Translate

عبد الوهاب المسيري، السيكوبات السياسي - المقال الثالث: الجغرافيا الدينية وفقه التهجير المقدس

.


.
عبد الوهاب المسيري، السيكوبات السياسي - المقال الثالث: الجغرافيا الدينية وفقه التهجير المقدس


تتجلى ذروة الانفصام الأخلاقي والسيكوباتية السياسية في فكر عبد الوهاب المسيري حينما يقارب مفهوم "الأرض"، حيث تتحول الجغرافيا في مخيلته الأيديولوجية من حيز إنساني مشترك إلى ساحة للصراع بين "المقدس" و"المدنس". فبينما يكرس المسيري آلاف الصفحات لإدانة سياسات "الترانسفير" أو التهجير القسري التي مارستها الحركة الصهيونية بحق الفلسطينيين، واصفاً إياها بأبشع النعوت الاستعمارية والمادية، نراه يقف صامتاً، بل وممجداً، لعمليات تهجير وتطهير عرقية ودينية كبرى جرت تحت راية "الجغرافيا الدينية" الإسلامية. هذا التناقض الصارخ يكشف عن بنية فكرية ترى في الظلم جريمة إذا وقع عليها، وتراه "ضرورة حضارية" أو "فتحاً مبيناً" إذا مارسته ضد الآخرين. إن المسيري هنا لا يدافع عن مبدأ "حق الإنسان في أرضه"، بل يدافع عن "حق جماعته في السيادة المطلقة"، وهو موقف لا يختلف في جوهره عن المنطق الإقصائي الصهيوني الذي يدعي المسيري محاربته.
إن مأساة العقل المسيري تبدأ من تبنيه غير الناقد لما يمكن تسميته "فقه التهجير المقدس"، وهو الفقه الذي تأسس مع بدايات الدولة الإسلامية في المدينة المنورة. عندما يُسأل المسيري عن طرد قبائل اليهود من جزيرة العرب، أو عن وصية "لا تجتمع قبلتان في جزيرة العرب" التي نفذها الخليفة عمر بن الخطاب بتهجير من تبقى من يهود خيبر ونصارى نجران، فإنه يلوذ بتبريرات سياسية وذرائع أمنية واهية، معتبراً أن تلك الجماعات كانت "طابوراً خامساً" أو عناصر مخلة بأمن الدولة الناشئة. هنا، تتحول الجغرافيا إلى ملكية حصرية للعقيدة، ويصبح "الترانسفير" عملاً شرعياً لحماية نقاء الأرض الدينية. المفارقة المذهلة هي أن إسرائيل تستخدم بالضبط نفس هذه الحجج لتبرير تهجير الفلسطينيين في عام 1948، مدعية أنها كانت في حالة حرب وأن وجود العرب يشكل خطراً أمنياً على بقاء الدولة اليهودية. المسيري يدين التبرير الإسرائيلي بوصفه كذباً استعمارياً، بينما يقدس التبرير الخليفي بوصفه حكمة سياسية، وهذا هو عين النفاق الذي يضرب صدقية مشروعه الفكري في مقتلها.
هذه السيكوباتية في الخطاب لم تتوقف عند حدود التاريخ القديم، بل امتدت لتشمل قضايا العصر الحديث، وعلى رأسها قضية يهود الدول العربية ومصر تحديداً. في موسوعته وكتاباته، يميل المسيري دائماً إلى تصوير خروج اليهود من البلاد العربية كـ "مؤامرة صهيونية" لاقتلاعهم من نسيجهم الوطني، لكنه يتجاهل عمداً وبشكل مهين للضحايا دور الأنظمة القومية والإسلامية في ممارسة ضغوط ترهيبية، وسحب جنسيات، ومصادرات، وتهجير قسري وتهميش دفع هؤلاء للرحيل. عندما قام جمال عبد الناصر بطرد اليهود المصريين وتحويل حياتهم إلى جحيم، لم ير المسيري في ذلك جريمة تطهير عرقي أو ديني، بل رآه "رد فعل سياسي مبرر" تجاه العدوان الثلاثي والصهيونية. إن هذا المنطق الذي يحمّل المواطن الفرد وزر أفعال دولة أخرى لمجرد أنه يشترك معها في الدين هو نفس المنطق الصهيوني الذي يرى في كل يهودي في العالم "صهيونياً" بالضرورة. المسيري يدين تحويل الفلسطيني إلى ضحية للصراع، لكنه يبارك تحويل اليهودي العربي إلى كبش فداء، مما يثبت أن بوصلته الأخلاقية لا تتحرك إلا وفق هوى الهوية الطائفية.
إن الجغرافيا في عقل المسيري محكومة بمفهوم "دار الإسلام" مقابل "دار الحرب"، وهي قسمة تمنح المسلم الحق المطلق في تملك الأرض وتطهيرها من "الآخر" متى ما اقتضت المصلحة العليا. في هذا النموذج التفسيري الذي بناه، تصبح الفتوحات العربية التي اقتلعت شعوباً بأكملها وغيرت ديموغرافية قارات من آسيا إلى الأندلس "انتشاراً للقيم"، بينما يعتبر بناء مستوطنة واحدة في الضفة الغربية "سرطاناً استيطانياً". إن السيكوبات السياسي هنا يرفض الاعتراف بأن الأرض الفلسطينية نفسها كانت مسكونة بكنعانيين وفينيقيين ويهود ومسيحيين قبل أن تأتي خيول العرب لتعيد صياغة هويتها بالقوة. المسيري يريد منا أن نصدق أن استيطان العرب في شمال أفريقيا ومحو لسان أهلها الأمازيغ هو "اندماج"، بينما استيطان اليهود في فلسطين هو "إحلال". هذا التلاعب بالمصطلحات يهدف إلى تجميل صورة "الأنا" القاتلة وتقبيح "الآخر" الغازي، مع أن الفعل المادي في الحالتين هو غزو عسكري نتج عنه تهجير وتغيير في الملكية والسكان.
علاوة على ذلك، فإن المسيري في دعوته لـ "تفكيك الصهيونية" كان يرمي في الحقيقة إلى إحياء "الجغرافيا الدينية الشمولية". هو لا يريد دولة ديمقراطية لكل مواطنيها، بل يريد عودة الأرض إلى "حضن الأمة"، وهو تعبير شاعري يخفي وراءه نظام "الذمة" الذي يجعل غير المسلم مواطناً منقوص الأهلية في أرضه. إن نقد المسيري لإسرائيل كدولة دينية ليس نابعاً من إيمانه بالعلمانية أو الدولة المدنية الحديثة، بل هو نقد "تنافسي"؛ هو يكره الدولة اليهودية لأنها تزاحم دولته الإسلامية المتخيلة على نفس البقعة الجغرافية وبنفس المنطق "الوعد الإلهي". لذا، فإنه يبرر كل أشكال العنف والتهجير التي مارستها الأنظمة الإسلامية ضد الأقليات (مثل الأرمن والكورد واليزيديين) بصفتها "إجراءات لتوحيد الجبهة"، بينما يصرخ عويلاً إذا مارست إسرائيل إجراءً واحداً لتوحيد "جبهتها القومية". هذا العمى الفكري تجاه جرائم الذات هو الذي جعل المسيري يبدو كأنه "محامٍ لشيطان" يرتدي ثياب الواعظ.
إن التحرر من "فقه التهجير المقدس" الذي روج له المسيري يتطلب الاعتراف بأن الجغرافيا لا دين لها، وأن حق الإنسان في بيته وأرضه هو حق طبيعي لا يسقط بالتقادم ولا يتغير بتغير دين الحاكم. إن الصهيونية مجرمة لأنها هجرت الفلسطينيين، وهذا حكم أخلاقي لا يستقيم إلا إذا اعترفنا أيضاً بأن الفتوحات التي مارست التهجير قديماً، والأنظمة التي مارست طرد اليهود والأقليات حديثاً، هي أيضاً ممارسات إجرامية. المسيري أراد أن يقنعنا بأن هناك "ظلمًا خيرًا" لأنه يخدم العقيدة، و"ظلمًا شريرًا" لأنه يخدم الصهيونية، وهذه هي قمة الانحطاط الأخلاقي. إن صناعة "المقدس الجغرافي" هي التي تسببت في كل هذه الدماء، والمسيري لم يفعل شيئاً سوى تبرير هذه الدماء بمسوح فلسفية كاذبة. إن الكفر بهذا الصنم الثقافي يعني رفض منطق "السيادة الدينية على الأرض" والانتصار لكرامة الإنسان، وهو الأمر الذي فشل فيه المسيري فشلاً ذريعاً لصالح "سيكوباتيته" المنحازة.



.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

عبد الوهاب المسيري، السيكوبات السياسي - مقال الخامس: المظلومية الانتقائية ونفاق المثقف الضحية (مقال)

. . عبد الوهاب المسيري، السيكوبات السياسي - مقال الخامس: المظلومية الانتقائية ونفاق المثقف الضحية يصل مشروع التضليل الفكري إلى ذروته حين يتح...