Translate

اليوتوبيا المفقودة: تفكيك أسطورة العصر الذهبي وقراءة في بنية الصراع الدموي ونشأة الدولة الثيوقراطية (مقال)

.


.
اليوتوبيا المفقودة: تفكيك أسطورة العصر الذهبي وقراءة في بنية الصراع الدموي ونشأة الدولة الثيوقراطية



تمثل فكرة "خير القرون" الركيزة العاطفية والأيديولوجية التي يستند إليها العقل الجمعي في تبرير مشروعه الحضاري، حيث يتم تصوير العصور الأولى للإسلام بوصفها واحة من المثالية المطلقة، والعدالة السماوية المنزلة، والوئام الذي لا تشوبه شائبة. غير أن العودة إلى المصادر التاريخية ذاتها، وتجريد الأحداث من صبغتها القدسية، يكشف عن "يوتوبيا متخيلة" تم اختراعها في عصور متأخرة لتعمل كمخدر للوعي التاريخي، ولتخفي وراءها واقعاً اتسم بالصراعات الدموية، والاغتيالات السياسية، والفساد الذي رافق نشأة الدولة منذ لحظاتها الجنينية الأولى. إن ما يسمى بالعصر الذهبي لم يكن في حقيقته سوى مخاض سياسي عنيف، استُخدم فيه "الدين" كغطاء للرغبة الجامحة في التسلط، حيث تحولت الخلافة منذ يومها الأول إلى مطمع دنيوي سالت دونه دماء الصحابة والأتباع، مما يثبت أن المثالية المدعاة ليست إلا هندسة تراثية تهدف لإضفاء شرعية مطلقة على أنظمة استبدادية قامت على أنقاض الصراعات القبلية.
تبدأ عملية تفكيك هذه اليوتوبيا من اللحظة التي تلت وفاة مدعي النبوة مباشرة، وهي لحظة "سقيفة بني ساعدة". في هذه اللحظة المفصلية، وبينما كان الجسد النبوي لم يوارَ الثرى بعد، انشغل "خير القرون" بصراع مرير على السلطة والمناصب. لم تكن السقيفة محفلاً للشورى الروحية، بل كانت ساحة لتدافع قبلي حاد بين المهاجرين والأنصار، استُخدمت فيها لغة التهديد والوعيد والاقصاء. إن إرهاصات الدولة الأولى قامت على "الانقلاب السياسي" وتهميش ذوي القربى، مما أسس لشرخ عميق لم يندمل أبداً. هذا المشهد البدائي يكذب فرضيّة المدينة الفاضلة، ويؤكد أن المحرك الأساسي للأحداث كان "السيادة" وليس "الهداية". لقد كانت السقيفة هي المختبر الأول الذي تم فيه تطويع النص الديني لخدمة التفوق القبلي القرشي، وهو ما فتح الباب لاحقاً لسلسلة لا تنتهي من الاغتيالات التي طالت ثلاثة من الخلفاء الأربعة، مما يشير إلى أن بنية السلطة كانت بنية "صراعية" وليست "تعاونية".
إن التاريخ المسكوت عنه في العصور الأولى يضج بوقائع الفساد السياسي والمالي التي بدأت تظهر بوضوح في عهد الخليفة الثالث، حيث تحولت "الدولة" إلى إقطاعية عائلية لبني أمية. في هذه المرحلة، نرى كيف تم الاستيلاء على بيت مال المسلمين، وتوزيع المناصب على الأقارب، وقمع المعارضين بالنفيكما حدث مع أبي ذر الغفاري. هذا الواقع المادي ينسف أسطورة "العدالة الراشدة"، ويكشف عن نشوء طبقة أوليغارشية استغلت الشعارات الدينية لتكديس الثروات. إن الثورة التي أدت إلى مقتل عثمان لم تكن "فتنة" خارجية كما يروج التراث، بل كانت انفجاراً اجتماعياً طبيعياً ضد الفساد والمحسوبية والظلم البنيوي. لكن اللاهوت التراثي قام لاحقاً بـ "تنميق" هذه الأحداث ووصفها بالابتلاء، لكي لا يتجرأ العقل المؤمن على نقد الشخصيات المقدسة أو التساؤل عن أصول الظلم السياسي الذي تجذر في تلك الحقبة.
وعندما نصل إلى مرحلة الصراع بين علي ومعاوية، نجد أننا أمام "حرب أهلية" شاملة لم تترك قيمة أخلاقية إلا وانتهكتها. إن معركتي الجمل وصفين هما الدليل القاطع على أن "الصحبة" لم تكن عائقاً أمام سفك الدماء من أجل الكرسي. في هذه الحروب، قُتل عشرات الآلاف من المسلمين بأيدي بعضهم البعض، واستُخدمت "المصاحف" على أسنّة الرماح في أبشع عملية توظيف سياسي للمقدس. إن الصراع لم يكن بين "حق" و"باطل" كما يحاول التبسيط المذهبي تصويره، بل كان صراعاً بين رؤيتين للسلطة: رؤية مركزية ثيوقراطية ورؤية أموية براغماتية توسعية. إن "اليوتوبيا" تلاشت هنا تماماً لتفسح المجال لـ "مكيافيلية" إسلامية مبكرة، حيث الغاية (السلطة) تبرر الوسيلة (القتل والتزوير واللعن على المنابر). هذه الصراعات هي التي رسمت ملامح الدولة الإسلامية، وليس نصوص الوعظ والزهد التي كُتبت لاحقاً لتغطية قبح الواقع.
لقد استمرت عملية اختراع "خير القرون" عبر تزوير الذاكرة الجمعية وتغييب الحقائق المزعجة. فالقصص التي تروى عن زهد الخلفاء وعدلهم كانت تُصاغ في قصور العباسيين لتبرير شرعيتهم عبر المقارنة بـ "ماضٍ مجيد" متخيل. وفي الواقع، كانت الدولة الأموية ثم العباسية عبارة عن إمبراطوريات عسكرية تقوم على الغزو والنهب واسترقاق الشعوب وتكديس الجواري. إن "الفتوحات" التي تُقدم كعمليات تحرير روحي كانت في جوهرها حملات استعمارية لجمع الجزية والخراج وتوسيع الرقعة الجغرافية للدولة القومية العربية الناشئة. الفساد الذي استشرى في القصور، والبذخ الفاحش الذي عاش فيه الخلفاء على حساب أنين الفقراء والموالي، هو الوجه الحقيقي لذلك العصر الذي يُراد لنا أن نراه ذهبياً. إن "الذهب" هنا لم يكن ذهب الفضيلة، بل كان ذهب السبائك المنهوبة من حضارات الجوار.
إن الفساد لم يقتصر على المال والسلطة، بل امتد ليفسد "العقل" عبر صناعة التبرير الديني. لقد تم اختراع آلاف الأحاديث التي تمدح هذا الصحابي أو ذاك، وتشرعن هذا الفعل السياسي أو ذاك، مما خلق حالة من "التزييف الممنهج" للتاريخ. العصر الذهبي إذن هو "بناء لغوي" وليس واقعاً سوسيولوجياً. لقد احتاج الفقهاء والمؤرخون الموالون للسلطة إلى نموذج مثالي لكي يقمعوا به أي محاولة للإصلاح أو التغيير في حاضرهم؛ فكلما طالب الناس بالعدل، قيل لهم إن العدل كان في "الزمن الأول" ولن يعود، وبذلك تم تحويل "اليوتوبيا" من مشروع للمستقبل إلى حسرة على الماضي. هذا "الاستلاب الزمني" هو الذي جعل العقل المسلم يعيش في حالة "نكوص" دائم، باحثاً عن حلول لمشاكله المعاصرة في ركام صراعات القرن السابع.
علاوة على ذلك، فإن الاغتيالات السياسية التي طالت القادة والمفكرين والزنادقة في تلك العصور، تظهر أن الدولة كانت تقوم على "الإرهاب" لا على الإقناع. فمن قتل عمر وعثمان وعلي والحسين، إلى ملاحقة المعارضين بالسم والسيف، نجد خيطاً دموياً يربط بين كل "القرون المفضلة". إن هذه الدولة لم تكن قادرة على التعايش مع الاختلاف، ولذلك لجأت لتصفيته جسدياً ثم معنوياً عبر تهمة "الردة" أو "الزندقة". إن ادعاء المثالية في بيئة تُقطع فيها الرؤوس بسبب رأي سياسي هو قمة الزيف التاريخي. إن "خير القرون" كانت في الحقيقة "قرون الخوف" و"قرون الفتنة الكبرى" التي لم تنتهِ أبداً، بل تم استنساخها في كل عصر تحت مسميات جديدة.
إن "اليوتوبيا المفقودة" هي الكذبة التي تمنع الإنسان من مواجهة واقعه بشجاعة. فعندما نقدس "السلف"، نحن في الحقيقة نقدس صراعاتهم وأخطاءهم وخطاياهم السياسية. إن تفكيك هذه الأسطورة هو الخطوة الأولى نحو بناء "دولة إنسان" لا "دولة إله" متخيل يمثله حاكم مستبد. إن التاريخ لا يحوي عصوراً ذهبية، بل يحوي تجارب بشرية تحتمل الصواب والخطأ، والخطأ في نشأة الدولة الإسلامية كان بنيوياً وقاتلاً؛ حيث تم دمج السلطة بالدين، مما جعل كل صراع على الكرسي صراعاً على السماء. هذا الدمج هو الذي أنتج كل ذلك الدم، وهو الذي أدى في النهاية إلى انهيار الحلم وتحوله إلى كابوس تاريخي نعيش آثاره حتى اليوم.
في الختام، يتبين لنا أن العصر الذهبي للإسلام هو اختراع "أيديولوجي" متأخر استهدف تخدير الجماهير ومنح الشرعية للأنظمة القمعية. إن الحقيقة المادية تنطق بالصراعات، والاغتيالات، والفساد، والمحسوبية منذ اللحظات الأولى للسقيفة. إن نزع القداسة عن هذا التاريخ ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة وجودية لتحرير العقل من "سجن الماضي". لقد آن الأوان للاعتراف بأن تلك القرون لم تكن خيراً من غيرها، بل ربما كانت الأصعب والأكثر دموية لأنها وضعت الأسس لقرون من الاستبداد المغلف بالدين. إن اليوتوبيا لا توجد في الخلف، بل تُصنع في الأمام بالحرية والعدل والعلم، بعيداً عن أوهام الأقدمين وصراعاتهم التي لا ناقة لنا فيها ولا جمل. الحقيقة مرة، لكنها وحدها الكفيلة بكسر قيود الوهم التاريخي الذي كبّلنا طويلاً.



.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...