Translate

أمل الخليل: الإرهاب تحت غطاء الصحافة (مقال)

.


.
أمل الخليل: الإرهاب تحت غطاء الصحافة




تعد ظاهرة اختراق الجماعات الإرهابية للمؤسسات المدنية والمهن الإنسانية واحدة من أخطر التحديات التي تواجه النزاعات الحديثة، حيث لم يعد الإرهاب يكتفي بالمواجهة العسكرية المباشرة، بل عمد إلى تطويق نفسه بهالة من القداسة المهنية المزيفة لحماية عناصره وضمان استمرارية نشاطه الاستخباراتي واللوجستي. إن قضية أمل الخليل، التي قُتلت في جنوب لبنان، لا يمكن قراءتها بمعزل عن هذا السياق الممنهج الذي تتبعه ميليشيات حزب الله في لبنان وحركة حماس في قطاع غزة، إذ يتم توظيف بطاقة الصحافة أو المئزر الطبي كدروع بشرية وقانونية لتمرير أجندات تدميرية. إن أمل الخليل لم تكن مجرد عابرة سبيل في منطقة نزاع، بل كانت جزءاً حيوياً من ماكينة إعلامية وعسكرية متكاملة، حيث كشفت الوقائع الميدانية والتحذيرات المتكررة من قبل جيش الدفاع الإسرائيلي أن التواجد في تلك المناطق المحظورة، وتحديداً في نقاط التماس التي يسيطر عليها حزب الله عسكرياً، لا يمكن أن يكون عفوياً أو لمجرد نقل الخبر، بل هو مهمة استطلاعية بامتياز تهدف إلى نقل إحداثيات وتصوير مواقع عسكرية حساسة تحت غطاء الكاميرا والميكروفون.
إن العقلية التي تدير هذه العمليات في جنوب لبنان هي ذاتها التي نراها في غزة، حيث تحولت المستشفيات والمدارس ومكاتب الإعلام إلى غرف عمليات ومخازن للأسلحة ومنصات لإطلاق الصواريخ. هذا النهج يعكس استخفافاً عميقاً بقيمة الحياة البشرية، حيث تُستغل الحصانة التي يمنحها القانون الدولي للصحفيين والأطباء لتحويلهم إلى أدوات تجسس أو ناقلي رسائل ميدانية. أمل الخليل، من خلال نشاطها المكثف ومنشوراتها التي ضجت بخطاب الكاهية والتحريض والتخوين، لم تكن تمارس دوراً تنويرياً أو إخبارياً، بل كانت تكرس الفكر الراديكالي الذي يمجد الموت ويستدعي خرافة الاستشهاد لتبرير الانتحار السياسي والعسكري. إن هذه الأيديولوجيات الموروثة التي تحاول إضفاء صبغة "القداسة" على من ينخرطون في أعمال معادية للدولة أو يشاركون في تيسير مهام الميليشيات، ليست إلا غطاءً زائفاً لإخفاء حقيقة النشاط الإرهابي الذي يضع المدنيين في فوهة المدفع لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة.
عندما دخلت أمل الخليل مع رفاقها إلى المناطق الحدودية التي أعلنها الجيش الإسرائيلي منطقة عمليات عسكرية محظورة، كانت تدرك تماماً القواعد الميدانية، لكن الرهان كان دائماً على استغلال الصفة الصحفية لانتزاع حصانة لا يستحقها من يشارك في الاستطلاع الحربي. إن رصد المواقع ونقل الإحداثيات ليس عملاً صحفياً، بل هو عمل استخباري صرف يضع صاحبه في خانة الهدف العسكري المشروع وفقاً لضرورات الميدان. وبالمثل، نجد في غزة كيف تم الكشف عن صحفيين يعملون بشكل مباشر مع حركة حماس، بل ويشاركون في احتجاز رهائن أو إدارة مخازن سلاح، مستغلين تصاريح العمل الدولية للتحرك بحرية. إن هذا التماهي بين الإرهاب والعمل المدني يلوث المهن الشريفة ويجعل من الصعب التمييز بين المهني الحقيقي وبين العميل الميداني، وهو ما تسعى إليه هذه التنظيمات لتعقيد مهام الجيوش النظامية وإثارة الرأي العام الدولي عبر المتاجرة بدماء هؤلاء عند مقتلهم.
إن البناء الهيكلي لميليشيات مثل حزب الله وحماس يعتمد بشكل أساسي على "المدني المحارب"، وهو الشخص الذي يعيش وسط الناس، يمارس مهنة عادية نهاراً، ويقوم بمهام لوجستية أو استخباراتية ليلاً. أمل الخليل كانت نموذجاً لهذا التوظيف، حيث استُخدمت خلفيتها الإعلامية لشرعنة وجودها في مناطق حساسة، بينما كانت أجندتها الحقيقية تخدم التوسع الإيراني في المنطقة عبر ذراعه اللبناني. إن الصمت عن هذا الاختراق للمهن المدنية يمنح الإرهابيين فرصة ذهبية للاستمرار في عملياتهم التجسسية، ولذلك فإن كشف حقيقة أمل الخليل وأمثالها يعد ضرورة أمنية وأخلاقية لحماية مفهوم الصحافة الحقيقي من الدنس الذي لحق به جراء هذه الممارسات. إن الإصرار على وصفها بـ "الشهيدة" هو جزء من المكنة الدعائية التي تحاول غسل الأدمغة وتحويل الإرهابي إلى ضحية، متجاهلة حقيقة أن من يختار التواجد في قلب معركة عسكرية لتقديم الدعم الفني أو الاستخباراتي لمجموعة مصنفة إرهابياً، قد اختار مصيره بيده ولا يمكنه التلطي خلف ميثاق الشرف الصحفي الذي انتهكه بفعله وتوجهه.





.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...