.
.
من بوينس آيرس إلى بيروت: وحدة العمليات الخارجية واستراتيجية القتل العابر للقارات
يرسم المسار الدموي الذي خطه حزب الله منذ نشأته في أوائل الثمانينيات لوحة معقدة لمنظمة لم تكن يوماً مجرد حركة مقاومة محلية، بل هي ذراع ضاربة لاستراتيجية إيرانية كونية تستخدم الإرهاب أداةً دبلوماسية قسرية. إن الربط الاستقصائي بين التفجيرات التي هزت العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس في التسعينيات، وبين الاغتيالات السياسية التي قطعت أنفاس بيروت، وصولاً إلى الخلايا النائمة في أوروبا وأفريقيا، يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أننا لسنا أمام حوادث معزولة أو ردود فعل عفوية، بل نحن أمام "وحدة عمليات خارجية" محترفة تعمل وفق عقيدة الدولة الإرهابية المافيوية. هذه الوحدة، التي عُرفت طويلاً بالاسم الحركي "الوحدة 910"، تمثل المخلب الذي يبطش بكل من يعترض المشروع الإيراني، محولةً العالم إلى ساحة تصفية حسابات كبرى لا تعترف بسيادة الدول ولا بحرمة الدماء، حيث تندمج العقيدة الدينية بالخبرة المافيوية لتشكيل أخطر منظومة إجرامية عابرة للحدود في العصر الحديث.
تبدأ جذور هذه الاستراتيجية من القناعة الإيرانية بأن "تصدير الثورة" يتطلب هدم النظام الدولي القائم وتخويف المعارضين عبر عمليات "جراحية" بعيدة المدى. وكان حزب الله هو النموذج المثالي لتنفيذ هذه المهمات، حيث منح طهران ميزة "الإنكار المعقول" لسنوات طويلة. في الثامن عشر من تموز عام ألف وتسعمائة وأربعة وتسعين، وقع انفجار المركز اليهودي "آميا" في بوينس آيرس، والذي أسفر عن مقتل خمسة وثمانين شخصاً، ليأتي كحلقة ثانية بعد تفجير السفارة الإسرائيلية في المدينة نفسها عام ألف وتسعمائة واثنين وتسعين. إن التحقيقات الدولية المعمقة في هذه الجرائم كشفت عن شبكة لوجستية هائلة تمتد من المثلث الحدودي في أمريكا اللاتينية إلى مراكز القرار في بيروت وطهران. لم يكن المنفذون مجرد أفراد غاضبين، بل كانوا كوادر مدربين في "وحدة العمليات الخارجية" التي كانت تأخذ أوامرها مباشرة من عماد مغنية، بالتنسيق الكامل مع الملحقين الثقافيين والأمنيين في السفارات الإيرانية، مما يؤكد أن الإرهاب هنا هو سياسة دولة وليس سلوك جماعة.
إن الانتقال من بوينس آيرس إلى بيروت يكشف عن وحدة "العقل المدبر" ووحدة الهدف، فالاغتيالات التي طالت الرموز الوطنية اللبنانية، وعلى رأسهم رفيق الحريري في الرابع عشر من شباط عام ألفين وخمسة، كانت تدار بذات العقلية التي أدارت تفجيرات الأرجنتين. فالمحكمة الدولية الخاصة بلبنان، عبر تتبعها لشبكات الاتصالات، أثبتت أن المجموعة المنفذة تنتمي إلى النخبة الأمنية في حزب الله، وهي ذاتها المجموعات التي تتحرك في الخارج لتنفيذ أجندات الولي الفقيه. إن تصفية الحريري لم تكن جريمة لبنانية داخلية، بل كانت عملية "خارجية" بالمعنى الاستراتيجي، لأنها استهدفت إزاحة مشروع عربي ودولي كان يهدد بقطع الطريق على الهيمنة الإيرانية في المشرق. هنا تتجلى طبيعة "الدولة المافيوية"، حيث يُستخدم القتل لإعادة رسم الخرائط السياسية، وحيث تصبح المتفجرات هي اللغة الوحيدة التي يتقنها الوكيل الإيراني للحوار مع العالم.
علاوة على ذلك، فإن سجل هذه الوحدة الخارجية يمتد ليشمل محاولات اغتيال وتفجير في قارات مختلفة، من بانكوك إلى قبرص، ومن بلغاريا إلى نيجيريا. ففي تموز عام ألفين واثني عشر، وقع تفجير حافلة السياح في مدينة بورغاس البلغارية، والذي أثبتت التحقيقات الأوروبية وقوف حزب الله خلفه. هذا الحادث لم يكن إلا تذكيراً بأن الوحدة 910 لا تزال تعمل بذات الكفاءة الإجرامية التي بدأت بها في الثمانينيات. إن استخدام الحزب للجاليات اللبنانية أو اختراق الشبكات التجارية لتوفير الغطاء اللوجستي لعملياته هو سلوك مافيوي كلاسيكي، حيث يتم توظيف التجارة المشروعة (والتجارية غير المشروعة كالمخدرات وتبييض الأموال) لتمويل وتغطية العمليات الإرهابية. هذا الاندماج بين النشاط الجرمي والنشاط الأيديولوجي يجعل من الصعب التعامل مع الحزب ككيان سياسي، بل كمنظمة إجرامية دولية تستخدم الدين قناعاً لجرائمها.
إن الربط بين هذه العمليات يكشف عن استراتيجية "الردع بالرعب" التي تعتمدها إيران. فكلما ضاقت الضغوط الدولية على طهران، تحركت "وحدة العمليات الخارجية" لضرب أهداف مدنية في دول بعيدة لإرسال رسالة مفادها أن "أيدينا طويلة وقادرة على الوصول إليكم". هذا النوع من الإرهاب هو استعمار غير مباشر، حيث تصبح سيادة الدول رهينة لقرارات تُتخذ في دهاليز الأمن الإيراني. إن القتل لم يعد غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لابتزاز المجتمع الدولي وانتزاع تنازلات في ملفات سياسية أو نووية. ومن هنا، فإن كل من يعترض المشروع الإيراني، سواء كان مفكراً في بيروت أو دبلوماسياً في واشنطن أو تاجراً في أفريقيا، يصبح هدفاً محتملاً لهذه الماكينة التي لا تتوقف عن الدوران.
تتجلى "المافياوية" في أوضح صورها من خلال الطريقة التي يحمي بها الحزب مدبريه ومنفذيه. فمصطفى بدر الدين، وسليم عياش، وغيرهم من الأسماء التي وردت في التحقيقات الدولية، لم يجدوا من الحزب سوى التمجيد والحماية المطلقة. إن رفض تسليم المتهمين للعدالة الدولية هو اعتراف صريح بأن هؤلاء "موظفون" رسميون أدوا مهماتهم بنجاح وفقاً للتكليف الشرعي. هذا السلوك يضع الحزب والدولة التي ترعاه خارج إطار القانون الدولي، ويحولهما إلى كيان متمرد يعتاش على دماء الأبرياء. إن الإرهاب الذي يمارسه الحزب في الخارج هو الوجه الآخر للقمع الذي يمارسه في الداخل؛ فالمسدس الذي اغتال سمير قصير وجبران تويني في بيروت هو نفس العقل الذي فجر السفارات في الخارج، والهدف دائماً هو إسكات أي صوت ينادي بالحرية أو يرفض التبعية للفقيه.
إن السجل التاريخي الحافل بالدم يثبت أن "وحدة العمليات الخارجية" هي جزء لا يتجزأ من البنية الهيكلية للحزب، وليست فرعاً منشقاً أو حالة طارئة. فمنذ تفجيرات الكويت في الثمانينيات، واختطاف الطائرات، وصولاً إلى الخلايا المكتشفة مؤخراً في ألمانيا والبرازيل، نجد أن التكتيكات تتشابه والأهداف تتقاطع. يتم اختيار العناصر بعناية فائقة، وغالباً ما يحملون جنسيات مزدوجة لتسهيل حركتهم، ويتم تدريبهم في معسكرات خاصة بإشراف الحرس الثوري الإيراني. هذا المستوى من الاحترافية يؤكد أننا أمام "إرهاب مؤسساتي" تديره دولة تمتلك كل مقومات التكنولوجيا والمال، مما يجعل خطره مضاعفاً مقارنة بالتنظيمات الإرهابية الأخرى التي تفتقر لهذا النوع من الرعاية الدولية.
بالإضافة إلى ذلك، فإن "وحدة العمليات الخارجية" تلعب دوراً حيوياً في تأمين الموارد المالية للحزب عبر الانخراط في تجارة الكوكايين وغسيل الأموال في مناطق المثلث الحدودي بأمريكا اللاتينية وغرب أفريقيا. إن الأموال الناتجة عن هذه الأنشطة المافيوية تُستخدم لتمويل العمليات الإرهابية وشراء الذمم السياسية في دول عدة. هذا "الزواج الكاثوليكي" بين الإرهاب والجريمة المنظمة هو الذي يمنح الحزب قوته وصلابته أمام الضغوط، وهو الذي يجعله قادراً على النجاة رغم كل العقوبات. فالتنظيم لا يعتمد على التبرعات، بل على "إمبراطورية اقتصادية سوداء" تدار بعقلية العصابات الدولية، مما يحول الساحة اللبنانية والعربية إلى مجرد واجهة لعمليات أوسع وأخطر بكثير مما يظهر على السطح.
إن الدرس المستفاد من تتبع مسار العمليات من بوينس آيرس إلى بيروت هو أن التهاون مع هذا التنظيم تحت مسميات سياسية هو خطأ استراتيجي فادح. فالحزب لا يفرق بين العمل السياسي والعمل الإرهابي؛ كلاهما يخدم ذات الغاية التوسعية الإيرانية. إن العالم مطالب اليوم بالتعامل مع حزب الله كمنظمة إجرامية إرهابية شاملة، وفهم أن "وحدة العمليات الخارجية" ليست مجرد جهاز أمني، بل هي قلب المشروع الإيراني النابض بالقتل. إن مواجهة هذا المشروع تتطلب تكاتفاً دولياً لتجفيف منابع التمويل المافيوية، وملاحقة الكوادر الأمنية في كل مكان، والتأكيد على أن دماء الضحايا في الأرجنتين ولبنان وبلغاريا لن تذهب سدى.
في الختام، إن استراتيجية الاغتيال الممنهج التي يتبعها الحزب وأذرعه الخارجية هي دليل ضعف وليس دليل قوة؛ فهي تعبير عن العجز عن الإقناع الفكري أو السياسي، واللجوء إلى القوة الغاشمة لفرض إرادة الولي الفقيه. إن "وحدة العمليات الخارجية" ستبقى وصمة عار في تاريخ هذا التنظيم، وشاهداً على تحول "المقاومة" المزعومة إلى "مافيا" إرهابية تقتل بدم بارد خدمةً لأطماع إمبراطورية زائلة. إن الربط بين الوقائع التاريخية يثبت أن العدو الحقيقي لاستقرار لبنان والعالم هو هذا الهيكل الإجرامي الذي ينطلق من بيروت ليصل إلى أقاصي الأرض، حاملاً معه الموت والدمار، ومستبدلاً لغة الحضارة بلغة المتفجرات والاغتيال. إن نهاية هذا المسار الدموي لن تكون إلا بسقوط "الدولة الإرهابية" التي ترعاه، واستعادة الشعوب لسيادتها وقرارها الحر بعيداً عن تهديد السلاح وكاتم الصوت ووحدات القتل العابرة للحدود.
.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire