Translate

وهم الهيمنة الأحادية: تفكيك مفهوم الإمبريالية ونفاق المعايير المزدوجة في العلاقات الدولية (مقال)

.


.
وهم الهيمنة الأحاديّة: تفكيك مفهوم الإمبرياليّة ونفاق المعايير المزدوجة في العلاقات الدوليّة



في أروقة السياسة الدولية المعاصرة، وعلى منابر النقاشات الأيديولوجية، غالباً ما يتم اختزال المشهد المعقد للصراعات العالمية في معادلة تبسيطية تدعي أن "الإمبريالية" هي ممارسة حصرية تقتصر على الولايات المتحدة الأمريكية وحدها. هذا الخطاب، الذي تتبناه تيارات سياسية واسعة، لا سيما تلك المصنفة في خانة اليسار الراديكالي، يحاول تصوير واشنطن ككيان فريد في شذوذه الأخلاقي، كقوة مدفوعة بجشع غير محدود للسيطرة والهيمنة، بينما يتم تصوير الأطراف الأخرى في المعادلة الدولية كضحايا سلبيين أو كقوى تحررية. إن هذا الطرح، عند إخضاعه للتحليل التاريخي والواقعي الدقيق، يكشف عن فجوة هائلة بين الخطاب والشعارات المرفوعة وبين الحقائق الميدانية على الأرض، مما يثير تساؤلات جوهرية حول نزاهة هذا التحليل ومدى اتساقه. إن وصف الإمبريالية بأنها حكر على طرف واحد لا يعدو كونه تلاعباً لغوياً وسياسياً يهدف إلى نزع الشرعية عن دولة بعينها، بينما يتم التغاضي عن ممارسات مماثلة، وأحياناً أكثر وحشية، من قبل قوى أخرى، مما يجسد أسمى صور النفاق السياسي والمعايير المزدوجة.
لإدراك عمق هذا النفاق، يجب علينا العودة إلى أصول المفهوم وتطور استخدامه. إن كلمة "إمبريالية"، المشتقة من الجذور اللاتينية التي تشير إلى السلطة والحكم، تعني في جوهرها سعي الدولة إلى توسيع نفوذها وسيطرتها على أراضٍ أو شعوب أخرى، سواء عبر القوة العسكرية المباشرة أو عبر الهيمنة الاقتصادية والسياسية. لم يكن هذا السلوك يوماً حكراً على حقبة تاريخية معينة أو نظام اقتصادي محدد. ومع ذلك، عملت الأدبيات الماركسية-اللينينية، تحديداً في بدايات القرن العشرين، على إعادة صياغة هذا المصطلح لخدمة أجندة أيديولوجية محددة، حيث تم حصر مفهوم الإمبريالية ليكون سمة حصرياً للدول الرأسمالية في مراحل تطورها العليا. وفقاً لهذا التعريف الضيق والموجه، فإن أي تدخل تقوم به دولة رأسمالية، كالولايات المتحدة، يُصنف تلقائياً كعمل إمبريالي استغلالي، بينما يتم تبرير أي تدخل مشابه من قبل دولة اشتراكية، كالاتحاد السوفيتي، تحت مسميات "الأممية البروليتارية" أو "الدعم الأخوي للشعوب". هذا التلاعب في المصطلحات ليس مجرد خلاف أكاديمي، بل هو أداة سياسية بامتياز تهدف إلى منح شرعية أخلاقية تلقائية لأفعال معينة وتجريم أفعال أخرى، بغض النظر عن الجوهر الفعلي لهذه الأفعال وتأثيرها على الشعوب المظلومة، مما يكشف عن زيف الادعاءات بالنزاهة الأخلاقية.
إذا ألقينا نظرة فاحصة على التاريخ البشري، نجد أن التوسع والهيمنة كانا السمة الغالبة على سلوك معظم القوى العظمى التي شكلت وجه العالم. الإمبراطوريات القديمة، بدءاً من الرومان وصولاً إلى الإمبراطوريات الفارسية والصينية، لم تكن تعرف مفهوماً للأخلاق الدولية كما نفهمه اليوم، بل كانت مدفوعة برغبة في السيطرة على الموارد وتوسيع الرقعة الجغرافية لضمان الأمن والنفوذ. وإذا انتقلنا إلى سياق آخر، نجد أن توسعات الدول الإسلامية في عصورها المختلفة، والتي يصفها البعض بـ "الفتوحات" ويصفها آخرون بـ "الاستعمار"، تتبع نفس المنطق التوسعي، حيث تم فرض نظام سياسي وثقافي وديني جديد على شعوب وثقافات متنوعة، غالباً ما تم ذلك عبر القوة العسكرية. الغريب في الأمر هو التطابق المذهل في الخطاب بين التبريرات الدينية للتوسع وتلك الأيديولوجية الشيوعية؛ فكلاهما يغلف السيطرة والاستغلال بعبارات براقة مثل "التحرير" أو "نشر الحق"، مما يثبت أن السعي وراء القوة هو المحرك الأساسي، وأن الشعارات ما هي إلا غطاء لتبرير الهيمنة.
النموذج الأكثر وضوحاً لتناقضات الخطاب اليساري يكمن في سلوك الاتحاد السوفيتي، الذي يُصور غالباً في الأدبيات اليسارية كمناهض للإمبريالية. في الواقع، لم يكن الاتحاد السوفيتي سوى وارث مباشر للإمبراطورية الروسية القيصرية، حيث حافظ على نفس الرقعة الجغرافية المترامية الأطراف التي تم الاستحواذ عليها عبر قرون من الحروب والاستعمار. لم يمنح الاتحاد السوفيتي، ذو المرجعية الشيوعية التي تدعي تحرير الشعوب، استقلالاً حقيقياً للدول التي ضمتها الإمبراطورية القيصرية، بل قام بإخضاعها بالقوة وفرض عليها نموذجاً سياسياً واقتصادياً مركزياً. وحتى الدول التي حاولت الخروج من هذا القمقم أو تبني نهج مستقل، كالمجر في عام 1956 وتشيكوسلوفاكيا في عام 1968، واجهت البطش العسكري السوفيتي، حيث سحقت الدبابات السوفيتية تطلعات الشعوب نحو الحرية وتقرير المصير. إن تبرير هذه التدخلات بأنها "حماية للاشتراكية" أو "تحرير من الهيمنة الغربية" هو قمة النفاق والغباء، إذ كيف يمكن لدولة أن تدعي تحرير الشعوب بينما هي تحكمهم بالحديد والنار وتمنعهم من اختيار طريقهم الخاص؟ إن هذه الحقائق التاريخية تضرب في صميم الادعاءات اليسارية وتكشف عن سلوك إمبراطوري كلاسيكي لا يختلف في جوهره عن استعمار القوى الغربية.
في واقع العلاقات الدولية، لا تدار الأمور بناءً على الأخلاق أو الشعارات البراقة، بل بناءً على المصالح الوطنية وحسابات القوة. إن جميع الدول، دون استثناء، تسعى لتأمين حدودها، وضمان وصولها للموارد الطبيعية، وتعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي. التدخلات الأمريكية في شؤون الدول الأخرى، وإن اتسمت بالعدوانية في كثير من الأحيان، هي تعبير عن هذه المصالح الوطنية، وتهدف إلى حماية الأمن القومي الأمريكي وضمان هيمنتها في عالم يتسم بالتنافس الشرس. لا يمكن، من منظور واقعي، لوم واشنطن على ممارسة دورها كقوة عظمى في حماية مصالحها، بينما نتغاضى عن محاولات الصين لفرض نفوذها في بحر الصين الجنوبي أو تدخلات روسيا في جوارها المباشر وفي مناطق أخرى. في الواقع، المانع الوحيد الذي يمنع الدول الأخرى من ممارسة نفس السلوك الإمبريالي ليس التفوق الأخلاقي، بل الضعف العسكري أو الاقتصادي. لو توفرت لأي دولة أخرى القدرات التي تمتلكها الولايات المتحدة، لربما مارست نفس الهيمنة، وربما بشكل أكثر فجاجة، مما يؤكد أن الإمبريالية هي سلوك بنيوي للقوة وليس حكراً على أيديولوجية معينة.
إن الحديث عن "مناهضة الإمبريالية" كهدف أخلاقي مطلق لا يعدو كونه أداة دعائية تتبناها الدول الضعيفة لتقييد القوى الأقوى، أو تستخدمها الأطراف السياسية لضرب خصومها. النفاق في هذا الخطاب يتجلى في انتقاد أمريكا على كل صغيرة وكبيرة، بينما يتم غض الطرف عن انتهاكات أخرى مشابهة. إن وصف السلوك السوفيتي في المجر أو أفغانستان بأنه "تحرير" بينما يتم وصف التدخل الأمريكي في فيتنام أو العراق بأنه "إمبريالية" هو قمة الانفصال عن الواقع والتلاعب بالتاريخ. في النهاية، الإمبريالية هي الوجه الآخر للسعي نحو القوة والسيطرة، وهي طبيعة متجذرة في سلوك الدول القوية، والمحاولات الأيديولوجية لتغليفها بمسميات مختلفة لا تغيّر من حقيقتهم شيئاً. إن الاعتراف بهذه الحقائق هو الخطوة الأولى نحو فهم حقيقي لموازين القوى في العالم، بعيداً عن الأكاذيب والشعارات التي لا تخدع إلا الجهلة.


.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...