.
.
عبد الوهاب المسيري، السيكوبات السياسي - المقال الثاني: القومية اللغوية وحماقة تزييف الهويات
يمثل التلاعب بالمفاهيم الأنثروبولوجية والسياسية أحد أبرز الأدوات التي استخدمها عبد الوهاب المسيري ومن لف لفه من منظري العروبة والإسلام السياسي لتمرير مشروع هيمنة ثقافية شاملة، حيث عمد هؤلاء إلى صياغة واحدة من أكبر الأكاذيب الفكرية في التاريخ الحديث، وهي "أكذوبة القومية اللغوية". في هذا السياق، لم يكن المسيري مجرد باحث محايد، بل كان فاعلاً أساسياً في عملية تزييف الهويات الكبرى، حين روج للمقولة السطحية التي تزعم أن "العربي هو كل من تكلم العربية". إن هذه المقولة ليست مجرد خطأ أكاديمي أو تبسيط مخل، بل هي حماقة فكرية متعمدة تهدف إلى إلغاء الوجود البيولوجي والتاريخي والجغرافي للشعوب الأصيلة في المنطقة، وتحويل "اللغة" من أداة للتواصل إلى "عرق زائف" يُستخدم كجسر للعبور نحو استعمار ثقافي يمحو ملامح الحضارات السابقة ويصهرها قسراً في بوتقة المركزية العربية الإسلامية.
إن ادعاء المسيري بأن الهوية العربية هي هوية ثقافية مفتوحة لكل من يتحدث اللسان العربي هو في جوهره نوع من "السيكوباتية السياسية" التي تمارس عنفاً رمزياً ضد الملايين من البشر. فإذا طبقنا هذا المنطق العقيم على خارطة العالم، لوجب علينا اعتبار سكان البرازيل برتغاليين، وسكان السنغال فرنسيين، وسكان الولايات المتحدة إنجليزاً، وهو أمر يرفضه العقل السليم وترفضه تلك الشعوب التي تعتز بتمايزها القومي رغم اشتراكها في لغة المستعمر القديم. لكن المسيري، في سعيه لشيطنة الآخر الصهيوني وتفنيد ادعاءاته القومية، وقع في تناقض أخلاقي ومنطقي صارخ؛ فهو يدين الصهيونية لأنها تحاول إحياء هوية قومية لشتات مبعثر، بينما يمنح نفسه الحق في اختراع "قومية عربية" هلامية تقوم على محو هويات شعوب مستقرة في أرضها منذ آلاف السنين، كالأمازيغ في شمال أفريقيا والقبط في مصر والكورد والسريان والآشوريين في الهلال الخصيب. إن هذا التعريب القسري هو الوجه الآخر للاستعمار الاستيطاني، حيث يتم استبدال وعي الإنسان بأصله وجذوره بوعي "مستعار" يخدم موازين القوى السياسية التي تتبنى الخطاب العروبي.
لقد شرع المسيري لهذا الاستعمار الثقافي من خلال تغليفه بمصطلحات براقة مثل "الانتشار الحضاري" و"النموذج التوحيدي"، معتبراً أن تمدد العرب والمسلمين في هذه الأصقاع كان فعلاً تخليصياً وتنويرياً، بينما يرى في أي محاولة للآخرين للحفاظ على خصوصيتهم الثقافية نوعاً من "التفتيت" أو "الاستعابة المادية". إن هذا النفاق الفكري يتجلى في أبهى صوره حين يندب المسيري ضياع "الهوية الفلسطينية" تحت وطأة العبرنة، بينما يبارك صمت اللسان الأمازيغي واحتضار اللغات القديمة تحت وطأة التعريب. إنه يرى في فرض اللغة العربية على دواوين الدولة في العصور الوسطى انتصاراً للحق، بينما يرى في فرض أي لغة أخرى على أي شعب استلاباً واضطهاداً. هذا التمييز في الأحكام الأخلاقية يكشف أن المسيري لم يكن يهتم بكرامة الإنسان أو حقه في التعبير عن هويته الأصلية، بل كان يعمل كموظف أيديولوجي يسعى لتوسيع "المجال الحيوي" لنموذجه الإسلامي عبر تزييف التاريخ الأنثروبولوجي للمنطقة برمتها.
إن خطورة "أكذوبة القومية اللغوية" تكمن في أنها أفرغت الأوطان من تنوعها الخلاق وحولتها إلى مساحات من التنميط القسري، حيث أصبح المواطن في هذه الدول مطالباً بإنكار دمه وتاريخه لكي يكون "عربياً" مقبولاً في منظومة المسيري. لقد تم استخدام اللغة العربية كأداة قمعية لعزل الشعوب عن تراثها ما قبل الإسلامي، وهو التراث الذي يراه المسيري غالباً "وثنية" أو "مادية" يجب تجاوزها. إن تحويل اللغة إلى عرق هو عملية انتحال كبرى، حيث تم الاستيلاء على منجزات القبط في العمارة والفلك، ومنجزات الفرس في الإدارة والسياسة، ومنجزات السريان في الفلسفة والطب، ثم نُسبت جميعها إلى "العرب" بمجرد أن لغة التدوين أصبحت العربية. المسيري يروج لهذا السطو الثقافي بوصفه "تفاعلاً"، بينما هو في الحقيقة عملية "إبادة ثقافية" ناعمة جعلت الأجيال الحالية تنظر إلى أجدادها العظماء كغرباء أو كأعداء للحضارة التي ينتمون إليها الآن بالتبني القسري.
علاوة على ذلك، فإن هذا التنميط القسري يخدم غاية سياسية واضحة في فكر المسيري، وهي توفير "كتلة بشرية صماء" يمكن تحريكها ضد الغرب والصهيونية تحت شعارات الهوية المشتركة. ولتحقيق هذه الغاية، كان لا بد من تزييف حقيقة أن المنطقة هي فسيفساء من الأعراق واللغات والأديان التي لا يجمعها بالضرورة "العرق العربي". المسيري يتجاهل أن الصراع الحقيقي في المنطقة ليس دائماً مع "الخارج"، بل هو صراع داخلي سببه إنكار الحقوق القومية للأقليات (التي هي شعوب أصيلة). إن هروبه إلى الأمام عبر تعريف "العربي باللسان" هو محاولة لتسكين آلام التمزق الوطني في دول مثل العراق وسوريا والسودان، وهي الدول التي تفجرت فيها الدماء لأن المنطق العروبي الإقصائي رفض الاعتراف بغير "العروبة" هويةً. المسيري هنا يمارس دور "المسكن الفكري" الذي يمنع الجراحة الضرورية للاعتراف بالتعددية، مفضلاً البقاء في وهم "الأمة الواحدة" التي لا توجد إلا في كتبه وفي خيال القوميين المتطرفين.
إن الحقيقة التي يخشاها المسيري هي أن القومية العربية بشكلها الحالي هي مشروع "حديث" تماماً مثل الصهيونية، وأنها قامت على أنقاض هويات حية تم قمعها عسكرياً وثقافياً لقرون. الحديث عن "الفتح" كفعل حضاري يغفل المآسي التي تعرضت لها الشعوب الأصيلة، ويغفل أن اللغة العربية لم تنتشر بالحب والاقتناع وحدهما، بل بكونها لغة "السلطة والمال والجزية". المسيري يرفض محاكمة هذا التاريخ بنفس المشرط الذي يحاكم به الغرب، مما يثبت أنه "سيكوبات سياسي" يمتلك مكيالين للعدالة. إن استمرار التمسك بحماقة القومية اللغوية هو الذي يجعل شعوب المنطقة تعيش في حالة انفصام، حيث تنتمي وجدانياً لتاريخ لا يخصها، وتتنكر لتاريخ يصرخ في عروقها. التحرر الحقيقي يبدأ بتمزيق هذا القناع اللغوي والعودة للاعتراف بأن الأرض كانت وستبقى ملكاً لمن يعيش عليها بهويته الحقيقية، لا بمن يتحدث لغة غازيها القديم ويدعي أنها أصله وفصله.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire