Translate

انتحار الأيديولوجيا: حين ترفع الضحية راية جلادها في موكب الإرهاب (مقال)

.


.
انتحار الأيديولوجيا: حين ترفع الضحية راية جلادها في موكب الإرهاب



تمثل المشاهد القادمة من شوارع العواصم الغربية، حيث يختلط علم "قوس قزح" برايات حماس وحزب الله، واحدة من أكثر الظواهر السياسية سريالية واضطراباً في العصر الحديث. إننا أمام حالة مستعصية من العمى الفكري الذي أصاب قطاعات واسعة من "مجتمع الميم" واليسار الراديكالي، مما دفعهم إلى الارتماء في أحضان أيديولوجيات دينية إرهابية لا ترى في وجودهم سوى "خطيئة" تستوجب القتل والتنكيل. هذا التحالف المسموم ليس مجرد سوء فهم سياسي، بل هو سقوط أخلاقي ومعرفي مروع، يعكس جهلاً عميقاً بأدبيات الحركات الإسلاموية وبنصوص الدين التي تشرعن إبادة أصحاب الهويات الجندرية المختلفة. إن وقوف المثلي تحت لافتة "حماس" يشبه تماماً وقوف الخراف في طابور طويل لتحية الذئب الذي لا يخفي نيته في التهامها، بل يفتخر بذلك كجزء من عقيدته المقدسة.
إن مكمن الخطر في هذا التحالف يكمن في تغييب الوعي التاريخي والحسي؛ فالمثليون الذين يصرخون اليوم دعماً لحماس وحلفائها يتناسون، أو يجهلون، أن هذه الحركة هي فرع أصيل من تنظيم الإخوان المسلمين، وأن ميثاقها لا يعترف بقيم الحداثة أو حقوق الفرد، بل يقوم على رؤية ثيوقراطية شمولية إرهابية. إن هؤلاء الناشطين لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث في القوانين التي تطبقها حماس في غزة، حيث يُلاحق أفراد مجتمع الميم بتهم "الفجور" ويُزج بهم في غياهب السجون، بل ويتم إعدامهم ميدانياً بتهم "السلوك الأخلاقي المنحرف" كما حدث في حالات موثقة لقياديين داخل الحركة نفسها. (في غزة، أعدمت حماس أحد قادتها الميدانيين المسمّى محمود اشتيوي عام 2016 بهذه التهمة.) إن الجهل بالنصوص الإسلامية الصريحة التي تعتبر الفعل المثلي "فاحشة" تستوجب أقصى العقوبات البدنية، هو المحرك الأساسي لهذه الحماقة السياسية التي جعلت من الضحية درعاً بشرياً لجلادها.
من الناحية التكتيكية، يمارس الإسلامويون وعملاء الأنظمة القمعية في طهران والضاحية الجنوبية نوعاً من "الاستغفال الاستراتيجي" لمجتمع الميم في الغرب. إنهم يدركون تماماً أن حشد هؤلاء الناشطين يمنح قضيتهم زخماً عددياً وتغطية إعلامية في المجتمعات الليبرالية، ويستخدمونهم كـ "أدوات مفيدة" لتحسين صورتهم أمام الرأي العام الغربي. بالنسبة للإسلاموي، المثلي ليس حليفاً ولا إنساناً يستحق الاحترام، بل هو مجرد "رقم" في معادلة التحشيد، وسيلة لاقتحام الفضاء العام الغربي بقناع "المظلومية المشتركة". هذا المنطق النفعي الصرف يقابله اندفاع ساذج من أفراد مجتمع الميم الذين يعتقدون واهمين أن دعمهم لهؤلاء سيوفر لهم قبولاً أو مساندة في المقابل. إنهم يسقطون قيمهم "التقدمية" على جماعات لا تؤمن أصلاً بوجودهم، ويظنون أن لغة "الحقوق والعدالة" هي لغة مشتركة، بينما هي بالنسبة للطرف الآخر مجرد "بدعة غربية" يجب استئصالها فور التمكن من مفاصل القوة.
هناك جانب نفسي لهذا الاندفاع يتمثل في رغبة بعض ناشطي مجتمع الميم في العثور على مساحات جديدة للظهور خارج إطار مسيرات الفخر السنوية التقليدية. لقد وجدوا في موجة الاحتجاجات المؤيدة للإرهاب فرصة لجعل أعلامهم وقضاياهم في صدارة نشرات الأخبار، متوهمين أن "التقاطعية" تفرض عليهم التضامن مع كل من يدعي معارضة النظام الغربي أو الإمبريالية. لكن الثمن الذي يدفعونه هو كرامتهم وهويتهم ذاتها؛ فمن العار التاريخي أن يجتمع علم يرمز للتحرر الفردي والتنوع مع أعلام حركات تؤمن بالقتل على الهوية وتضطهد النساء وتعتبر الحريات الشخصية رجساً من عمل الشيطان. إن هذا الالتصاق الفيزيائي بين علم قوس قزح ورايات حماس هو إهانة لكل ضحية سقطت تحت مقصلة التطرف الديني في الشرق، وهو بصقة في وجه كل مثلي يواجه الموت يومياً في شوارع غزة أو طهران.
المفارقة المضحكة المبكية في هذا المشهد هي أن معظم هؤلاء الناشطين الغربيين لم يعيشوا يوماً تحت حكم ثيوقراطي، بينما يهرب آلاف المثليين سنوياً من الدول العربية والإسلامية طلباً للجوء في الغرب الذي يهاجمه هؤلاء الناشطون الآن. هؤلاء اللاجئون هربوا لأنهم جربوا الاضطهاد الحقيقي، وعانوا من عنصرية المجتمعات التي تنهل من إرهاب الدين، وشاهدوا بأعينهم كيف تُسلب إنسانيتهم باسم الشريعة. إن الناشط المثلي في "هارفارد" أو "لندن" الذي يبرر جرائم حماس، يرتكب خيانة عظمى تجاه "إخوته" في الهوية الذين يقبعون في سجون المليشيات الإسلامية. إنه يمنح الشرعية الأخلاقية للمنظومة التي شردت هؤلاء اللاجئين، ويجمل وجه القتلة الذين يعتبرون وجود المثلي تهديداً للأمن القومي والأخلاقي.
إن هذا السقوط ليس مجرد خطأ في التقدير السياسي، بل هو "فساد بنيوي" في الفكر اليساري المعاصر الذي استبدل العقلانية بصنم "المظلومية". لقد تم إقناع مجتمع الميم بأن عدوهم الوحيد هو "الرجل الأبيض الرأسمالي"، مما أعماهم عن رؤية الخطر الوجودي القادم من الشرق المتطرف. إنهم يمارسون ما يمكن تسميته بـ "الاستشراق المقلوب"، حيث ينظرون إلى الإرهابي الحمساوي كـ "ثائر نبيل" لا تجوز محاسبته بمعايير الأخلاق الغربية، بينما يحاسبون مجتمعاتهم الديمقراطية على هفوات لغوية بسيطة. هذا الانفصام جعلهم يبررون قطع الرؤوس والاغتصاب في السابع من أكتوبر كأفعال "مقاومة"، في حين يرتجفون من كلمة "رهاب" إذا صدرت من جارهم في الحي. إنها حالة من المازوخية السياسية التي تجعل الضحية تتلذذ بتلميع السكين التي ستُذبح بها لاحقاً.
إن الصمت المريب للمنظمات النسوية وجمعيات مجتمع الميم عن جرائم حماس وحزب الله ضد النساء والأقليات داخل مجتمعاتهم، هو الدليل القاطع على نفاق هذا التحالف. أين كانت هذه الجمعيات عندما كان يتم سحل المثليين في شوارع غزة؟ وأين كان صراخهم عندما تُجبر النساء في مناطق سيطرة هذه الجماعات على الانصياع لقوانين القرون الوسطى؟ لقد فضلوا الصمت لأن فضح هذه الحقائق "يخدش" صورة المقاومة المزعومة التي رسموها في مخيلاتهم المريضة. لقد حولوا "حقوق الإنسان" من مبادئ كونية غير قابلة للتجزئة إلى أداة سياسية انتقائية، تُستخدم لضرب الديمقراطيات الغربية وتُخفى لحماية الديكتاتوريات والإرهابيين الذين يشتركون معهم في كره الغرب.
في نهاية المطاف، سيظل التاريخ يسجل أن قطاعاً من مجتمع الميم قرر في لحظة جنون أيديولوجي أن يبيع دماء ضحايا الإرهاب مقابل لحظة من "الزخم" في الشارع. إنهم لا يدركون أن الإرهاب الإسلاموي لا يؤمن بالتعددية ولا يقبل بالآخر؛ فبالنسبة لحماس وإيران، هؤلاء الناشطون هم "رجس" مؤقت يُستخدم لتضليل الرأي العام، وفور انتهاء المهمة، سيكون مصيرهم نفس مصير اليساريين الإيرانيين الذين دعموا الثورة الإسلامية ثم وجدوا أنفسهم على المشانق في اليوم التالي. إن غياب الوعي بأدبيات هذه الحركات الإرهابية ليس عذراً، بل هو جريمة بحق الذات وبحق الحقيقة. إن من يرفع علم المثليين بجوار علم حماس، لا يدافع عن فلسطين، بل يدافع عن منظومة ذبحت الفلسطينيين قبل غيرهم، وهو بذلك يساهم في نشر الفوضى والدمار باسم "التقدمية" الزائفة.
إن السقوط الأخلاقي لهذا التحالف يمثل نهاية المشروع الأخلاقي لليسار الراديكالي؛ فقد ثبت بالدليل القاطع أن الولاء للأيديولوجيا المعادية للغرب قد طغى على الولاء للإنسان وكرامته. إن الدفاع عن الإرهابيين تحت ستار "إنهاء الاستعمار" هو قمة الانحطاط الفكري، وهو شرعنة للوحشية التي ستطال الجميع بلا استثناء. إن الحقيقة الموثقة بالدم لا تكذب، ومهما حاول هؤلاء الناشطون تبرير مواقفهم بسرديات "التقاطعية" الهشة، فإن التاريخ سيظل يذكرهم كجماعة من الحمقى الذين صفقوا لجلادهم، وفرشوا السجاد الأحمر للإرهاب الذي يتوق لإطفاء شعلة حريتهم إلى الأبد. إن المعركة اليوم هي معركة العقل ضد الجنون، ومعركة الحقيقة ضد الزيف الأيديولوجي الذي جعل من علم المضطهَد غطاءً لعورات القتلة والمجرمين.


.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...