتوى القوي والمنظم والعلمي والثابت أما الغوغائية والضحالة والتكرار فهي طريق الزوال المحتوم الذي يسير فيه العقل العربي بكل ثبات نحو الهاوية الحضارية التي صنعها بجهله ونفاقه واعتزازه بصنم هويته الفارغ من كل قيمة مادية.
.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire