.
.
تحويل الندوب إلى دروع: قراءة مقارنة في عبور جسر "إرث الاستعمار" نحو النهضة الصناعية
تظل العلاقة بين المستعمر والسابق والمجتمع المتحرر واحدة من أعقد الجدليات في التاريخ الحديث، حيث لا تتوقف عند لحظة إنزال العلم الأجنبي ورفع العلم الوطني، بل تمتد لتشكل جوهر المسار التنموي الذي ستسلكه الدولة الوليدة. إن الفارق الجوهري بين الدول التي غرقت في وحل التخلف والتبعية بعد رحيل المستعمر، وتلك التي انطلقت لتصبح قوى صناعية كبرى، يكمن في كيفية التعاطي مع "الإرث" الذي تركه الاستعمار خلفه؛ فبينما نظرت بعض النخب إلى هذا الإرث كرجس من عمل العدو يجب هدمه أو إهماله، نظرت نخب أخرى إليه بعقلية "البراغماتية الصارمة"، معتبرة أن الهياكل الإدارية، والسكك الحديدية، والأنظمة القانونية، وحتى اللغة والروابط التجارية، هي أدوات مادية محايدة يمكن إعادة توظيفها لخدمة مشروع النهضة الوطنية. إن تجارب دول مثل سنغافورة، كوريا الجنوبية، وفيتنام، تقدم نماذج ساطعة على أن "صدمة الحداثة" التي أحدثها الاستعمار يمكن أن تتحول من جرح نازف إلى منصة إقلاع، بشرط توفر إرادة سياسية عقلانية تدرك أن القوة لا تُسترد بالشعارات العاطفية، بل بامتلاك نفس الأدوات العلمية والتنظيمية التي مكنت المستعمر من السيطرة يوماً ما.
تعتبر تجربة سنغافورة النموذج الأبرز عالمياً في تحويل "المحطة الاستعمارية" إلى "مركز ثقل عالمي". فعندما نالت سنغافورة استقلالها، لم يكن لديها موارد طبيعية، ولا حتى مياه صالحة للشرب كافية، بل كان إرثها الوحيد هو ميناء بريطاني وخدمة مدنية منظمة وقوانين تجارية صارمة. العبقرية السياسية التي تجلت في قيادة لي كوان يو لم تذهب نحو "تصفية الاستعمار" بالمعنى الغوغائي الذي يدمر المؤسسات، بل ذهبت نحو تعزيز "سيادة القانون" الإنجليزية وتطوير الميناء الذي بناه المستعمر ليكون قلب التجارة العالمية. لقد أدرك السنغافوريون أن الإرث البريطاني في الإدارة والتعليم باللغة الإنجليزية هو "رأس مال" لا يقدر بثمن في سوق عالمية لا تعترف إلا بلغة الأرقام والكفاءة. ومن خلال استبقاء النظام القضائي والنزاهة الإدارية التي كانت تهدف لخدمة الإمبراطورية، نجحت سنغافورة في طمأنة الاستثمارات الأجنبية، محولةً الجزيرة الصغيرة من مجرد ثكنة بحرية ومستودع للبضائع الاستعمارية إلى واحدة من أكثر الدول تقدماً في الصناعات الدقيقة والتكنولوجيا المالية، مما يثبت أن العبرة ليست في هوية من بنى المؤسسة، بل في عقلانية من يديرها بعد الاستقلال.
بالانتقال إلى التجربة الكورية الجنوبية، نجد نوعاً آخر من الاستعمار كان أكثر قسوة وتدميراً، وهو الاستعمار الياباني الذي حاول طمس الهوية الكورية بالكامل. ومع ذلك، عندما انتهت الحرب وبدأت مرحلة البناء، لم يتجاهل الكوريون "الأساسات الصناعية" والإدارية التي وضعها اليابانيون لتسهيل آلتهم الحربية. لقد استفادت كوريا من شبكات النقل وتخطيط المدن، لكن الأهم من ذلك أنها تبنت "النموذج التنموي" الياباني القائم على التحالف بين الدولة والمجمعات الصناعية الكبرى (الشيبول). لقد كانت الصدمة الاستعمارية اليابانية، برغم مرارتها، هي التي أدخلت المنهجية العلمية والصرامة التنظيمية إلى المجتمع الكوري الذي كان يعيش قبلها في حالة من الركود التقليدي. إن تحول كوريا من دولة محطمة بعد الحرب إلى عملاق صناعي يصدر التكنولوجيا إلى العالم، كان نتاجاً مباشراً لقرار النخبة السياسية بتبني "العقلانية التجريبية" وتركيز الجهود على التعليم التقني والصناعات الثقيلة، تماماً كما فعل المستعمر الياباني في نسخته التحديثية، ولكن هذه المرة لخدمة السيادة الكورية وليس الإمبراطورية اليابانية.
في المقابل، نجد أن الكثير من الدول الناطقة بالعربية التي خرج منها الاستعمار الفرنسي أو البريطاني، فشلت في استثمار هذا الإرث الوظيفي. فبينما تركت فرنسا في دول المغرب العربي، وبريطانيا في مصر والعراق، أنظمة إدارية وقانونية وسككاً حديدية ومؤسسات تعليمية عريقة، سارعت النخب التي تولت الحكم إلى تسييس هذه المؤسسات وتحويلها إلى أدوات للمحسوبية والولاء الشخصي. بدلاً من تطوير "العقلية المؤسساتية"، سادت "العقلية الريعية" التي تعتمد على استخراج الموارد الطبيعية (التي اكتشفها المستعمر وصمم بنيتها التحتية) دون إضافة قيمة صناعية حقيقية. إن الفرق هنا يكمن في "البرمجيات الثقافية والسياسية"؛ فالدول الآسيوية استوردت من الاستعمار "منهج التفكير" و"صرامة الإدارة"، بينما اكتفت الدول الفاشلة باستيراد "قشور الحداثة" مع الحفاظ على بنية تفكير تقليدية غيبية وقبلية ترفض المنهج العلمي في الإدارة وتفضل الولاء على الكفاءة.
إن فيتنام تقدم اليوم درساً حديثاً ومذهلاً في هذا السياق؛ فبعد عقود من الحروب الطاحنة ضد الاستعمار الفرنسي ثم التدخل الأمريكي، لم تنكفئ فيتنام على جراحها أو ترفع شعارات العداء الدائم. بل على العكس، اتجهت نحو "سياسة التجديد" (دوي موي) التي اعتمدت على الانفتاح الاقتصادي واستغلال الروابط التاريخية والجغرافية، بل وحتى اللغة والأنظمة الإدارية الموروثة، لجذب الاستثمارات العالمية. فيتنام اليوم تتحول إلى مركز عالمي للتصنيع الإلكتروني، وهي تفعل ذلك باستخدام نفس الموانئ والمواقع الاستراتيجية التي كانت يوماً نقاط ارتكاز استعمارية. إنها العقلية التي ترى في التاريخ "مورداً" وليس "عبئاً"، وتدرك أن الانتقام الحقيقي من الاستعمار لا يكون بسبّه في الكتب المدرسية، بل بالتفوق عليه في مؤشرات التنمية والنمو الصناعي.
يظهر من خلال هذه المقارنات أن "إرث الاستعمار" هو سيف ذو حدين، تعتمد فعاليته بالكامل على طبيعة العقل الذي يمسكه. الدول التي نجحت هي التي استطاعت الفصل بين "الظلم السياسي" للاستعمار وبين "المنجز الحضاري والمادي" الذي رافقه. لقد أدركت هذه الدول أن السكة الحديدية لا تعرف عرق المهندس الذي صممها، وأن القانون التجاري يحمي الجميع إذا طُبق بنزاهة، وأن المنهج العلمي ليس ملكاً للغرب بل هو أداة عالمية من يمتلكها يمتلك المستقبل. إن الصمود أمام الخرافة، والتخلي عن العقلية القدرية التي تنتظر الحلول من السماء، وتبني بدلاً منها عقلية "التخطيط والقياس والتجربة"، هو السر الحقيقي وراء نهضة النمور الآسيوية.
إن العائق الحقيقي الذي منع الكثير من دول المنطقة العربية من تحقيق قفزة مماثلة ليس نقص الموارد ولا "تآمر" المستعمر بعد رحيله، بل هو العائق الثقافي والسياسي المزدوج. فالسياسة التي تقدس الفرد على حساب المؤسسة، والثقافة التي تقدس الماضي على حساب المستقبل، خلقتا بيئة طاردة للعقلانية. وبينما كانت سنغافورة تبني جامعاتها على أسس التميز العالمي، كانت جامعات المنطقة تتحول إلى مراكز للتلقين وتخريج الموظفين غير المنتجين. وبينما كانت كوريا تفرض الانضباط الصناعي، كانت الدول الريعية تكرس التواكل الاجتماعي. إن النهضة الصناعية ليست مجرد بناء مصانع، بل هي في جوهرها "ثورة فكرية" تتبنى العلم كدين مدني والعمل كقيمة عليا، وهي القيم التي كانت تمثل جوهر قوة المستعمر، والتي فشلت النخب المحلية في توطينها بعد الاستقلال.
في نهاية المطاف، يكشف التاريخ أن الاستعمار، برغم وجهه القبيح، قد وضع بذور الحداثة في أراضٍ كانت قاحلة معرفياً. أولئك الذين عرفوا كيف يسقون هذه البذور بعرق العمل الجاد وفكر التخطيط العلمي، هم الذين يحصدون اليوم ثمار السيادة الصناعية والكرامة الوطنية الحقيقية. أما الذين انشغلوا بلوم المستعمر على فشلهم الخاص، فقد ظلوا عالقين في مرحلة "ما بعد الاستقلال" الاسمية، بينما هم في الواقع غارقون في تبعية اقتصادية وفكرية أشد وطأة من الاستعمار العسكري نفسه. إن السيادة الحقيقية لا تُمنح في معاهدات الجلاء، بل تُنتزع في المختبرات وورش التصنيع وعبر سيادة القانون والعقل.
.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire