.
.
ميتافيزيقا الانتظار وفضيحة التفكير بالتمني وآليات الاستقالة المعرفية من صناعة التاريخ
تمثل علاقة الإنسان العربي المعاصر بالزمن واحدة من أعقد تجليات فساد المعرفة والقيم، حيث تحول الوقت من وعاء مادي للمراكمة والإنتاج والسيادة إلى سجن ميتافيزيقي يسكنه "الانتظار السلبي" المفتوح على أوهام الغيب. إن الفصام المعرفي الذي تعيشه المجتمعات المتخلفة يتجسد بوضوح في تحويل المستقبل من "مشروع يُبنى" بجهد بشري منظم وقوانين فيزيائية واقتصادية صارمة، إلى "هبة إلهية" أو "حدث قدري" يُنتظر وقوعه دون تدديم أي مقدمات مادية. إن هذا النوع من التفكير بالتمني ليس مجرد شطحة عاطفية، بل هو آلية دفاعية لعقل عاجز قرر الهروب من استحقاقات الواقع المرير عبر الارتماء في أحضان الخيال الغيبي، منتظراً "المهدي المنتظر" أو "البطل المخلص" الذي سيغير موازين القوى بضربة سحرية، أو حتى "انهيار الغرب" تلقائياً بفعل ذنوبه الأخلاقية لكي نأخذ مكانه دون عناء. إن هذا الخيال هو قمة الفساد المعرفي لأنه ينكر الحقيقة الصارمة التي تقول إن العالم المادي لا يغير مساراته إلا بالفعل البشري الواعي، وأن المادة لا تحابي أحداً ولا تستجيب إلا لمن يفك شفراتها ويحترم قوانينها الصامتة.
إن فساد المعرفة في علاقتنا بالزمن يبدأ من "إنكار السببية المادية" وإحلال "الصدفة الغيبية" محلها. فعندما يعتقد المجتمع أن صعوده أو هبوطه هو أمر مكتوب في سجلات الغيب بمعزل عن معدلات الابتكار، ونسب التعليم، وجودة الصناعة، فإنه يعلن بذلك وفاته المعرفية. إن الانتظار السلبي هو حالة من "الشلل البيولوجي والذهني" حيث يتوقف الإنسان عن التخطيط للمستقبل بناءً على المعطيات الرقمية، ويكتفي بمراقبة "علامات الساعة" أو انتظار "المعجزة الإلهية" التي ستخرق القوانين الفيزيائية لصالحه. هذا النوع من المعرفة الفاسدة يجعل الزمن يبدو كعدو يجب تزجيته أو كفراغ يجب ملؤه بالدعاء والتمني، بدلاً من رؤيته كـ "رأس مال مادي" لا يعوض. إن الشعوب التي لا تمتلك "إرادة صناعة الزمن" هي شعوب تعيش خارج التاريخ، لأن التاريخ لا يكتبه المنتظرون على أرصفة الغيب، بل يكتبه القادة الماديون والعقول العلمية التي تدرك أن الساعة التي تضيع في الانتظار هي خسارة وجودية في صراع البقاء الحضاري.
ويترافق هذا الفساد المعرفي مع "فساد قيمي" مدمر نطلق عليه "الاستقالة من المسؤولية". فمن خلال إلقاء عبء المستقبل على كاهل الغيب أو "المخلص المنتظر"، يمارس العربي نوعاً من "الطفيليات الأخلاقية" حيث يعفي نفسه من واجب العمل والكد والتغيير. إن القيمة السائدة في مجتمعات الانتظار هي قيمة "التواكل المقنع بالتدين"، حيث يصبح الجلوس في المقاهي واجترار الأحلام الغيبية نوعاً من "الإيمان"، بينما السعي المادي الصارم يُنظر إليه أحياناً كنوع من "الغرق في الدنيا". هذه الاستقالة من المسؤولية هي التي تجعلنا ننتظر انهيار الحضارة الغربية من الداخل، وكأننا نراهن على سقوط الآخر لكي ننجو نحن، دون أن ندرك أن الحضارة التي تسقط لا يرثها العاجزون، بل ترثها الأمم التي تمتلك البديل المادي والمعرفي الأكثر قوة. إن نفاق القيم هنا يتجلى في كراهية "المنهج المادي" للغرب مع الرغبة الشديدة في "وراثة ثمراته المادية" دون بذل المجهود الذي بذله ذلك الغرب في بناء علومه ومؤسساته.
إن "التفكير بالتمني" هو المحرك البنيوي لهذه الحالة من الانفصال عن الواقع، وهو آلية تجعل العقل يرى ما يحب لا ما هو كائن فعلاً. العربي يتمنى أن يسيطر على العالم وهو لا يصنع إبرة، ويتمنى أن يهزم أعداءه وهو غارق في الجهل والتبعية، ويتمنى أن يغير التاريخ وهو عاجز عن تغيير عاداته اليومية البسيطة. هذا الفساد المعرفي يحول "الأمل" من قوة دافعة للفعل إلى "مخدر" يمنع الفعل. وعندما يصطدم هذا التفكير بالتمني بصخرة الواقع المادي الصلبة، لا يراجع العربي منهجه، بل يهرب لمزيد من الغيبية، مدعياً أن النصر "تأخر" لسبب ميثولوجي، وليس بسبب تخلفه التقني أو المعرفي. إن هذا الدوران في حلقة مفرغة من التمني والانتظار هو الذي جعلنا أمة من "المتفرجين" على إنجازات الآخرين، ننتظر نهايتهم لكي نبدأ نحن، في مفارقة مضحكة ومبكية؛ إذ كيف يمكن لمن لا يملك "أدوات البدء" أن يرث نهاية العظماء؟
علاوة على ذلك، فإن فساد المعرفة في التعامل مع المستقبل يتجلى في "الاستثمار في الماضي" بدلاً من "الاستثمار في المادة". إننا نسكن في القرون الخوالي، ونستدعي شخصيات تاريخية ماتت وشبعت موتاً لكي تقاتل عنا في معارك الحاضر، وهذا نوع من "الهذيان الزمني" الذي يمنعنا من رؤية الفرص المادية المتاحة أمامنا. إن المستقبل في العقل العلمي هو "مساحة من الإمكانيات" التي تتحقق بالبحث والتجريب، أما في العقل المتخلف فهو "قدر محتوم" أو "سيناريو مكتوب سلفاً" لا نملك إلا انتظاره. هذا التصور "القدري" للزمن يدمر قيمة "المبادرة" ويجعل من الإنسان مجرد ريشة في مهب الريح الميتافيزيقية، فاقداً للسيادة على مصيره ومستقبله، مما يرسخ حالة التبعية للأمم التي تمتلك "مخططات زمنية" واضحة تمتد لعقود وقرون بناءً على حسابات مادية دقيقة.
إن التفكير الغيبي السائد حول "المعجزة الإلهية" التي ستحسم الصراع هو تعبير عن "كسل معرفي" فادح. فالمعجزة في تعريفها هي "خرق للقانون الطبيعي"، والمجتمع الذي يبني مستقبله على انتظار "الاستثناء" هو مجتمع يحتقر "القاعدة". والقاعدة المادية تقول إن القوة للأقوى علماً وتنظيماً وإنتاجاً، وإن السماء لا تمطر ذهباً ولا نصراً على رؤوس الخاملين. إن فساد القيم هنا يتمثل في "الغرور القاتل" الذي يوهم العربي بأنه "استثناء" من قوانين التاريخ، وأنه يمتلك "حالة خاصة" تجعل الله أو القدر ينحاز إليه رغم جهله وتخلفه. هذا الغرور هو الذي يمنعه من التواضع أمام المنهج العلمي ومن التعلم من تجارب الأمم التي نهضت عبر احترام "المادة والوقت والجهد البشري". إن السيادة ليست منحة غيبية، بل هي "انتزاع مادي" يتحقق لمن يمتلك العقل القادر على تطويع الزمن لخدمة أهدافه.
إن حالة "الانتظار السلبي" جعلت من العربي كائناً "طفيلياً على الزمن"؛ فهو يستهلك زمن الآخرين (عبر تكنولوجياتهم ومنتجاتهم) بينما وقته هو ضائع في الفراغ. نحن ننتظر انهيار الغرب وكأننا ننتظر "سقوط ثمرة ناضجة" في أفواهنا، دون أن نسأل أنفسنا: ماذا أعددنا لتلك اللحظة؟ هل نمتلك المختبرات، أو المصانع، أو النظم السياسية العقلانية التي تؤهلنا للقيادة؟ الإجابة المادية الصادمة هي "لا". نحن ننتظر في العراء المعرفي والقيمي، والانتظار في العراء لا يؤدي إلا إلى التجمد والموت. إن هذا الانفصال عن المنطق جعلنا نعتقد أن "نهاية العالم" هي الحل لمشاكلنا، وهو نوع من "العدمية المقنعة" التي تظهر مدى يأس العقل العربي من قدرته على الفعل المادي في هذا العالم، فيتمنى زوال العالم كله لكي يتخلص من شعوره بالدونية والفشل الحضاري.
إن إصلاح هذا الفساد المزدوج يتطلب الانتقال من "ميتافيزيقا الانتظار" إلى "فيزياء الفعل". يجب أن ندرك أن الزمن هو "مورد مادي محدود" وأن المستقبل هو "بناء مادي" وليس "وعداً غيبياً". إن التحرر من "البطل المخلص" يبدأ من إيمان كل فرد بمسؤوليته المادية عن حياته وعن مجتمعه، ومن إدراك أن "المعجزة" الوحيدة الممكنة في هذا العصر هي "معجزة العقل المنظم" الذي يحترم الثانية والدقيقة ويحولها إلى قيمة مضافة. إن الشعوب التي تنجو هي التي تصنع ساعاتها الخاصة وتضبط إيقاعها على ترددات المختبر لا على نبوءات العرافين وشيوخ الدجل الإعلامي. إن التاريخ كتاب مفتوح، وصفحاته لا ترحم من يكتفي بالقراءة والتمني، بل تخلد من يمسك بالقلم المادي ويكتب قدره بيده، عبر العلم والعمل والسيادة المعرفية المطلقة.
إن التفكير بالتمني هو "السرطان المعرفي" الذي يجب استئصاله، لأنه يجعلنا نعيش في "فقاعة" من الأوهام تحمينا مؤقتاً من ألم الواقع لكنها تضمن هلاكنا في النهاية. إن مواجهة الحقيقة المادية القائلة بأننا "هوامش" في هذا العصر هي الخطوة الأولى نحو الخروج من الهامش. والاعتراف بأن "الغرب" أو "الآخر" يتفوق علينا لأنه يحترم "قوانين المادة والزمن" هو بداية الطريق لامتلاك تلك القوانين. إن الاستقالة من المسؤولية هي "خيانة وجودية" للذات وللأجيال القادمة، والهروب نحو الغيب هو جبن معرفي لا يليق بكائن يدعي العقل. إن المستقبل ملك لمن يخطط له، لمن يحصي أنفاسه ويحولها إلى طاقة إنتاجية، لمن يرى في "الآن" فرصة للتحرر وفي "الغد" نتيجة لحسابات "اليوم".
في الختام، يظل صراعنا مع "الانتظار السلبي" هو صراع بين "الحياة والموت". فإما أن نظل طفيليين ننتظر معجزات لن تأتي وانهيارات لآخرين قد لا تخدمنا، وإما أن نستيقظ على الحقيقة المادية الصارخة: إن العالم لا يبالي بانتظارنا، والزمن يدهس المتواكلين، والمستقبل يُبنى بالحديد والنار والعلم والمنطق. إن السيادة هي أن تمتلك "إرادة صناعة الزمن"، وأن تحول "التفكير بالتمني" إلى "تفكير بالعمل"، لكي لا تظل أمتنا مجرد حاشية مهملة في كتاب التاريخ الذي يسطره الأقوياء بمداد من العرق والمادة واليقظة المعرفية الدائمة. إن الخروج من "سجن الانتظار" هو التحدي الأكبر، والحرية تبدأ عندما نتوقف عن انتظار "المخلص" لنصبح نحن المخلصين لأنفسنا عبر قوة العقل وصدق الفعل المادي.
.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire