Translate

زواج المتناقضات المسموم: كيف صار اليسار و"مجتمع الميم" دروعاً بشرية للأيديولوجيا الإرهابية؟ (مقال)

.


.
زواج المتناقضات المسموم: كيف صار اليسار و"مجتمع الميم" دروعاً بشرية للأيديولوجيا الإرهابية؟


يمثل مشهد الناشطين اليساريين، والنسويات الراديكاليات، وأفراد "مجتمع الميم" وهم يحملون لافتات مؤيدة لحركة حماس في شوارع العواصم الغربية، واحدة من أكثر الظواهر السياسية إثارة للذهول والاشمئزاز في التاريخ الحديث. إننا أمام حالة من "العمى الأيديولوجي" الذي تجاوز حدود الحماقة ليصبح انتحاراً معنوياً وفكرياً. كيف يمكن لمن يقدس الحريات الفردية، وحقوق المرأة، وحقوق الأقليات الجنسية، أن يتحالف مع حركة دينية إرهابية لو تمكنت منه لطبقت فيه أبشع أنواع القتل التنكيلي؟ إن سر هذا الاتفاق ليس في "العدالة"، بل في بنية نفسية وأيديولوجية مشوهة ترى في "هدم العالم الغربي" غاية تبرر التحالف مع الشيطان.
بداية، يجب تفكيك طبيعة حركة حماس الإرهابية التي يدافع عنها هؤلاء. حماس ليست حركة تحرر وطني بالمعنى التقليدي، بل هي فرع مسلح لجماعة الإخوان المسلمين، تتبنى في ميثاقها صراحةً عقيدة تدميرية تهدف لمحو دولة إسرائيل وقتل اليهود، وهي نفس الحركة التي لم تتردد في عام 2007 في رمي خصومها السياسيين من حركة فتح من فوق أسطح الأبراج في غزة في مشهد سادي يندى له الجبين. هذه الحركة التي يصفق لها "اليسار التقدمي" هي نفسها التي تحكم غزة بالحديد والنار، وتعتبر المرأة كائناً من الدرجة الثانية، وتنفذ أحكام الإعدام والتعذيب بحق أي شخص يُشتبه في كونه مثلياً أو خارجاً عن معايير الشريعة المتطرفة. هنا يبرز السؤال الوجودي: أين وصل العمى باليسار ليجعل من "الجلاد" بطلاً؟
السر يكمن في نظرية "التقاطعية" (Intersectionality) التي تم تحريفها لتصبح أداة لجمع الأضداد تحت لافتة "الضحية". بالنسبة لليسار المعاصر، العالم منقسم إلى "ظالم" (وهو الغرب، الرأسمالية، إسرائيل، الرجل الأبيض) و"مظلوم" (كل ما هو ضده هؤلاء). وبما أن حماس تعادي إسرائيل والغرب، فقد تم منحها تلقائياً لقب "المظلوم"، ومن هنا وجب على كل "مظلوم" آخر (سواء كانت نسوية أو مثلياً) أن يتضامن معها. هذا المنطق الأعوج يتجاهل حقيقة أن "المظلوم" في سياق معين قد يكون "سفاحاً" في سياق آخر. إن الناشطة النسوية التي تهتف لحماس في لندن تتناسى أن نظيرتها في غزة تُقمع وتُجبر على التواري خلف جدران السمك الأيديولوجي، وأن المثلي الذي يرفع علم قوس قزح بجانب علم حماس يتجاهل أن عناصر هذه الحركة يمارسون "الرياضة الوطنية" في ملاحقة أمثاله وتصفيتهم.
إن حماقة اليسار وصلت إلى مستوى "الاستشراق المقلوب"؛ فهم ينظرون إلى حماس كـ "وحش نبيل" يقاتل الإمبريالية، ويتغاضون عن أيديولوجيتها الإرهابية لأنهم لا يأخذون "الشرقي" على محمل الجد. هم لا يصدقون أن حماس تعني ما تقوله في ميثاقها، بل يعتبرون خطاباتها الدينية مجرد "رد فعل" على الظلم. هذا الاحتقار المبطن للشعوب الشرقية يجعل اليساري يعتقد أنه يستطيع استخدام هؤلاء الإرهابيين كأدوات لتدمير المنظومة الغربية التي يكرهها، ثم يقوم "بتمدينهم" لاحقاً. لكن التاريخ الإيراني الذي ناقشناه سابقاً يثبت أن "الإرهابي المؤمن" هو الذي يستخدم "اليساري الملحد" كجسر، ثم يحرقه فور العبور.
أما المنظمات النسوية والجمعيات الداعمة لمجتمع الميم التي انخرطت في هذا السيرك الأيديولوجي، فهي تمارس أقصى درجات النفاق والوصولية. هذه المنظمات تعيش على "ثقافة المظلومية"، وقد وجدت في قضية غزة وسيلة لتعزيز حضورها في الفضاء العام عبر ركوب موجة الاحتجاجات الكبرى. إنهم يضحون بمبادئهم الجوهرية من أجل "القبول الاجتماعي" داخل الوسط اليساري الراديكالي. إن شعار "كوييرز من أجل فلسطين" (Queers for Palestine) هو النكتة الأكثر دموية في العصر الحديث؛ إنه يشبه تماماً شعار "خراف من أجل الذئاب". هؤلاء لا يدافعون عن الفلسطينيين كبشر يستحقون الحرية، بل يدافعون عن "منظومة إرهابية" تمثل النقيض المطلق لكل ما يمثلونه.
النفاق يتجلى أيضاً في صمت هذه المنظمات عن جرائم حماس ضد النساء والأقليات داخل غزة. أين كانت هذه الجمعيات النسوية عندما كانت حماس تفرض قيوداً على حركة النساء؟ أين كانوا عندما تم تعذيب وقتل أفراد بسبب ميولهم الجنسية في غزة؟ الصمت كان سيد الموقف، لأن فضح هذه الجرائم "يخدم السردية الإسرائيلية" في نظرهم. هكذا تتحول حقوق الإنسان إلى ورقة سياسية رخيصة: تُستخدم لضرب الديمقراطيات، وتُخفى لحماية الديكتاتوريات والإرهابيين.
هذا التحالف هو "اتفاق كراهية" وليس "اتفاق محبة". القاسم المشترك الوحيد بين اليساري المتطرف، والمثلي الراديكالي، والنسوية المتعصبة، وبين الإرهابي الداعشي في حماس، هو الرغبة في رؤية "سقوط النموذج الغربي". إنهم يكرهون الحداثة، ويكرهون العقلانية، ويكرهون النجاح. بالنسبة لليسار، فشل مجتمعاتنا الغربية هو غاية بحد ذاتها، ولتحقيق ذلك، لا بأس من التحالف مع من يريد إرجاع البشرية إلى العصور الوسطى. إنهم يتصورون أن الإرهاب الإسلامي هو "قوة ثورية" ستحطم الرأسمالية، متناسين أن أول ما سيحطمه هذا الإرهاب هو رؤوسهم هم.
إن ما نراه اليوم هو "انهيار العقل اليساري". لم يعد اليسار يبحث عن واقع ملموس، بل يعيش في "واقع افتراضي" من الشعارات. إنهم يبررون قتل المدنيين الإسرائيليين واختطاف النساء والأطفال في 7 أكتوبر كفعل "مقاومة"، بينما يصرخون "فاشية" إذا قامت شرطة بلادهم بمنع تظاهرة غير مرخصة. هذا الانفصام ليس مجرد خطأ في التقدير، بل هو "فساد أخلاقي" متجذر. لقد تحولت الماركسية اللينينية القديمة إلى "ماركسية ثقافية" هجينة، تتبنى كل ما هو غريب وشاذ ومتطرف لمجرد كسر القواعد الاجتماعية المستقرة.
إلى أين وصلت الحماقة؟ لقد وصلت إلى حد أن الأكاديمي اليساري في هارفارد أو السوربون يبرر قطع الرؤوس والاغتصاب بذريعة "إنهاء الاستعمار" (Decolonization). لقد صار "الإرهاب" وجهة نظر قابلة للنقاش في أروقة اليسار. إنهم لا يتعلمون من التاريخ، لأن التاريخ بالنسبة لهم هو مجرد "سردية إمبريالية" يجب هدمها. هم لا يريدون التعلم، بل يريدون "الانتقام" من هويتهم الغربية.
الخسارة في هذا التحالف ستكون من نصيب اليسار دائماً. الإرهابي المتدين لا يغير جلده؛ هو يؤمن بأنه ينفذ إرادة إلهية، وأن موته هو تذكرة لدخول جنة خرافية. هذا النوع من الإيمان لا يمكن "تدجينه" بوعود الحرية والمساواة اليسارية. في اللحظة التي تنتهي فيها الحاجة لليسار، سيجد هؤلاء الناشطون أنفسهم أمام خيارين: إما السيف أو التوبة القسرية، تماماً كما حدث لرفاقهم في إيران.
في الختام، يمثل تحالف اليسار، والنسويات، ومجتمع الميم مع حماس الإرهابية "سقوطاً نهائياً للمشروع الأخلاقي اليساري". لقد أثبتوا أنهم لا يهتمون بالحرية، ولا بالعدالة، ولا بالمرأة، ولا بالمثليين؛ إنهم يهتمون فقط بـ "الأيديولوجيا" التي تشبع أحقادهم السياسية. إن غزة وحماس هما مجرد "أدوات" في مسرحية النفاق الكبرى. والنتيجة هي تخريب العالم والحياة، ونشر الفوضى، ومنح الشرعية للإجرام تحت ستار "التقدمية". إنها حلقة مفرغة من الغباء، يدفع ثمنها الأبرياء، بينما يتلذذ "ثوار المقاهي" في الغرب بدور "المدافع عن المظلومين" وهم في الحقيقة حلفاء الجلادين.


.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

الحجاب والرغبة (قصة قصيرة)

. . الحجاب والرغبة كانت كريمة في التاسعة والأربعين من عمرها، أم لثلاثة أطفال، وزوجة لدبلوماسي كثير السفر، تعيش حياة تشبه تلك الأثاثات المغطا...