Translate

ضياء العوضي: حين يحمل الحمار شهادة دكتوراه (مقال)

.


.
ضياء العوضي: حين يحمل الحمار شهادة دكتوراه



تمثل ظاهرة ضياء العوضي ونظريته المسماة بالطيبات تجسيداً صارخاً للأزمة المعرفية التي تعيشها المجتمعات الناطقة بالعربية، حيث لم تعد المشكلة تكمن في نقص المعلومات، بل في فساد المنهج العقلي الذي يتم من خلاله معالجة تلك المعلومات. إن حمل لقب دكتور ليس في حقيقته إلا دليلاً على إتمام مرحلة دراسية معينة، لكنه لا يمنح صاحبه بالضرورة حصانة ضد الحماقة أو دناءة الغرض، خاصة عندما يتم توظيف هذا اللقب لتمرير خرافات تضرب عرض الحائط بكل ما أنجزه العقل البشري في مجال الطب والبيولوجيا. إن القول بأن الحمار قد يحمل شهادة دكتوراه ليس مجرد شتيمة عابرة، بل هو وصف دقيق للحالة التي يتم فيها نقل المعلومات بآلية صماء دون وعي بجوهر المنهج العلمي أو احترام لشروطه الصارمة، فالعلم ليس رداءً يرتديه المرء ليعطي شرعية لأوهامه، بل هو التزام أخلاقي ومعرفي بآليات التحقق والتفنيد والتجربة السريرية المنضبطة التي غابت تماماً عن طرح العوضي.
تستند خرافات ضياء العوضي إلى قاعدة هشة تسمى في فلسفة العلم بالدليل القصصي أو التجربة الشخصية، وهي أدنى درجات الاستدلال التي لا يعتد بها في أي مختبر أو جامعة تحترم نفسها. يدعي العوضي أن منعه لبعض الأطعمة الأساسية كالبقوليات والطماطم قد شفى حالات مرضية، وهو ادعاء يفتقر إلى أبسط قواعد الضبط الإحصائي أو عزل المتغيرات. إن العلم الحقيقي لا يعترف بكلمة قيل لي أو جربت فنجحت، لأن التجربة الفردية قد تكون واقعة تحت تأثير الخداع النفسي أو ما يعرف بالأثر الوهمي، أو قد تكون محض كذب وتدليس لتحقيق شهرة زائفة. فالإنسان الذي يدعي شفاء مريض بالسرطان عبر نظام غذائي دون تقديم دراسة موثقة خضعت لمراجعة الأقران، هو شخص لا يختلف في جوهره عن مدعي النبوة والدجل عبر التاريخ الذين اعتمدوا على الكاريزما الشخصية واللعب على أوتار اليأس لدى المرضى، مستغلين جهل الجماهير بآليات عمل الجسد البشري وتعقيداته البيوكيميائية.
إن هذا التهافت في أفكار العوضي يتقاطع بشكل عضوي مع منظومة أكبر من الدجل المعاصر تتمثل في خرافات الإعجاز العلمي والطب النبوي. لقد أفسد خلط الدين بالعلم عقول الملايين، حيث تم إيهام الناس بأن النصوص الدينية القديمة تحتوي على شيفرات طبية تغني عن البحث العلمي الحديث. وعندما يأتي شخص مثل العوضي مستخدماً لغة توحي بالتدين أو تتقاطع مع مفاهيم الطهارة والنجاسة في الغذاء (تحت مسمى الطيبات)، فإنه يجد أرضاً خصبة في عقول تم برمجتها على تقديس الماضي واحتقار المنجز الغربي المعاصر. إن الطب النبوي كما يروج له اليوم هو عملية استثمار في التخلف، حيث يتم تحويل ممارسات كانت مرتبطة ببيئة بدائية إلى حقائق مطلقة، مما يخلق انفصاماً معرفياً لدى الفرد الذي يستخدم أحدث التقنيات الغربية وفي الوقت ذاته يؤمن بأن شفاءه يكمن في حبة سوداء أو بول إبل أو نظام غذائي اعتباطي يمنع الخضروات المفيدة بدعوى أنها سموم.
تعاني الشعوب الناطقة بالعربية من ضعف ثقافي عام يتجاوز مجرد الأمية الأبجدية ليصل إلى الأمية المنطقية. هذا الضعف هو الذي يجعل الجماهير تنساق وراء الكذبة والمنافقين الذين يتقنون فن الخطابة والتلاعب بالعواطف. إن الانسياق وراء ضياء العوضي وأمثاله ليس إلا عرضاً لمرض أعمق، وهو غياب التفكير النقدي في المنظومات التعليمية والاجتماعية. لقد تحولت هذه المجتمعات إلى بيئات موبوءة بالدين المسيس الذي يتدخل في كل شاردة وواردة، مما جعل العلم في أذهان الناس مجرد خادم للنص الديني وليس حكماً مستقلاً. فعندما يخرج طبيب ليقول كلاماً يعارض البديهيات العلمية، وبدلاً من أن يُحاكم بمنطق العلم، يتم الدفاع عنه بمنطق الهوية أو المحاربة من قبل قوى خارجية، فإننا أمام انهيار كامل للمنظومة العقلية التي تميز بين الحقيقة والخرافة.
إن العلم الحقيقي يضع شروطاً صارمة ل قبول أي فرضية، منها القابلية للتفنيد والقدرة على إعادة التجربة والحصول على النتائج ذاتها في ظروف مختلفة. أما أفكار العوضي فهي أفكار مغلقة، تقوم على اليقين الزائف وتخاطب الغرائز لا العقول. إن منع الناس من تناول البقوليات التي تمثل مصدراً أساسياً للبروتين لملايين الفقراء، بدعوى أنها تسبب التهاب الأمعاء دون تقديم دليل مخبري واحد، هو عمل يتجاوز الجهل ليصل إلى مرتبة الجريمة الاجتماعية. ومع ذلك، نجد أن منصات التواصل الاجتماعي قد منحت هؤلاء الفاشلين منبراً لتسميم عقول الناس، حيث يصبح عدد المشاهدات هو معيار الحقيقة وليس دقة المعلومة. إن دقرطة الجهل عبر الإنترنت جعلت من صوت الطبيب الحمار مسموعاً أكثر من صوت الباحث الرصين، لأن الأول يقدم حلولاً سحرية وسهلة بينما يقدم الثاني حقائق معقدة تتطلب جهداً لفهمها.
ختاماً، إن موت ضياء العوضي أو غيابه لن ينهي الأزمة، لأن العلة تكمن في البنية الفكرية للمجتمعات التي أنتجته واحتفت به. طالما بقيت هذه المجتمعات تقدس الخرافة وتخلط بين المقدس والعلمي، وطالما ظل التعليم يلقن المعلومات دون منهجية النقد، فسيظل هناك ألف ضياء عوضي جديد. إن التحول نحو الحداثة الحقيقية يتطلب شجاعة في مواجهة الذات والاعتراف بأن الكثير مما نعتبره ثوابت ليس إلا أساطير معرقلة للتقدم. إن العلم هو السبيل الوحيد للنجاة، وهو علم لا يحابي أحداً ولا يعترف بالشهادات الورقية المعلقة على الجدران إذا كانت تستر خلفها عقلاً لم يتحرر من قيود الانحطاط والرجعية الدينية التي تقتات على أجساد المرضى وعقول البسطاء. إن المعركة الحقيقية اليوم هي معركة العقل ضد النقل، ومعركة المنهج العلمي الصارم ضد الدجل المقنع برداء الطب والدين.




.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...