Translate

عبد الوهاب المسيري، السيكوبات السياسي - مقال الخامس: المظلومية الانتقائية ونفاق المثقف الضحية (مقال)

.


.
عبد الوهاب المسيري، السيكوبات السياسي - مقال الخامس: المظلومية الانتقائية ونفاق المثقف الضحية



يصل مشروع التضليل الفكري إلى ذروته حين يتحول النقد من أداة للتحرر إلى صناعة لبيع الأوهام، وهو المسار الذي سلكه عبد الوهاب المسيري بالتحالف الضمني مع إدوارد سعيد ومجموعة من المثقفين الذين يمكن تسميتهم "باعة المظلومية". هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم حراساً للهوية العربية والإسلامية، لم يفعلوا في الحقيقة سوى استثمار الفشل الحضاري لشعوب المنطقة وتحويله إلى بضاعة رائجة تجلب التمويلات والمبيعات والشهرة الأكاديمية. إن الخيط الناظم بين المسيري في تفكيكه للصهيونية وإدوارد سعيد في نقده للاستشراق هو محاولة إقناع الإنسان العربي بأنه ليس مسؤولاً عن واقعه المتردي، بل هو مجرد ضحية لمؤامرة كونية كبرى بدأت بالاستشراق وانتهت بالصهيونية، وهي سردية سيكوباتية تهدف إلى حماية الذات من مواجهة بشاعتها التاريخية وعجزها المعاصر عبر إلقاء اللوم الدائم على "الآخر" المستعمر والمادي والمتآمر.
إن تسليع المظلومية العربية في فكر هؤلاء المثقفين قد أدى إلى ولادة نوع من "النفاق الثقافي" الذي يقتات على الجراح، حيث تم تصوير العربي والمسلم في صورة "الضحية الأبدية" التي لا تخطئ ولا تظلم، بل تُظلم دائماً. إدوارد سعيد، على سبيل المثال، منح العقل العربي صك براءة أخلاقي شامل حين جعل من "الاستشراق" العدو الأول الذي شوه صورة الشرق لتمهيد الطريق للاستعمار، وهو ما استغله المسيري ليبني عليه سرديته بأن الصهيونية ليست إلا تجسيداً لهذا التصور الاستشراقي المادي. المشكلة الكبرى في هذا الطرح ليست في نقد الغرب، فالغرب يستحق النقد، بل في كونه طرحاً "أحادياً" يعفي الذات من أي نقد بنيوي. فبينما يصرخ هؤلاء ضد "العنصرية الغربية"، يلوذون بالصمت المطبق أمام العنصرية العربية والإسلامية التي مارست التطهير العرقي والديني والثقافي ضد الأقليات والشعوب الأصيلة طوال أربعة عشر قرناً. هذا المثقف الضحية يطالب الغرب بالاعتذار عن قرن من الاستعمار، لكنه يرفض مجرد الاعتراف بجرائم السبي والنهب والتهجير التي ارتكبتها الإمبراطوريات الإسلامية بحق الأرمن والكورد والسريان والأقباط والأمازيغ، معتبراً تلك الجرائم "انتشاراً للحق" لا يستوجب الاعتذار بل يستوجب الشكر من الضحايا.
إن السيكوباتية في هذا الخطاب تظهر بوضوح حين يتم استخدام أدوات الحداثة الغربية ومفاهيم ما بعد الاستعمار لشرعنة التخلف المحلي. المسيري وسعيد استخدما مناهج التفكيك والنقد الغربي ليس لإصلاح مجتمعاتهما، بل لصناعة "تمركز حول الذات" يرفض الآخر ويرى في كل نقد داخلي خيانة أو تأثراً بالاستشراق. لقد نجح هؤلاء في إقناع الجماهير بأن الفشل في بناء دولة القانون، والفشل في احترام حقوق الأقليات، والفشل في التنمية العلمية، كلها نتاج "المؤامرة"، مما خلق جيلاً من القراء الذين يجدون في كتب المسيري وسعيد تعويضاً نفسياً عن شعورهم بالدونية. إن هذا الاستثمار في "العجز" هو الذي يفسر مبيعات كتبهم الضخمة في المنطقة؛ فالناس لا تريد من يواجهها بعيوبها، بل تريد من يخبرهم بأنهم "خير أمة أخرجت للناس" وأن مشكلتهم الوحيدة هي "الآخر الشرير". إن هذا التخدير الفكري هو أكبر عائق أمام الحداثة، لأنه يمنع عملية "تفكيك الأنا" الضرورية للنهوض، ويستبدلها بتفكيك الخصوم كفعل تعويضي وهمي.
علاوة على ذلك، فإن هؤلاء "الأصنام الثقافية" قد كرسوا لنوع من "الإمبريالية الثقافية العربية" التي تنكر حق الشعوب الأصيلة في أرضها وهويتها. عندما يتحدث المسيري عن "الكتلة البشرية" لمواجهة الصهيونية، فإنه يفترض أن هذه الكتلة يجب أن تكون "عربية إسلامية" بالضرورة، ضارباً عرض الحائط بهويات ملايين البشر الذين سُحقت لغاتهم وحضاراتهم تحت وطأة التعريب القسري. إن نفاق المثقف الضحية يظهر حين يدين سياسة "الاستيطان" الإسرائيلي، ولكنه يقدس "الاستيطان" العربي الذي غير ديموغرافية شمال أفريقيا والهلال الخصيب ومحا وجود لغات عريقة مثل القبطية والأمازيغية والآرامية. المسيري وسعيد لا يريان في هذا الاستعمار العربي مشكلة، لأنه في نظرهما "استعمار خير" جلب الدين واللسان، وهذا المنطق هو نفسه منطق الاستعمار الغربي الذي ادعى جلب "الحضارة والتنوير". إن غياب النزاهة الأخلاقية في عدم الاعتذار عن تاريخ طويل من القمع للأقليات هو الذي يجعل نقد هؤلاء للصهيونية يبدو مجرد "صراع إرادات" على السيادة، وليس دفاعاً أصيلاً عن مبادئ الحرية والعدالة.
إن التحرر الحقيقي للعقل العربي والمسلم لا يمكن أن يبدأ إلا من خلال "الكفر الكامل" بهذه الأصنام الثقافية وباعة الأوهام. يجب تحطيم صنم المسيري الذي حول الصراع إلى غيبيات ونماذج وظيفية تبرر الفشل، وتحطيم صنم إدوارد سعيد الذي جعل من النقد أداة للاختباء خلف المظلومية. إن بناء عقل حديث يتطلب الجرأة على قراءة التاريخ بدمويته الحقيقية، دون مساحيق تجميل أو تبريرات دينية. يتطلب الاعتراف بأننا لسنا ضحايا فقط، بل كنا وما زلنا "جلادين" لكثير من الأقليات والشعوب التي تعيش بيننا. إن كرامة الإنسان لا تتجزأ، ومن يطالب إسرائيل بالاعتذار عن النكبة، عليه أولاً أن يملك الشجاعة للاعتذار عن "نكبته الخاصة" التي ألحقها بالأرمن والسريان والأمازيغ، وعن تاريخ الرق والنخاسة الذي استمر قروناً. وبدون هذا الصدق الأخلاقي، سيظل المثقف العربي يراوح مكانه في دور "السيكوبات السياسي" الذي يبكي على جرحه بينما يده تقطر من دماء الآخرين.
في الختام، إن مشروع "عبد الوهاب المسيري: السيكوبات السياسي" هو دعوة لفتح العيون على بشاعة النفاق الثقافي الذي غلف حياتنا الفكرية لعدة عقود. إن الأكاذيب التي ساقها هؤلاء المثقفون لتبرير الاستبداد المحلي والتمييز الديني والعرقي تحت مسمى "الهوية" و"المقاومة" قد أدت إلى إفلاس حضاري شامل. التحرر يبدأ حين نتوقف عن تصديق أننا ضحايا "مؤامرة"، ونبدأ في فهم أننا ضحايا عقولنا التي تقدس القتلة القدامى وتبرر بشاعاتهم. إن العقل الحديث الذي نحلم به هو العقل الذي يحترم الإنسان لذاته، لا للونه أو دينه أو لغته، وهو العقل الذي لا يجد حرجاً في إدانة "محمد" أو "عمر" أو "عبد الناصر" بنفس القوة التي يدين بها "هرتزل" أو "بن غوريون". هذا هو السبيل الوحيد للخروج من نفق المظلومية الانتقائية نحو فضاء الإنسانية الواسع، حيث لا مكان للأصنام ولا مبرر للأكاذيب.


.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

عبد الوهاب المسيري، السيكوبات السياسي - مقال الخامس: المظلومية الانتقائية ونفاق المثقف الضحية (مقال)

. . عبد الوهاب المسيري، السيكوبات السياسي - مقال الخامس: المظلومية الانتقائية ونفاق المثقف الضحية يصل مشروع التضليل الفكري إلى ذروته حين يتح...