Translate

إله الغرز وكيف قامت الأركيولوجيا بذبح النص التاريخي (مقال)

.

.
إله الغرز وكيف قامت الأركيولوجيا بذبح النص التاريخي




يمثل البحث في جذور الأديان وتحديداً الإسلام المبكر معركة معرفية كبرى بين لغة الوجدان التي تقتات على الرواية الشفوية وبين لغة المادة التي تنطق بها الحجارة والنقوش والمخطوطات ففي الوقت الذي استقرت فيه السردية الإسلامية التقليدية على بناء درامي متكامل الأركان صاغه الإخباريون في العصر العباسي المتأخر كانت الأرض تخبئ في طياتها حقائق صماء لا تبالي بالمقدس ولا تعترف بالعواطف القومية أو الدينية وهنا يأتي دور الأركيولوجيا كأداة تشريحية باردة تقوم بفحص النسيج التاريخي لترى إن كان هذا الثوب الذي ترتديه الذاكرة الجمعية هو ثوب حقيقي نُسج في وقته أم أنه إله من الغرز الخيالية تمت حياكته لاحقاً لسد فجوات الهوية وصناعة شرعية سياسية لدولة إمبراطورية كانت تبحث عن أصل سماوي يبرر وجودها وتمددها ومن هنا تبدأ المواجهة الوجودية بين اللقية المادية التي تمثل الواقع الصلب وبين الرواية الشفوية التي تمثل الإنشاء الأدبي المعتمد على التواتر الظني.
إن الإشكالية الكبرى التي تواجه المؤرخ المادي عند دراسة نشأة الإسلام تكمن في الفراغ الصاعق للصمت الأركيولوجي في القرن الأول الهجري فبينما تتحدث كتب السيرة والحديث عن مكة كمركز تجاري عالمي ومدينة تعج بالحياة والرحلات الشتائية والصيفية وصراعات الآلهة والقبائل نجد أن الخرائط القديمة وطرق التجارة الموثقة في العصور الكلاسيكية المتأخرة لا تكاد تعرف شيئاً عن هذا المكان الجغرافي المعزول في وادي غير ذي زرع إذ أن المتتبع للطرق التجارية المعروفة تاريخياً يجد أنها كانت تمر عبر مرافئ البحر الأحمر أو عبر الهضاب اليمنية نحو غزة والشام دون الحاجة للانعطاف نحو عمق الحجاز الصخري حيث مكة التي يصفها الرواة كبيضة البلد ومركز العالم القديم وهذا الغياب المادي لمكة في السجلات التجارية لليونان والرومان والسريان يطرح تساؤلاً جوهرياً حول حقيقة الدور الذي لعبته تلك البقعة في القرن السابع الميلادي وهل كانت فعلاً ذلك الكيان المركزي أم أنها كانت مجرد فكرة تمت تنميتها بأثر رجعي لتركيز القداسة في نقطة جغرافية بعيدة عن مراكز الصراع السياسي في الشام والعراق.
وعندما ننتقل من الجغرافيا الصامتة إلى العمارة الناطقة نصطدم بلغز القبلة الذي يعتبر من أقوى الصدمات الأركيولوجية التي واجهت الباحثين المعاصرين حيث كشفت الدراسات المسحية لعدد كبير من المساجد الأموية الأولى في العراق والشام ومصر وشمال أفريقيا أن محاريب تلك المساجد لم تكن تتجه نحو مكة الحجازية بل كانت تشير بوضوح نحو الشمال وتحديداً نحو منطقة البتراء في الأردن أو مناطق قريبة منها في شمال الجزيرة العربية وهذا الانحراف ليس خطأ تقنياً يمكن تبريره بجهل المعماريين الأوائل بعلم الفلك إذ أن العرب كانوا من أمهر الشعوب في رصد النجوم والجهات بل هو توجه عقدي ومنهجي يعكس حقيقة أن مكة الحجازية لم تكن هي القبلة الأولى أو على الأقل لم تكن هي المركز الوحيد للتقديس في زمن خلفاء بني أمية الأوائل إن بقاء المساجد تتجه نحو الشمال لقرن كامل من الزمان يذبح الرواية الشفوية التي تدعي أن تحويل القبلة تم في السنة الثانية للهجرة ويؤكد أننا أمام عملية هندسية وإيديولوجية طويلة النفس لإعادة توجيه الوجدان الديني نحو مركز جديد يسهل السيطرة عليه بعيداً عن الجغرافيا البيزنطية والساسانية.
وفي هذا السياق تبرز النقوش الصخرية المنتشرة في صحاري الحجاز والشام كشاهد مادي لا يقبل المداهنة فهذه النقوش التي كتبها أشخاص عاديون في القرن الأول الهجري تعكس تدحيناً تدريجياً وبطيئاً للغة الدينية فهي لا تحتوي في بداياتها على المصطلحات القرآنية المكثفة التي نعرفها اليوم بل نجد فيها صيغاً توحيدية عامة ومبهمة وأحياناً لا تذكر اسم النبي الذي تتمحور حوله الرواية الشفوية كقطب للكون إن غياب المصطلحات الفنية للدين الجديد عن النقوش المعاصرة لزمن "البعثة" المزعوم يثبت أن الإسلام كما نعرفه اليوم لم يولد مكتملاً في لحظة وحي خاطفة بل كان نتيجة لتفاعلات صهرت معتقدات نصرانية ويهودية وغنوصية في بوتقة سياسية عربية وأن النص القرآني نفسه لم يستقر إلا بعد مخاض طويل من التحرير والتدقيق الذي قامت به السلطة الأموية لاحقاً ومن ثم العباسية لتثبيت أركان الدولة وصناعة هوية قومية دينية متمايزة عن المحيط البيزنطي.
إن القوة التدميرية للأركيولوجيا تكمن في أنها تحول الأبطال التاريخيين من شخصيات مطلقة القداسة إلى احتمالات بشرية أو حتى رموز ميثولوجية تم تضخيمها عبر القرون فالتناقض الصارخ بين ما تقوله اللقية المادية وبين ما يرويه البخاري أو ابن إسحاق يجعلنا ندرك أننا لا نقرأ تاريخاً بالمعنى العلمي بل نقرأ "سيرة ذاتية للأمة" كما تمنت أن تكون لا كما كانت بالفعل إن الرواية الشفوية هي فن أدبي يقوم على المبالغة والترميز وإضفاء الطابع الأسطوري على الأحداث بينما الأركيولوجيا هي علم مادي يقوم على فحص الطبقات الأرضية وكربونية المخطوطات وعندما نفحص المخطوطات القرآنية الأولى نكتشف أنها مرت بمراحل من الحذف والإضافة والتنقيط الذي غير المعاني جذرياً مما يسقط صنم "اللوح المحفوظ" ويجعله إنتاجاً بشرياً خاضعاً لظروف الزمان والمكان وصراعات القوة.
علاوة على ذلك فإن غياب المسكوكات النقدية التي تحمل شعارات إسلامية صريحة في العقود الأولى من الفتح العربي يثير الريبة فالدراهم والدنانير التي صكت في زمن الخلفاء "الراشدين" المزعوم كانت تحمل صوراً للأباطرة الساسانيين والبيزنطيين مع إضافات بسيطة بكلمات توحيدية غامضة ولم تظهر الشخصية الإسلامية المستقلة على العملة إلا في عهد عبد الملك بن مروان وهذا يشير إلى أن الدولة سبقت الدين وأن "الإسلام دين ودولة" هي خرافة تم اختراعها لاحقاً لتبرير السلطة فالعرب خرجوا من الجزيرة كقوة عسكرية طامعة في الثروات الأرضية ولم يحملوا معهم ديناً مكتملاً بل كانت لديهم نواة توحيدية مبهمة تطورت مع الاحتكاك بالحضارات المجاورة لتصبح ديناً رسمياً للدولة يمنحها الشرعية المطلوبة لحكم شعوب متنوعة الأعراق والمعتقدات.
إن تعرية نفاق المثقفين الذين يحاولون التوفيق بين هذه الحقائق المادية وبين الرواية الشفوية هو جزء أساسي من هذا البحث المعرفي فهؤلاء المثقفون يستخدمون لغة "الإعجاز" أو "التأويل التعسفي" للالتفاف على الصمت الأركيولوجي فيحاولون إثبات وجود مكة عبر نصوص غامضة في التوراة أو عبر تفسيرات لغوية ملتوية لخرائط بيليني أو بطليموس بينما الواقع المادي يصفعهم في كل كشف جديد إنهم يخشون الاعتراف بأن الأساس الذي يقوم عليه وعيهم هو ركام من الأساطير الشفوية التي صُنعت في غرف التحرير العباسية للسيطرة على عقول العامة وتأبيد حكم السلالة الهاشمية أو القرشية ومن هنا ندرك أن القداسة ليست خاصية في النص بل هي حالة ذهنية يفرضها الخوف من الحقيقة المادية التي تقول إن الإنسان هو من يصنع الآلهة وهو من يحيك لها ثياب القداسة غرزة بغرزة.
إن التمسك بالرواية الشفوية في مواجهة الأركيولوجيا هو ضرب من الانتحار العقلي فالحجر لا يكذب والمخطوطة الأصلية لا تنافق بينما الرواية البشرية تخضع لأهواء القصاصين والمداحين والفقهاء الذين كانوا يتقاضون أجورهم من بلاط الخلفاء إن ذبح النص التاريخي المقدس على يد الأركيولوجيا هو الخطوة الأولى نحو تحرر العقل العربي من عبودية الأوهام التاريخية فإدراك أن مكة ربما لم تكن في الحجاز وأن القبلة كانت في مكان آخر وأن القرآن كُتب وعُدل في دواوين الدولة الأموية يجعل الفرد يواجه واقعه المادي بمسؤولية بعيداً عن انتظار نصر غيبي موعود من إله يسكن في وادٍ جغرافي مشكوك في أصالته التاريخية.
وفي الختام يتبين لنا أن "إله الغرز" هو ذلك الكيان المعرفي الهش الذي نسجه الرواة عبر قرنين من الزمن لملء فجوة الصمت في القرن الأول الهجري ولكن مشرط الأركيولوجيا البارد استطاع أن يبين مواضع الخياطة الواهنة وأن يفصل بين ما هو حدث مادي وقع بالفعل وبين ما هو إنشاء أدبي تمت صياغته لاحقاً إن تاريخ المقدسات الإسلامية هو في جوهره قصة سياسية ناجحة بامتياز استطاعت تحويل "العدم الأركيولوجي" إلى "فيض من الروايات" التي أقنعت الملايين بصحتها لقرون طويلة لكن عصر المادة والبرهان الحسي لا يعترف إلا باللقية التي يمكن لمسها وفحصها ومقارنتها بالواقع الفيزيائي وبهذا تسقط القداسة ويبقى الإنسان وجهاً لوجه مع حقيقة أنه هو وحده صانع المعنى في كون لا يبالي بالروايات ولا يحفل بالخرافات مهما بلغت قوة غرزها في وجدان القطيع.



.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...