.
.
إرث الدم والخراب: قراءة في سجل جرائم النظام الإيراني وتصدير الإرهاب
لم يكن قيام النظام القائم في إيران عام ألف وتسعمائة وتسعة وسبعين مجرد تغيير سياسي اعتيادي في تاريخ المنطقة، بل كان إيذاناً ببدء حقبة مظلمة تميزت بتبني إيديولوجيا قائمة على تصدير الثورة، وفرض هيمنة مذهبية متطرفة، واستخدام الإرهاب كأداة رئيسية في السياسة الخارجية والداخلية. لقد تحولت الدولة الإيرانية، بمقدراتها ومؤسساتها، إلى ما يشبه الآلة التي تنتج الخراب وتغذي الصراعات، مما جعل من النظام الإيراني أحد أبرز مسببات عدم الاستقرار في الشرق الأوسط والعالم. إن دراسة سجل جرائم هذا النظام تتطلب نظرة شمولية تغطي ممارساته الوحشية ضد شعبه، وتدخلاته السافرة في شؤون الدول المجاورة، ورعايته المباشرة للمنظمات الإرهابية التي نشرت الموت والدمار في بقاع شتى.
بدأت الجرائم الممنهجة للنظام الإيراني منذ لحظاته الأولى، حيث عمل على ترسيخ سلطته عبر حملات تطهير واسعة النطاق استهدفت رفاق الثورة قبل المعارضين التقليديين. شهدت السنوات الأولى من عمر النظام إعدامات جماعية دون محاكمات عادلة، استهدفت المثقفين، والطلاب، والنساء، وأي صوت يجرؤ على انتقاد نهج الولي الفقيه. لم تقتصر هذه الجرائم على المعارضين السياسيين فحسب، بل امتدت لتشمل الأقليات العرقية والدينية التي تم قمعها بوحشية ومصادرة حقوقها الأساسية. تحولت السجون الإيرانية، وفي مقدمتها سجن إيفين الشهير، إلى مسالخ بشرية، حيث تعرض السجناء لأشد أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، وتفنن النظام في أساليب القمع لضمان خضوع المجتمع وإسكات أي نفس ينادي بالحرية أو الديمقراطية.
أحد أكثر الفصول دموية في تاريخ هذا النظام كان مجزرة السجناء السياسيين في عام ألف وتسعمائة وثمانية وثمانين، حيث صدرت أوامر مباشرة من أعلى المستويات بإعدام آلاف السجناء الذين كانوا يقضون عقوباتهم بالفعل. تم تنفيذ هذه الإعدامات بسرية تامة، ودفن الضحايا في مقابر جماعية لا تزال شواهدها قائمة حتى يومنا هذا، في جريمة ضد الإنسانية لم يحاسب عليها أحد. هذه المجزرة تعكس العقلية الإجرامية للنظام، الذي لا يتردد في إبادة شعبه للحفاظ على كرسيه، وهي ليست حادثة معزولة، بل جزء من نهج مستمر مارسه النظام ضد أي صوت معارض، سواء في الداخل أو عبر اغتيال المعارضين في الخارج.
على الصعيد الخارجي، تبنى النظام الإيراني استراتيجية قائمة على التدخل المباشر في شؤون الدول الأخرى، مستخدماً العقيدة المذهبية كغطاء لطموحاته التوسعية. لقد أنشأ النظام ما يعرف بـ "محور المقاومة"، والذي هو في حقيقته شبكة من الميليشيات الإرهابية التي تعمل كأذرع عسكرية له خارج حدوده. يعتبر الحرس الثوري الإيراني هو العقل المدبر والممول الرئيسي لهذه الشبكة، حيث يقوم بتدريب، وتسليح، وتمويل مجموعات إرهابية في العراق، ولبنان، واليمن، وسوريا. هذه الميليشيات لا تدين بالولاء لأوطانها، بل للمرشد الأعلى في إيران، وتعمل على تقويض سيادة الدول وزعزعة أمنها، مما أدى إلى انهيار مؤسسات الدولة في العديد من هذه المناطق وانتشار الفوضى.
في لبنان، ساهم النظام الإيراني بشكل مباشر في إنشاء ودعم حزب الله، الذي تحول من ميليشيا صغيرة إلى قوة عسكرية تفوق في تسليحها الجيش اللبناني نفسه. استخدم النظام حزب الله كأداة لفرض إرادته على الساحة اللبنانية، وشن حروباً مدمرة جرت البلاد إلى الخراب، بالإضافة إلى تنفيذ عمليات إرهابية دولية. لم يقتصر دور حزب الله على لبنان، بل امتد ليصبح أداة إيرانية للتدخل في سوريا، والعراق، واليمن، حيث شارك في قتل الشعوب العربية دفاعاً عن مصالح النظام الإيراني. إن نموذج حزب الله هو النموذج الأوضح لكيفية تحويل النظام الإيراني لدولة عربية إلى رهينة لمشروعه التوسعي.
أما في العراق، فقد عمل النظام الإيراني بشكل منهجي على إضعاف الدولة العراقية بعد عام ألفين وثلاثة، من خلال دعم ميليشيات طائفية متطرفة مارست القتل والتهجير على أسس مذهبية. هذه الميليشيات، التي تأتمر بأمر الحرس الثوري، عملت على ترسيخ النفوذ الإيراني في مفاصل الدولة العراقية، ونهب خيرات البلاد، وتقويض أي محاولة لبناء دولة وطنية مستقلة. الجرائم التي ارتكبتها هذه الميليشيات بحق الشعب العراقي لا تعد ولا تحصى، من اغتيالات للناشطين والصحفيين، إلى قمع الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالخدمات والحرية، مما جعل العراق يعيش في حالة من عدم الاستقرار المستمر.
وفي سوريا، لعب النظام الإيراني الدور الأكبر في إطالة أمد الحرب الأهلية، حيث تدخل عسكرياً وبشكل مباشر لإنقاذ نظام بشار الأسد. قام الحرس الثوري بنقل آلاف المقاتلين من ميليشياته المختلفة إلى سوريا، وشاركوا في قصف المدن السورية، وارتكاب مجازر مروعة بحق المدنيين العزل. لم يكن هدف إيران في سوريا حماية الشعب، بل الحفاظ على ممر استراتيجي يربطها بحزب الله في لبنان، وضمان بقاء نظام حليف لها، حتى لو كان ذلك على حساب دماء مئات الآلاف من السوريين وتدمير البلاد بالكامل. إن التدخل الإيراني في سوريا يمثل واحداً من أبشع صور الإرهاب الممنهج الذي تمارسه الدول.
أما في اليمن، فقد قدم النظام الإيراني دعماً عسكرياً ومالياً غير محدود لميليشيا الحوثي، التي انقلبت على الشرعية اليمنية ودمرت البلاد. ساهم الدعم الإيراني في تحويل الحوثيين من حركة تمرد محلية إلى قوة قادرة على تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر، وشن هجمات صاروخية وبالطائرات المسيرة على دول الجوار. لقد تسبب التدخل الإيراني في اليمن في كارثة إنسانية هي الأسوأ في العالم، حيث يعاني الشعب اليمني من الجوع والمرض بسبب الحرب التي يغذيها النظام الإيراني، مستخدماً اليمن كساحة لتصفية حساباته الإقليمية.
ولا تقتصر جرائم النظام الإيراني على التدخل العسكري، بل تشمل أيضاً استخدام الإرهاب كأداة دبلوماسية. لقد تورط النظام في عمليات اغتيال وتفجيرات في مختلف أنحاء العالم، استهدفت معارضين سياسيين، ودبلوماسيين، ومنشآت مدنية. سجل إيران في الإرهاب الدولي طويل وحافل، بدءاً من تفجيرات بيروت في الثمانينيات، مروراً بتفجيرات الخبر في السعودية، واغتيالات المعارضين في أوروبا، وصولاً إلى محاولات التفجير التي تم إحباطها في عدة عواصم غربية. إن هذه الممارسات تؤكد أن النظام الإيراني لا يحترم القوانين الدولية أو سيادة الدول، بل يعمل بعقلية عصابات لا تتورع عن استخدام العنف لتحقيق مآربها.
على الصعيد الاقتصادي، قام النظام الإيراني بنهب مقدرات الشعب الإيراني وتوجيهها لتمويل أنشطته الإرهابية وميليشياته في الخارج، بينما يعاني الإيرانيون من الفقر والتضخم المرتفع. بدلاً من الاستثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية، ينفق النظام مليارات الدولارات على الحرس الثوري وبرامجه العسكرية، مما أدى إلى انهيار العملة المحلية وتدهور مستوى المعيشة. هذا النهج يظهر أن النظام لا يهتم برفاهية شعبه، بل يسعى فقط لترسيخ نفوذه الإقليمي من خلال القوة العسكرية والترهيب، مما يجعله نظاماً فاقداً للشرعية الشعبية ويعتمد في بقائه على القمع الداخلي.
إن الإيديولوجيا التي يستند إليها النظام الإيراني، القائمة على مفهوم "ولاية الفقيه"، هي أيديولوجيا إقصائية لا تعترف بالتعددية أو الديمقراطية. هذا الفكر المتطرف يسمح للنظام بتبرير جرائمه تحت غطاء ديني، وتصوير معارضيه كأعداء للدين والإنسانية. إن الجمع بين السلطة الدينية والسياسية في شخص المرشد الأعلى يمنحه سلطة مطلقة، تجعله فوق المساءلة والمحاسبة، مما يفتح الباب على مصراعيه لارتكاب المزيد من الجرائم دون خوف من العقاب. هذا النموذج من الحكم هو نموذج استبدادي بامتياز، لا مكان فيه لحقوق الإنسان أو الحريات الأساسية.
ختاماً، إن سجل جرائم النظام الإيراني هو سجل طويل ومروع، يمتد من القمع الوحشي لشعبه إلى نشر الفوضى والإرهاب في المنطقة والعالم. لم يكن هذا النظام يوماً شريكاً في السلام أو الاستقرار، بل كان دائماً مصدراً للحروب والصراعات. إن استمرار هذا النظام في ممارساته يشكل تهديداً مباشراً للأمن والسلم الدوليين، ويتطلب من المجتمع الدولي اتخاذ مواقف حازمة وموحدة لوقف جرائمه. إن دماء الضحايا في إيران، والعراق، ولبنان، وسوريا، واليمن، تصرخ بضرورة محاسبة هذا النظام، والعمل على إنهاء حقبة الدم والخراب التي فرضها على المنطقة.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire