Translate

دولة الولي السّفيه والمهدي المنتظر: تجليات الفساد والنهب وصناعة الموت في ظل ولاية الفقيه (مقال)

.


.
دولة الولي السّفيه والمهدي المنتظر: تجليات الفساد والنهب وصناعة الموت في ظل ولاية الفقيه




يمثل النموذج الإيراني القائم على نظرية ولاية الفقيه حالة استثنائية في التاريخ المعاصر، حيث امتزجت الأيديولوجيا الدينية المتطرفة بشبكات معقدة من الفساد المؤسسي والجريمة المنظمة، لتنتج نظاماً سياسياً يعيش على التناقض الصارخ بين الشعارات الروحانية المرفوعة والواقع المادي المليء بالنهب والاضطهاد. إن ادعاء تمثيل الإرادة الإلهية أو التحضير لظهور المهدي المنتظر لم يكن في حقيقته إلا غطاءً أيديولوجياً لشرعنة سلطة مطلقة لا تخضع للمساءلة، حيث تحولت الدولة من كيان يرعى مصالح الشعب إلى منظومة أمنية ومالية عابرة للحدود، تكرس موارد البلاد لخدمة أجندات توسعية وتراكم ثروات طائلة في أيدي نخبة ضيقة يقودها الولي الفقيه والمؤسسات المرتبطة به.
عند النظر في بنية النظام الإيراني، نجد أن مفهوم الولي الفقيه قد تم تطويعه ليصبح أداة للاستبداد المطلق، حيث يتم تصوير الحاكم على أنه نائب للإمام المعصوم، مما يجعل معارضته مرادفة لمعارضة الإرادة الإلهية. هذا التموضع الديني منح النظام حصانة زائفة سمحت له بابتلاع الدولة ومقدراتها، وتحويل الاقتصاد الإيراني إلى ملكية خاصة تحت إشراف مؤسسات غير خاضعة للرقابة مثل مؤسسة تنفيذ أمر الإمام وغيرها من الهيئات التي تسيطر على مليارات الدولارات. إن هذا النهب الممنهج لم يكن مجرد انحراف مالي عابر، بل هو جوهر البنية السلطوية التي ترى في أموال الإيرانيين غنيمة حرب تُنفق على مشروع "تصدير الثورة" بدلاً من تحسين حياة المواطنين الذين يعانون من تضخم جامح وفقر مدقع وانهيار كامل في الخدمات الأساسية.
وفي سياق هذا المشهد القاتم، تبرز ازدواجية النظام في التعامل مع الثروة؛ فبينما يتم تبشير الجماهير بالصبر والزهد انتظاراً للفرج الإلهي، تعيش عائلة الولي الفقيه وكبار قادة الحرس الثوري في ترف فاحش، حيث كشفت التقارير الاستقصائية الموثقة في السنوات الأخيرة عن إمبراطورية عقارية ومالية ضخمة تدار عبر شركات وهمية في عواصم أوروبية ومدن عالمية. إن هذه الثروات المهربة للخارج، والتي تقدر بمئات الملايين من الدولارات، هي في الأصل أموال مسروقة من قوت الشعب الإيراني، تم تحويلها عبر شبكات معقدة من الوسطاء ورجال الأعمال المرتبطين بالحرس الثوري، مما يكشف زيف الادعاءات بالتقوى والزهد التي يروج لها الإعلام الرسمي التابع للنظام.
ولا يقتصر فساد هذه الدولة على النهب المالي الداخلي، بل يمتد ليشمل الانخراط في أقذر أنواع التجارة العالمية وهي تجارة المخدرات. لقد تحول الحرس الثوري الإيراني، وتحديداً فيلق القدس، إلى شريك استراتيجي في شبكات التهريب الدولية، حيث يتم استخدام المخدرات كأداة مزدوجة؛ فهي من جهة توفر سيولة نقدية ضخمة بالعملات الصعبة لتمويل العمليات الإرهابية وتجاوز العقوبات الدولية، ومن جهة أخرى تُستخدم كسلاح لتدمير المجتمعات المستهدفة في المنطقة العربية وخارجها. إن التقارير الدولية التي ربطت بين شبكات إنتاج وتهريب "الكابتاغون" و"الميثامفيتامين" وبين الميليشيات التابعة لإيران في العراق واليمن وسوريا، تؤكد أننا أمام "دولة مخدرات" بامتياز، تستغل نفوذها العسكري لتأمين مسارات التهريب العابرة للحدود، وتتعاون مع كارتيلات الجريمة المنظمة لتحقيق مكاسب سياسية ومادية.
إن هذا التورط في تجارة السموم يكشف الوجه الحقيقي لنظام يدعي حماية القيم الأخلاقية، بينما يسعى لتدمير عقول الشباب في الداخل والخارج لضمان بقائه. ففي الداخل الإيراني، ارتفعت معدلات الإدمان بشكل مخيف نتيجة اليأس الاقتصادي وتوفر المواد المخدرة بأسعار زهيدة تحت أعين الأجهزة الأمنية التي تتغاضى عن الموزعين المرتبطين بالمنظومة العسكرية، وفي الخارج، يتم إغراق دول الجوار بالمخدرات لزعزعة استقرارها الاجتماعي والأمني، مما يجعل من نظام الولي الفقيه خطراً وجودياً يتجاوز حدود السياسة ليصل إلى تهديد النسيج المجتمعي للأمم.
وبالتوازي مع الفساد والمخدرات، يبرز الإرهاب كركيزة ثالثة يقوم عليها بقاء هذا النظام. إن عقيدة "تصدير الثورة" ليست إلا مبرراً للتدخل السافر في شؤون الدول الأخرى وإنشاء جيوش موازية تدين بالولاء للفقيه في طهران لا لأوطانها. من حزب الله في لبنان إلى الحوثيين في اليمن والميليشيات الطائفية في العراق، خلقت إيران شبكة من الوكلاء الذين ينفذون أجندتها التخريبية، محولة هذه الدول إلى ساحات للصراع الدائم والدمار. إن إنفاق مليارات الدولارات على التسلح والبرامج النووية والصاروخية ودعم الجماعات المسلحة، في وقت يتضور فيه المواطن الإيراني جوعاً، يعكس بوضوح أولويات "عصابة" تحكم باسم الدين، حيث يتم تقديس السلاح والموت على حساب الحياة والبناء.
إن الفشل الذريع الذي يلاحق هذا النظام في إدارة شؤون الدولة قد حول إيران إلى سجن كبير يسوده القمع والاضطهاد. فالمطالبة بالحقوق الأساسية أو انتقاد الفساد تُقابل بأشد أنواع التنكيل، تحت دعاوى "محاربة الله" أو "الارتباط بالخارج". إن استخدام الرموز الدينية مثل "المهدي المنتظر" لتبرير هذا القمع هو قمة الانحطاط الأخلاقي، حيث يتم تحويل الانتظار الروحي لدى المؤمنين إلى أداة للتخدير السياسي والقبول بالظلم، وتصوير المعاناة الحالية على أنها تمهيد لظهور المخلص، بينما الحقيقة هي أن النظام يسعى فقط لخلود سلطته والحفاظ على امتيازات النخبة الحاكمة.
وفي الختام، يظهر جلياً أن دولة الولي الفقيه ليست إلا منظومة هجينة تجمع بين أسوأ ما في الاستبداد التاريخي وأحدث وسائل الجريمة المنظمة. إنها دولة تعيش على الأزمات وتقتات على دماء الأبرياء وتدمر المستقبل باسم ماضٍ متخيل أو مستقبل غيبي لا تملك له مفاتيح. إن التباين الشاسع بين القصور الفاخرة لقادة النظام في الخارج، وبين العشوائيات والفقر في شوارع طهران ومشهد، وبين شحنات المخدرات التي تمر تحت حماية السلاح والبرامج العسكرية الفاشلة، كل ذلك يرسم لوحة لنظام ساقط أخلاقياً وشرعياً، ينتظر نهايته المحتومة على يد شعب لم يعد يصدق خرافاته، وعالم لم يعد يحتمل إرهابه. إن التاريخ سيسجل أن هذه الحقبة كانت واحدة من أحلك الفترات التي مرت بها المنطقة، حيث اختُطفت فيها الدولة من قبل فئة إرهابية جعلت من الفساد والنهب والموت ديناً لها.




.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...