.
.
مسرحية الخلق والتمرد: تفكيك العقدة المنطقية في السردية الإبراهيمية
تمثل قصة الخلق الأولى في الفكرين المسيحي والإسلامي حجر الزاوية الذي قامت عليه المنظومات الأخلاقية واللاهوتية لقرون طويلة، وهي ليست مجرد حكاية عن بدايات الجنس البشري، بل هي "دراما كونية" تتداخل فيها مفاهيم العلم الإلهي، والإرادة الحرة، ومعضلة الشر. عند إخضاع هذه السردية للتحليل المنطقي العقلاني، نجد أننا أمام "مسرحية" محكمة النسج من حيث البناء الدرامي، لكنها تثير تساؤلات وجودية عميقة حول عدالة "المخرج" وحرية "الممثلين". تبدأ الإشكالية من تعريف الإله في هذه المنظومات، فهو الكائن كلي العلم، كلي القدرة، والكلي الصلاح، وهذا التوصيف الثلاثي هو المحرك الأساسي لكل التناقضات المنطقية التي تظهر عند تتبع مسار الصراع بين الله وإبليس من جهة، وبين الإنسان ومصيره من جهة أخرى.
في البدء، يقدم لنا النص الديني مشهداً يتسم بالكمال المطلق، حيث الذات الإلهية توجد في فراغ وجودي قبل خلق الزمان والمكان، ثم تقرر هذه الذات خلق كائنات ذات إرادة. هنا يبرز السؤال المنطقي الأول: إذا كان الله كلي العلم، فإنه بالضرورة يعرف "مآل" كل ذرة يخلقها قبل أن يخلقها. في اللحظة التي قرر فيها الخالق تصميم كائن مثل "إبليس"، كان شريط الأحداث المستقبلي مكشوفاً أمامه بكل تفاصيله. هو يعلم أن هذا الكائن سيمتنع عن السجود لآدم، ويعلم أن هذا الامتناع سيؤدي إلى طرده من الرحمة، ويعلم أن هذا المطرود سيتحول إلى "غاوٍ" للبشرية. بناءً على هذا العلم المسبق الذي لا يخطئ، يصبح فعل الخلق نفسه هو "فعل التحديد" للمصير. إن فكرة أن إبليس "اختار" التمرد تصطدم بجدار العلم الإلهي؛ فلو كان بإمكان إبليس أن يختار عدم التمرد، لكان علم الله عنه بأنه سيتمرد علماً خاطئاً، وهذا ينفي صفة الكمال عن الإله. وإذا كان من المحتم على إبليس أن يتمرد لكي يصدق علم الله، فإن "الاختيار" هنا ليس إلا وهماً، وإبليس في الحقيقة ليس إلا أداة وظيفية تم تصميمها لتلعب دور "الشرير" الضروري لانطلاق الأحداث.
تنتقل المسرحية إلى الفصل الثاني وهو خلق آدم وحواء. في المنظور الإسلامي، يُخلق آدم من طين، وفي المسيحية يُخلق على صورة الله ومثاله، لكن في الحالتين، يوضع هذا الكائن الغض في بيئة اختبارية تسمى "الجنة". يضع الخالق قانوناً واحداً بسيطاً: عدم الأكل من شجرة معينة. وهنا تبرز المفارقة المنطقية الكبرى؛ لماذا يضع إله كامل الغنى والقدرة شجرة "محرمة" في طريق كائن صممه هو نفسه بفضول فطري ونقص معرفي؟ إن وضع الشجرة في الجنة، مع العلم المسبق بأن آدم سيأكل منها، يشبه إلى حد بعيد وضع قطعة لحم أمام جائع ثم معاقبته لأنه أكلها. التفسير اللاهوتي التقليدي يقول إن هذا "اختبار" للإرادة، لكن المنطق العقلاني يسأل: لمن هذا الاختبار؟ الله لا يحتاج للاختبار ليعرف النتيجة، فهو يعرفها سلفاً. إذن، الاختبار هو عملية "إخراجية" لإظهار النتيجة للعلن، مما يجعل المعاناة البشرية اللاحقة مجرد نتيجة لترتيبات مسبقة وضعها الخالق نفسه.
يظهر إبليس في هذا المشهد ليس كعدو متسلل، بل كجزء من الخطة. ففي عالم يحكمه إله كلي القدرة، لا يمكن لشيطان أن يدخل الجنة أو يوسوس لآدم إلا بإذن أو غض طرف إلهي. هذا يقودنا إلى استنتاج أن هناك "تواطؤاً وجودياً" غير معلن. الله يريد لآدم أن يسقط لكي تبدأ رحلة الاستخلاف في الأرض (في الإسلام) أو لتبدأ رحلة الخلاص (في المسيحية). لولا "غواية" إبليس، لبقي آدم في حالة من السكون البدائي في الجنة، ولما ظهرت الحضارة، ولما كان هناك معنى للرسالات والأنبياء. إذن، إبليس هو "المحفز" المأجور الذي يقوم بالعمل القذر الذي تطلبه الخطة الإلهية. ومع ذلك، يتم تصوير إبليس كملعون ومطرود، ويتم تصوير آدم كمذنب يحتاج للتوبة أو الفداء. هذا التناقض يضرب مفهوم "العدالة الإلهية" في مقتل؛ إذ كيف يعاقب الخالق أدواته على تنفيذ الخطة التي رسمها هو بنفسه؟
علاوة على ذلك، فإن طبيعة العقوبة التي تلت "السقوط" تثير إشكاليات أخلاقية عميقة. في المسيحية، نجد مفهوم "الخطيئة الجدية" أو الأصلية، حيث يرث كل إنسان يولد وصمة عار بسبب فعل قام به أبوه الأول. من الناحية المنطقية، هذا يتنافى مع أبسط قواعد العدالة؛ فالذنب فعل شخصي لا يُورث بيولوجياً. أما في الإسلام، فرغم أن النص ينفي وراثة الذنب، إلا أن "النتيجة" واحدة، وهي خروج البشرية جمعاء من النعيم إلى دار الكد والتعب بسبب خطأ فردي. لماذا يتحمل المليارات من البشر تبعات قرار اتخذه كائن لم يستشرهم في وجودهم أصلاً؟ وإذا كان الله قد غفر لآدم، فلماذا لم يعده إلى الجنة فوراً؟ الجواب المنطقي هو أن "الخروج" كان هو الغاية الأصلية، وما قصة الشجرة والإغواء إلا "تبرير درامي" لتفسير وجود الإنسان في عالم مليء بالألم والموت.
بالانتقال إلى شخصية إبليس، نجد أن تمرده يطرح سؤالاً حول "عدالة التصميم". إذا كان إبليس قد خُلق من نار (كما في الإسلام) أو كان ملاكاً منيراً (كما في المسيحية)، فإن طبيعته التي جُبل عليها هي التي أدت به إلى الكبر. هل يملك المخلوق أن يغير جوهره الذي وضعه الخالق فيه؟ إذا كان الله قد وضع في إبليس بذور الاعتزاز بالذات أو "الأنا" الطاغية، فمن المسؤول عن النتيجة؟ إن لوم إبليس على كبره يشبه لوم النار لأنها تحرق أو لوم العقرب لأنه يلدغ. المنطق يقول إن المسؤولية تقع على عاتق "المصمم" الذي وضع هذه الخصائص في الكائن وهو يعلم أنها ستؤدي حتماً إلى الصدام. بل إن إبليس في السردية الدينية يبدو وكأنه "موظف" مخلص في نهاية المطاف؛ فهو يقسم بعزة الله أنه سيغوي البشر، والله يمنحه "التفرغ" والوقت والمساحة للقيام بذلك. هذا "التعاقد" بين الله وإبليس يجعل من الشيطان شريكاً في الإدارة الإلهية للكون، حيث يتولى الشيطان مهمة تصفية البشر واختبار معادنهم، وهو دور لا يمكن وصفه إلا بأنه جزء من "السياسة الإلهية".
أما فيما يخص الإنسان، فإن المسرحية تضعه في موقف سيزيفي. هو مطالب بمحاربة "عدو" (إبليس) يراه ولا يراه، ويملك قدرات خارقة للوسوسة والتأثير، بينما الإنسان كائن ضعيف، محدود الإدراك، ومحكوم بغرائزه. ثم يُطلب من هذا الإنسان أن ينتصر في هذا الصراع غير المتكافئ، وتحت تهديد "العذاب الأبدي". من المنظور المنطقي، تبدو هذه المعادلة فاقدة للتوازن؛ فالمنافسة بين شيطان خالد وخبير وبين إنسان فانٍ وجاهل هي منافسة "مغشوشة" منذ البداية. وإذا كان الله يتدخل أحياناً بإرسال الأنبياء، فإنه يترك المجال واسعاً للشيطان ليفسد هذه الرسالات ويحرفها، مما يعيدنا إلى فكرة أن الغرض ليس "النجاة" بل "الغربلة" المستمرة التي لا تنتهي إلا بجحيم يملأه الله من الجنة والناس أجمعين.
إن القيمة الأخلاقية التي يُفترض أن نتعلمها من هذه القصة تصطدم دائماً بحائط "العبثية". فإذا كان الإنسان مجرد قطعة شطرنج في صراع كوني بين الله والشيطان، فأين تكمن كرامته؟ الأديان تحاول الالتفاف على ذلك بالقول إن "الحكمة الإلهية" تفوق الإدراك البشري، ولكن هذا الهروب من التفسير المنطقي هو اعتراف بوجود خلل في السردية لا يمكن حله بالعقل. إن استخدام حجة "غموض الحكمة" هو الملاذ الأخير لكل منظومة لاهوتية تعجز عن تبرير التناقض بين رحمة الله المزعومة وبين تصميمه لكون يقوم على المعاناة والابتلاء والتهديد بالاحتراق.
في الختام، يمكن القول إن مسرحية الخلق والتمرد هي إسقاط بشري بامتياز؛ فالإنسان القديم الذي كان يجهل قوانين الطبيعة وأسباب المعاناة، اخترع هذه "الدراما" لكي يعطي معنى لوجوده المأساوي. صور الله كملك عظيم يطالب بالطاعة المطلقة، وصور الشيطان كوزير متمرد يبرر وجود الشر، وصور نفسه كضحية لهذا الصراع ومركز له في آن واحد. لكن عند النظر إليها بعين العصر، وبأدوات المنطق الصارم، تظهر هذه السردية كخرافة تتناقض مع أبسط مفاهيم العدالة والاتساق العلمي. إن الإله الذي يحتاج للتآمر مع شيطان ليختبر طاعة إنسان هو إله يعكس قصور الخيال البشري في ذلك الوقت، وليس كائناً كلي الكمال. إن الحقيقة التي يثبتها المنطق والعلم هي أن الإنسان نتيجة لتطور طبيعي طويل، وأن الأخلاق هي عقد اجتماعي لحماية البقاء، أما إبليس وآدم والجنة المفقودة، فليست إلا رموزاً في "رواية" طال أمد تصديقها، وحان الوقت لقرائتها كنص أدبي يعبر عن قلق الإنسان البدائي تجاه كونه المجهول، لا كحقائق بيولوجية أو تاريخية تحكم مصيرنا الوجودي.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire