Translate

سقوط الأقنعة الثورية: تشريح ونقد لظاهرة التجييش الشعري للإرهاب في أدب أحمد فؤاد نجم (مقال)

.


.
سقوط الأقنعة الثورية: تشريح ونقد لظاهرة التجييش الشعري للإرهاب في أدب أحمد فؤاد نجم




تمثل العلاقة بين المثقف والعنف واحدة من أكثر القضايا إشكالية في تاريخ الفكر السياسي الحديث، حيث يتحول القلم في لحظات تاريخية فارقة من أداة للتنوير والبناء إلى مطرقة تهدم قيم الدولة والمواطنة لصالح الفوضى المسلحة. وتبرز قصيدة الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم في مدح خالد الإسلامبولي، قاتل الرئيس أنور السادات، كنموذج فادح لهذا السقوط القيمي، حيث امتزجت الراديكالية اليسارية بالنزعة الانتقامية الشخصية، لتنتج نصاً يشرعن القتل ويمنحه صبغة البطولة الشعبية. إن هذا النص لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق الفشل الفكري الذي يعاني منه المثقف حين يعجز عن التمييز بين المعارضة السياسية المشروعة وبين التحريض على الجريمة المنظمة، وحين يقرر بوعي أو دون وعي أن يتحول إلى بوق دعائي لجماعات إرهابية لا تشترك معه في فكر أو عقيدة، سوى في الرغبة المشتركة في هدم كيان الدولة الوطنية.
تبدأ القصيدة بمحاولة بائسة لتبني القاتل واحتوائه ضمن النسيج القومي عبر عبارة "المجد ده ابننا"، وهي عبارة تفتقر إلى أي أساس منطقي أو سياسي سليم. فالإسلامبولي لم يكن يمثل "الشعب" ولا "المجد"، بل كان يمثل تنظيماً سرياً يؤمن بتكفير المجتمع واستباحة الدماء للوصول إلى سلطة ثيوقراطية شمولية. وهنا تبرز الخطيئة الكبرى للمثقف اليساري الذي، بدافع الكراهية السياسية للسلطة القائمة آنذاك، قرر أن يخلع صفة "الابن" على إرهابي مسلح. هذا التبني الفكري يعكس عقدة نقص عميقة لدى المثقف الذي يشعر بالعجز عن التغيير السلمي والعقلاني، فيهرع للتمسح بأذيال القتلة باحثاً لديهم عن "فحولة ثورية" مفتقدة في خطابه النظري. إن وصف القاتل بـ "الفارس الكرار" هو استدعاء رخيص لرموز التراث البطولي وتوظيفها في سياق إجرامي، مما يساهم في تزييف وعي الجماهير وتدريبها على قبول العنف كوسيلة وحيدة للتعبير السياسي.
إن التحليل المنطقي لهذا النص يكشف عن تناقض صارخ في بنية الفكر اليساري الذي كان يمثله نجم. فكيف يمكن لشاعر يتحدث عن الحرية والعدالة والفقراء أن يمجد شخصاً ينتمي لتيار يرى في اليسار نفسه كفراً وضلالاً؟ هذا التحالف غير المقدس بين "اليسار الراديكالي" و"الإرهاب الديني" في تلك الحقبة كان قائماً على قاعدة "عدو عدوي صديقي"، وهي قاعدة تدل على انحطاط قيمي وفكري لا يليق بمن يدعي التنوير. لقد غاب عن ذهن الشاعر، أو ربما تعمد المغيبة، أن الرصاصة التي قتلت السادات لم تكن تستهدف شخص الرئيس فحسب، بل كانت تستهدف فكرة الدولة والقانون، وأن المستفيد الوحيد من هذا الفعل هو الفكر الظلامي الذي لا يؤمن بالوطن ولا بالحدود. إن مدح الإسلامبولي هو في حقيقته مباركة لمشروع الدولة الدينية المتطرفة، وهو ما يجعل من الشاعر شريكاً معنوياً في كل الدماء التي سالت لاحقاً على يد هذه الجماعات التي شعرت بالزهو لأن "مثقفاً كبيراً" يصف فعلها بالبطولة.
علاوة على ذلك، فإن استخدام اللغة العامية في هذه القصيدة لم يكن لغرض التقرب من وجدان الشعب، بل كان وسيلة لتمرير خطاب الكراهية في قالب شعبي جذاب. فحين يخاطب القاتل قائلاً "مين يا فتى علمك لعب العصا ع الخيل"، فإنه يحول عملية اغتيال غادرة إلى "لعبة شعبية" أو تراث فلكلوري، مجرداً الجريمة من بشاعتها الإنسانية والقانونية. هذا النوع من الأدب التحريضي يعمل على تدمير الغريزة الأخلاقية لدى المتلقي، حيث يصبح القتل مجرد "فن" أو "شطارة". إنها عملية غسيل مخ جماعي يمارسها المثقف مستغلاً مكانته ورمزيته، وهي عملية تستهدف الفئات الأقل تعليماً والأكثر اندفاعاً عاطفياً، مما يحولهم إلى وقود لمشاريع العنف المستقبلي. إن المثقف الذي يطبل للإرهاب في لحظة انفعال سياسي لا يمكن الوثوق بنقده اللاحق له، لأن المبدأ الأخلاقي لديه مرن وقابل للتشكيل حسب الطلب والمصلحة، وليس نابعاً من إيمان راسخ بقدسية الحياة البشرية أو سيادة القانون.
إن المحاكمة التاريخية لمثل هذه المواقف ضرورة حتمية لتطهير الذاكرة الثقافية من شوائب التقديس الزائف. فالمثقف ليس كائناً فوق الحساب، وكلماته ليست مجرد أوزان وقوافٍ تذهب مع الريح، بل هي وثائق إدانة تظل شاهدة على تورطه في شرعنة الخراب. إن الادعاء بأن الأدب له "حصانة" تمنعه من المحاكمة السياسية هو ادعاء باطل، فإذا كان الأدب يملك القوة لتغيير مسار التاريخ وبناء الوعي، فإنه بالضرورة يتحمل مسؤولية انحرافه نحو الهدم. إن حالة أحمد فؤاد نجم في هذه القصيدة ليست حالة فردية، بل هي ظاهرة متكررة في التاريخ الثقافي، حيث يسقط "الرمز" في فخ الغوغائية طمعاً في التصفيق أو نكاية في خصم سياسي. والدرس الحقيقي الذي يجب استيعابه هو أن الحاجة إلى الرموز والقدوات هي علامة ضعف عقلي وفشل في ممارسة التفكير المستقل، لأن الإنسان الواعي يتبع المبادئ لا الأشخاص، ويحكم على الفعل بجوهره لا بجمالية اللغة التي تصفه.
في الختام، تظل قصيدة مدح الإسلامبولي نقطة سوداء في تاريخ الأدب العربي المعاصر، وتذكيراً دائماً بأن الخط الفاصل بين "الثائر" و"الإرهابي" قد ينمحي تماماً حين يتخلى المثقف عن عقله لخدمة غرائزه الانتقامية. إن تفكيك هذا النص ونقده ليس مجرد ترف فكري، بل هو فعل مقاومة ضد كل محاولات تزييف الوعي التي تمارسها النخب الثقافية الراديكالية. إن المجتمع الذي يحتاج لرموز يتبعها دون تمحيص هو مجتمع عاجز عن ممارسة الحرية الحقيقية، والتحرر من "صنمية المثقف" هو الخطوة الأولى نحو بناء مجتمع عقلاني ومنطقي يقدس الحوار لا الرصاص، ويحترم الدولة لا الفوضى، ويحاكم كل من يحرض على الدم مهما بلغت براعته في نظم الكلام. إن الحقيقة المجردة من العواطف تخبرنا أن من يبارك القتل مرة، يظل في أعماقه عدواً للحضارة، مهما حاول لاحقاً غسل يديه بكلمات النقد والتنصل.











قصيدة "خالد الإسلامبولي" لأحمد فؤاد نجم


المجد ده ابننا
والفارس الكرار
راكب علي مهرنا
والكدابين عارفين
– اعد اعد –
المد ده ابننا والفارس الكرار
راكب علي مهرنا
والكدابين عارفين
مين يافتي علمك
لعب العصا ع الخيل
وازاي قطفت القمر
من فوق شواسي الليل
وطبعت نجم السمنا
بالوشم علي زندك
الاسم خالد
ولكن عاشق
ولك هندك
ام الدلال علمك
طبع الاسود
عندك
مين يافتي علمك
عشق الملاح والميل
هندك يا ادهم هنا
اصلك
وسلسلالك
والناس ياخالد
هنا عمك
هنا خالك ياغنوه من قهرنا اسمك وموالك ويا الربيع والامل
في دمنا عايشين وليه اجيب ناس
لمعناة الكلام عارفين
واحنا الامارة اذا حفظوالوداد
عارفين





Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...