.
.
عبد الوهاب المسيري، السيكوبات السياسي - المقال الأول: صنم التفكيك وأسطورة التحليل الوظيفي
تبدأ رحلة السقوط في فخ الأيديولوجيا حين يتحول المثقف من باحث عن الحقيقة إلى مهندس لصناعة الأوهام التي تداعب خيال الجماهير الجريحة والمأزومة حضارياً. في هذا السياق، يبرز اسم عبد الوهاب المسيري كأحد أكبر سدنة هذه الأوهام في العصر الحديث، حيث استطاع عبر موسوعته الضخمة ومنهجه "التفكيكي" المزعوم أن يبني صرحاً من الأكاذيب الفلسفية التي تهدف في جوهرها إلى تخدير العقل العربي والمسلم ومنعه من مواجهة الواقع المرير. إن المنهج الذي اتبعه المسيري ليس منهجاً علمياً يسعى لفهم الظاهرة الصهيونية أو الغربية في سياقها التاريخي والموضوعي، بل هو عملية انتقاء جراحية تهدف إلى تطويع الحقائق لتناسب قوالب ذهنية مسبقة الصنع، حيث يتم استبدال البحث المعرفي الرصين بما أطلق عليه "النماذج التفسيرية"، وهي في حقيقتها ليست سوى قيود فكرية تمنع الرؤية الشاملة وتكتفي بما يخدم السردية الإسلامية والعروبية المتآكلة.
لقد برع المسيري في استخدام لغة فلسفية معقدة ومصطلحات فضفاضة مثل "الحلولية" و"النزعة المادية" و"تجاوز الحداثة"، ليعطي لخطابه مسحة من القداسة الأكاديمية التي ترهب القارئ البسيط وتجعله يسلم بصحة النتائج دون فحص المقدمات. إن الخدعة الكبرى في منهج المسيري تكمن في قدرته على عزل الظواهر عن سياقها الإنساني الحي وتحويلها إلى أرقام أو "وظائف" في آلة كونية متخيلة. ففي رؤيته لإسرائيل، لم يرتكب المسيري خطأً في التقدير فحسب، بل مارس نوعاً من "السيكوباتية السياسية" التي تنزع الصفة الإنسانية والذاتية عن الخصم، محولاً مجتمعاً كاملاً إلى مجرد "كيان وظيفي" لا إرادة له ولا تاريخ مستقل. هذا التحليل الوظيفي هو حجر الزاوية في مشروعه التضليلي، حيث يزعم أن إسرائيل ليست دولة قومية لشعب يمتلك رؤية وتطلعات وقوة ذاتية، بل هي مجرد "أداة" استعمارية صنعها الغرب للتخلص من "الفائض البشري اليهودي" ولحماية مصالحه في المنطقة.
إن ترويج فكرة "الدولة الوظيفية" هو نوع من الاستعلاء الأخلاقي المزيف الذي يسعى لتطمين الجماهير العربية بأن عدوها ليس قوياً بذاته، بل هو "مستأجر" سينتهي دوره بمجرد انتهاء حاجة الممول الغربي له. هذه الرؤية تتجاهل عمداً وبشكل يثير الريبة التطور المجتمعي المذهل داخل إسرائيل، والتقدم العلمي والتكنولوجي، والقدرة على بناء مؤسسات ديمقراطية متينة (لمجتمعها) تفوقت بها على محيطها العربي بمراحل ضوئية. المسيري في "سيكوباتيته السياسية" يرفض الاعتراف بهذه الحقائق لأنها تعني ضرورة نقد الذات العربية والإسلامية الفاشلة، وبدلاً من ذلك يبيع للقارئ مخدر "الزوال الحتمي" بناءً على متتاليات هندسية ونماذج تفسيرية لا وجود لها إلا في عقله المهووس بتأطير العالم داخل صراع "المادة والروح". إن هذا التغافل عن القوة الذاتية للآخر هو ما يجعل القارئ العربي ينتظر سقوط الثمرة دون أن يتحرك، معتقداً أن "النموذج" سيأكل نفسه من الداخل، بينما الواقع يثبت يومياً أن هذا النموذج يتمدد ويتطور بينما ينغمس أتباع المسيري في قراءات تأويلية لا تسمن ولا تغني من جوع.
علاوة على ذلك، يظهر "الانحياز التأكيدي" في منهج المسيري بأبشع صوره حين يتعامل مع المصادر التاريخية واليهودية. فهو لا يقرأ التاريخ ليفهمه، بل "ينتفه" لينتزع منه ما يثبت نظريته مسبقة الصنع. هو يعتمد بشكل مفرط على آراء الهامش اليهودي المعادي للصهيونية أو المؤرخين الجدد الذين يخدمون سرديته، ويقدمهم للقارئ العربي على أنهم "صوت الحق" والوعي الحقيقي، متجاهلاً الأغلبية الساحقة والوعي القومي العام الذي يحرك الكيان الصهيوني. هذا الأسلوب الانتقائي هو تزييف للوعي الجمعي، حيث يوهم المسيري قراءه بأن هناك انقساماً جذرياً سيؤدي للانهيار، بينما هو يغمض عينيه عن الانقسامات الأعمق والدموية في مجتمعاتنا الإسلامية التي يبشر بنموذجها. إن "صنم التفكيك" الذي نصبه المسيري لم يكن يهدف لتفكيك الصهيونية بقدر ما كان يهدف لتفكيك قدرة العقل العربي على الرؤية الموضوعية، واستبدالها بنظارات أيديولوجية ترى في كل نجاح للآخر "مؤامرة" وفي كل فشل لنا "ابتلاء" أو "مرحلة عابرة".
إن الخطورة في خطاب المسيري تكمن في كونه قدم "الجهل المقدس" في ثوب "المعرفة المركبة". فهو يقنع القارئ بأن الفهم البسيط للواقع هو "سطحية مادية"، بينما الفهم الحقيقي هو الغوص في "ما وراء المادة" والبحث عن "النموذج الكامن". هذا النوع من الفكر هو الذي يشرعن الفشل؛ فإذا كانت إسرائيل تكنولوجيا قوية، يقول لك المسيري إن هذا "تقدم مادي خالٍ من القيمة"، وإذا كانت منتصرة عسكرياً، يقول لك إنها "قاعدة وظيفية"، وهكذا يستمر في بناء جدران من الكلمات تحمي الأنا العربية من صدمة الحقيقة. إن المسيري في جوهره لم يكن مهتماً بالعدالة أو بحقوق الإنسان، بل كان مهتماً بانتصار "المركزية الإسلامية" بأي ثمن، حتى لو كان الثمن هو الكذب على الذات وتزييف طبيعة الصراع. لقد حول الصراع من مواجهة بين مشروعات قومية وقوى واقعية على الأرض إلى "حرب أيقونات" ونماذج تجريدية، وهو ما يجعل مشروعه يصب في مصلحة الأنظمة القمعية التي تجد في "نظريات المؤامرة" و"الأدوار الوظيفية" مبرراً لبقائها وفشلها في تحقيق أي إنجاز حقيقي لمواطنيها.
في نهاية المطاف، يجب القول إن عبد الوهاب المسيري قد خان الأمانة العلمية حين قرر أن يكون "مبشراً" بدلاً من أن يكون "باحثاً". إن صنم التفكيك الذي عبده أجيال من المثقفين العرب يجب أن يُحطم، لأن استمراره يعني بقاء العقل العربي سجيناً للأكاذيب التي تمنع الإصلاح. إن مواجهة الصهيونية أو أي تحدٍ حضاري لا تبدأ بإنكار قوة الخصم أو تحويله لـ "وظيفة" عابرة، بل تبدأ بالاعتراف بالواقع كما هو، وبقدرة الإنسان على الفعل والابتكار بعيداً عن الغيبيات السياسية والنماذج التفسيرية الخادعة. إن التحرر من سيكوباتية المسيري هو الخطوة الأولى نحو استعادة الوعي بالذات وبالآخر، بعيداً عن مساحيق التجميل التي حاولت إخفاء بشاعة الفشل العربي خلف ستار كثيف من المصطلحات الفلسفية الجوفاء التي لم تفلح إلا في تعميق الهزيمة وجعلها هزيمة فكرية ونفسية شاملة.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire