Translate

عبد الوهاب المسيري، السيكوبات السياسي - المقال الرابع: مكارم الأخلاق في مرآة السبي والنخاسة (مقال)

.


.
عبد الوهاب المسيري، السيكوبات السياسي - المقال الرابع: مكارم الأخلاق في مرآة السبي والنخاسة



يحتل مفهوم "الأخلاق" في مشروع عبد الوهاب المسيري مكانة المركز، حيث بنى الرجل معظم نظرياته النقدية للغرب وللصهيونية على أساس المقارنة بين "المادية الغربية" التي تُشيئ الإنسان وتحوله إلى مادة استعمالية، وبين "النموذج الإسلامي" الذي يراه نموذجاً إنسانياً وتوحيدياً يكرم النفس البشرية. ولكن، خلف هذا الرداء الأخلاقي الفضفاض، تكمن "سيكوباتية سياسية" مروعة تتعمد الهروب من مواجهة أكثر المناطق دموية وبشاعة في التاريخ الذي يقدسه المسيري، ألا وهي منظومة الرق والسبي والنخاسة التي كانت عصب الاقتصاد والمجتمع في الإمبراطوريات الإسلامية المتعاقبة. إن المسيري، في سعيه لشيطنة "التشييء" الصهيوني، يتجاهل تماماً أن المنظومة التي يدافع عنها قد مارست أبشع أنواع التشييء والسلعنة للبشر عبر قرون، محولةً الملايين من الأفارقة والأوروبيين والآسيويين إلى مجرد "سلع" تُباع وتُشترى في أسواق النخاسة، مع تبرير ذلك بغطاء ديني مقدس يمنع النقد أو الاعتذار.
إن الادعاء بأن الإسلام جاء ليتمم مكارم الأخلاق يصطدم بحقيقة تاريخية وميدانية مريرة، وهي أن "السبي" كان أحد الأدوات الأساسية في الفتوحات التي يسميها المسيري "انتشاراً حضارياً". فعندما يهاجم المسيري الصهيونية لأنها تستغل الإنسان أو تشرده، فإنه يغض الطرف عن مئات الآلاف من النساء والأطفال الذين تم سوقهم كـ "غنائم حرب" في تاريخنا، حيث تم تحويل المرأة إلى "جارية" يُستباح جسدها تحت مسمى "ملك اليمين"، ويُباع طفلها في الأسواق بعيداً عنها. هذا التشييء الجسدي والروحاني هو في جوهره أعمق بكثير من التشييء المادي الذي انتقده المسيري في "الحداثة الغربية"، إذ إنه يسلب الإنسان كرامته باسم "الله"، ويجعل من استعباده جزءاً من النظام الكوني المقدس. المسيري يهرب من هذا الواقع عبر قوله إن الإسلام "ضيق منافذ الرق"، وهي حجة واهية تهدف لتجميل القبح، إذ إن الواقع التاريخي يثبت أن تجارة الرق في العالم الإسلامي كانت من الضخامة والاستمرارية بحيث لم تتوقف إلا بضغط خارجي من "الغرب" الذي يلعنه المسيري صباحاً ومساءً.
إن السيكوباتية الأخلاقية في خطاب المسيري تتجلى عندما يرفض الاعتراف بأن "حقوق الإنسان" الحديثة، التي ولدت من رحم الحداثة العلمانية، هي التي أنقذت البشرية من بشاعة التشريعات الدينية المتعلقة بالرق. فبينما كان الفقهاء المسلمون، حتى عقود قريبة، يكتبون في أحكام البيع والشراء للعبيد وعتق الرقاب كفارة للذنوب (مما يعني بقاء "الأصل" وهو العبودية)، كانت المواثيق الدولية البشرية هي التي فرضت إلغاء الرق قسراً على المجتمعات الإسلامية. لقد قبل المسلمون بإلغاء الرق مجبرين لا مخيرين، تحت ضغط المعاهدات والقوة العسكرية الغربية، وليس نتيجة "تطور أخلاقي" نابع من داخل النص الديني الذي يمجده المسيري. إن هذا يثبت أن العقل البشري، في بحثه عن العدالة، تفوق على "المقدس التاريخي" الذي أقر العبودية وشرعنها. المسيري ينقد الغرب لأنه "مادي"، لكنه لا يجرؤ على القول إن "مادية" الغرب هي التي وضعت حداً للنخاسة الإسلامية التي دامت أربعة عشر قرناً.
علاوة على ذلك، فإن المسيري في نقده للصهيونية يركز على "العنصرية"، بينما يتناسى أن نظام الرق في التاريخ الإسلامي كان مشبعاً بالعنصرية العرقية، حيث تم تخصيص المهام الشاقة والوضيعة للسود من شرق وغرب أفريقيا، ووُضعت في الفقه أحكام تمييزية تفرق بين العبد الأبيض والعبد الأسود في القيمة والثمن. إن "الرجل الأبيض" الذي هاجمه المسيري في نموذجه الغربي، كان له شريك "رجل مسلم" في ممارسة نفس الجرائم بحق الإنسان الأفريقي. المسيري يرفض محاكمة "الأنا" بنفس المعيار، فيعتبر عنصرية الصهيوني "جوهرية"، بينما يعتبر عنصرية المسلم "انحرافاً سلوكياً" أو "نتاجاً لعصره". هذا التلاعب بالأحكام هو ما يجعل خطابه خطاباً منافقاً يفتقر للنزاهة العلمية؛ فالظلم لا يتغير لونه بتغير دين الظالم، والتشيؤ الذي يصيب العبد في خيبر أو بغداد هو نفس التشؤ الذي يصيب العامل في مصانع مانشستر، بل ربما كان الأول أكثر قسوة لأنه لا يملك حتى حق الصراخ ضد "إرادة الله" المزعومة في استعباده.
إن مواجهة التاريخ الدموي تعني أيضاً مواجهة "سيرة البدايات" التي يحاول المسيري إضفاء الطابع الرومانسي عليها. فعندما نتحدث عن إبادة قبائل كاملة في المدينة، أو سبي نساء بني المصطلق أو خيبر، نحن لا نتحدث عن "مكارم أخلاق"، بل نتحدث عن ممارسات حربية تقليدية شديدة العنف والقسوة. المسيري يرى في "دير ياسين" جريمة لا تُغتفر (وهي كذلك)، لكنه يرى في "بني قريظة" حكماً إلهياً عادلاً. هذه هي السيكوباتية في أبهى صورها: القدرة على تبرير القتل الجماعي والسبي إذا كان الفاعل ينتمي لـ "خندقنا العقدي". إن التحرر الفكري يقتضي نزع القداسة عن هذه الأفعال والاعتراف بأنها كانت أفعالاً فاسدة ومجرمة بالمعايير الإنسانية، وأن تمجيدها اليوم هو تآمر على مستقبل الإنسان. المسيري، بصمته عن هذه البشاعات، ساهم في تخدير الوعي المسلم ومنعه من الاعتذار التاريخي الضروري للأمم والشعوب التي سُحقت تحت خيول الفتوحات.
في الختام، إن مرآة السبي والنخاسة تكشف زيف "التفوق الأخلاقي" الذي حاول المسيري بيعه لنا. إن الحقيقة المرة هي أننا كعرب ومسلمين نعيش في حالة انفصام؛ نلعن الاستعمار الغربي لأنه استغلنا لقرن من الزمان، ونقدس استعمارنا للآخرين الذي استمر قروناً واستعبد الملايين. المسيري لم يكن سوى "مكياج فكري" حاول إخفاء ندوب هذا التاريخ الدموي. إن حقوق الإنسان ليست "منحة دينية" كما ادعى، بل هي "انتزاع بشري" ضد تسلط الأديان والأنظمة التي تشرعن العبودية. لكي نصلح العالم، كما يزعم المسيري، كان يجب أن نبدأ بإصلاح "عفنا الداخلي" والاعتراف بأن منظومتنا التاريخية كانت في أجزاء كثيرة منها منظومة "تشييء" وإبادة، وبدون هذا الاعتراف، يظل نقدنا للصهيونية أو للغرب مجرد "صراخ منافق" لا يحترم الإنسان بقدر ما يبحث عن نصرة طائفته.



.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

عبد الوهاب المسيري، السيكوبات السياسي - مقال الخامس: المظلومية الانتقائية ونفاق المثقف الضحية (مقال)

. . عبد الوهاب المسيري، السيكوبات السياسي - مقال الخامس: المظلومية الانتقائية ونفاق المثقف الضحية يصل مشروع التضليل الفكري إلى ذروته حين يتح...