Translate

إعادة بناء الوعي: تفكيك نفاق مصطلحات "العمالة" و"العميل" في الكيان اللبناني المخطوف (مقال)

.


.
إعادة بناء الوعي: تفكيك نفاق مصطلحات "العمالة" و"العميل" في الكيان اللبناني المخطوف




تمثل اللغة في الصراعات الوجودية المرآة التي تعكس حجم التزييف الأيديولوجي الذي تمارسه القوى المهيمنة، وفي الحالة اللبنانية المعاصرة، تحولت مفاهيم "العمالة" و"العميل" من توصيفات قانونية ووطنية صارمة إلى أدوات قمعية تُستخدم لترهيب الخصوم وتمرير أجندات استعمارية عابرة للحدود. إن ما يشهده لبنان اليوم هو "مهزلة دلالية" كبرى، حيث يخرج حسن نصر الله، الذي يلقبه الكثيرون بـ "حسن زميرة" تعبيراً عن سقوط هيبته الصوتية وفشل تهديداته الجوفاء، ليعلن بملء فيه وبكل فخر أن ميزانية حزبه وسلاحه وأكله وشربه وقراراته تأتي من الجمهورية الإسلامية في إيران، وأنه مجرد جندي في "جيش الولي الفقيه" يأتمر بأمر مرشد غريب ويدافع عن حدود إمبراطورية فارسية. ومع ذلك، وبكل وقاحة أيديولوجية، يجرؤ هذا الشخص وأتباعه على وصم كل من يعارض مشروعهم بالعمالة لإسرائيل أو أمريكا. إن هذا التناقض الصارخ لا يعكس فقط خللاً في التفكير، بل يمثل جريمة "تزييف وعي" جماعية تهدف إلى جعل "التبعية المطلقة" للخارج الإيراني عملاً بطولياً، بينما يُعتبر التمسك بالسيادة الوطنية والدستور اللبناني خيانة عظمى وعمالة للعدو.
إن ضبط مفهوم "العمالة" يتطلب العودة إلى الثوابت الوطنية التي تمنح الدولة وحدها حق احتكار السلاح وقرار الحرب والسلم. فالعميل في التعريف القانوني والسياسي الرصين هو كل فرد أو تنظيم يضع إمكانياته وقراره تحت تصرف دولة أجنبية ضد مصلحة بلده الأم وسلطاتها الشرعية. وبناءً على هذا التعريف، فإن الاعتراف العلني والافتخار بالتبعية للولي الفقيه الإيراني هو "النموذج الأكمل للعمالة"، لأنه يسقط صفة "الوطنية" عن التنظيم ويحوله إلى "لواء عسكري" يتبع الحرس الثوري الإيراني. إن الفارق الوحيد الذي يحاول الحزب تسويقه هو أن عمالته "مقدسة" لأنها موجهة ضد إسرائيل، ولكن الحقيقة الميدانية تثبت أن هذا السلاح لم يُستخدم إلا لتثبيت الهيمنة الإيرانية في بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء، مما يجعل من شعار "المقاومة" مجرد ستار دخاني لتبرير الارتهان الكامل لمشاريع طهران التوسعية التي لم تجلب للبنان سوى الخراب والانهيار والتبعية المذلة.
من هنا تنبع "المهزلة" التي يعيشها لبنان؛ حيث يتم تقسيم المواطنين إلى فئتين: فئة "العملاء الشرفاء" الذين يتبعون إيران ويتقاضون الرواتب بالدولار من خزانة الفقيه، وفئة "الخونة" الذين يطالبون بتطبيق الدستور وتحييد لبنان عن صراعات المحاور. إن هذا التباين المنافق في استخدام المصطلح هو نتاج عملية "غسل دماغ" ممنهجة تعرضت لها البيئة الحاضنة للحزب، حيث تم إقناعهم بأن الارتهان لإيران هو فعل إيماني، بينما التعامل مع المجتمع الدولي هو كفر بالوطن. إن هذا المنطق المعكوس هو الذي سمح لـ "حسن زميرة" أن يرفع إصبعه مهدداً اللبنانيين بالخيانة، في حين أنه هو نفسه من صادر سيادة بلده وقدمها قرباناً على مذبح المصالح الإيرانية. إن العمالة لا تتجزأ، ومن يقبل بأن يكون "برغياً" في آلة عسكرية أجنبية ليس له أي حق أخلاقي أو وطني في توزيع شهادات الوطنية على الآخرين، بل هو أول من يجب أن يُحاكم بتهمة الارتهان للخارج وتقويض أركان الدولة.
لقد استطاع الحزب عبر سنوات من التضليل الإعلامي والتربوي أن يخلق "لغة موازية" تلغي المعنى الحقيقي للسيادة. فعندما يرسل الحزب شبابه ليموتوا في سوريا دفاعاً عن نظام دكتاتوري يخدم إيران، فإنه يسمي ذلك "واجباً جهادياً"، بينما هو في الحقيقة "ارتزاق عقائدي" عابر للحدود. وعندما يسيطر على مطار بيروت ومرفئها ويحولها إلى معابر لتهريب السلاح والكبتاغون، فإنه يسمي ذلك "حماية لظهر المقاومة"، بينما هو في الواقع "احتلال ميليشياوي" لمرافق الدولة. هذا النفاق في المصطلحات هو الذي أدى إلى تدمير مفهوم "المواطنة" في لبنان؛ فالمواطن في عرف الحزب هو من يسبح بحمد الولي الفقيه، وكل من يخرج عن هذا الخط هو عميل محتمل. إنها استراتيجية "الإرهاب الفكري" التي تسعى لإسكات كل صوت عقلاني يحاول كشف الحقة المرة: وهي أن لبنان بات مستعمرة إيرانية تدار بواسطة وكلاء محليين يرتدون بزات حزبية لبنانية ولكن بقلوب وعقول فارسية تماماً.
إن التبجح بالتبعية لإيران ليس مجرد اعتراف سياسي، بل هو إعلان عن نهاية "الكيان اللبناني" في وعي هؤلاء التابعين. فالولاء للفقيه يتجاوز حدود الجغرافيا والقانون، مما يجعل "العميل الإيراني" يرى في دمار بيروت ثمناً بسيطاً لانتصار مشروع طهران النووي أو الإقليمي. هذه هي القمة في نكران الجميل للوطن، وهي التي تجعل من اتهاماتهم للآخرين بالعمالة لإسرائيل مجرد "إسقاط نفسي" يهدف لتغطية حجم ارتهانهم هم للخارج. إن اللبناني الذي يطالب بعلاقات طبيعية مع العالم وبدولة قوية لا يمكن وصفه بالعميل، بينما من يعطل انتخاب رئيس للجمهورية ومن يفجر القضاء اللبناني حماية لمجرمين ومن يهرب الأموال إلى الخارج الإيراني هو العميل الحقيقي الذي ينخر في جسد الأمة. لقد سقط القناع عن "حسن زميرة" وأتباعه، ولم يعد خطاب "التخوين" ينطلي على الشعوب الناطقة بالعربية التي رأت في "سبعة أكتوبر" وما تلاها كيف أن هذا المحور يتاجر بالدماء وبالقضايا لتحقيق مآرب إمبراطورية لا صلة لها بالحرية أو الكرامة.
إن تصحيح مفهوم "العمالة" يبدأ من التأكيد على أن أي ولاء خارج حدود الدولة هو عمالة، سواء كان لإيران أو لغيرها. ولكن الخصوصية الإيرانية في لبنان تكمن في أنها "استعمار استيطاني عقائدي" يستخدم الدين أداة للاستعباد. فالإيرانيون لا يتدخلون في لبنان كدولة صديقة، بل كمستعمر يفرض ثقافته وسياسته واقتصاده الموازي. والذين يفتخرون بهذه التبعية هم في الواقع "وكلاء استعمار" وليسوا مقاومين. إن السخرية والاستهزاء اللذين يواجه بهما أطياف واسعة من اللبنانيين والعرب سرديات الحزب اليوم هي دليل على انكسار "جدار القداسة" الزائف؛ فالنكتة التي تستهدف "جرذان المقاومة" وسردياتهم المتخلفة هي سلاح الوعي ضد التضليل. لقد أصبح مفهوماً للجميع أن "المقاومة" التي تدعي محاربة إسرائيل لم تقتل من الإسرائيليين عُشر ما قتلته من السوريين واللبنانيين، مما يثبت أن بوصلتها كانت دائماً تشير نحو طهران وليس نحو القدس.
علاوة على ذلك، فإن نفاق الحزب يتجلى في تعامله مع "العملاء الفعليين" لإسرائيل داخل صفوفه؛ حيث يتم التستر عليهم أو تصفيتهم بصمت، بينما تُقام المحاكم العرفية والإعلامية للمثقفين والأحرار الذين يرفضون الهيمنة الإيرانية. إن هذا "المعيار المزدوج" يثبت أن تهمة العمالة هي تهمة سياسية جاهزة لضرب المعارضة وليست حرصاً على الأمن القومي. فالحزب الذي اخترقته إسرائيل في أجهزة اتصاله (البيجر) وفي غرف اجتماعاته الأكثر سرية، والذي أثبت الذكاء الاصطناعي والدقة البشرية هشاشة تحصيناته "الإلهية" المزعومة، ليس في موقع يسمح له بإعطاء دروس في الأمن أو الوطنية. إن سقوط أسطورة "التحصينات" و"النصر من عند الله" أمام الواقع التقني والسياسي المر، جعل من اتهام الآخرين بالعمالة وسيلة أخيرة للهروب من واقع الهزيمة النكراء التي حلت بمشروع الممانعة منذ تشرين الأول عام ألفين وثلاثة وعشرين.
يجب أن نكون واضحين في تشخيص الداء: العميل هو من يرهن سيادة وطنه، والعمالة هي اتباع أوامر الخارج ضد مصلحة الداخل. وبما أن "حسن زميرة" أقر بلسانه بأنه تابع للولي الفقيه، فقد أسقط عن نفسه وعن حزبه صفة الوطنية بشكل قطعي لا يقبل التأويل. إن مطالبة السياديين اللبنانيين بدولة تمتلك السلاح وتطبق القانون وتتعاون مع المجتمع الدولي هي قمة الوطنية، والادعاء بأن هذا "عمالة لأمريكا" هو قلب للحقائق ومحاولة يائسة لشيطنة العقل. إن العالم العربي لم يعد يصدق هذه المسرحيات الهزلية، والسخرية التي تطال قادة هذا المحور الفاشل اليوم هي دليل على أن الشعوب بدأت تستعيد وعيها المصادر، وترفض أن تكون وقوداً لمحور إرهابي يدار بعقلية المافيا الإيرانية. إن العمالة لإيران هي "خيانة عظمى" مغلفة بالدين، وكشف هذا النفاق هو الخطوة الأولى نحو تحرير لبنان واستعادته من براثن المستعمر الفارسي ووكيله المحلي الذي باع كرامته الوطنية مقابل "رواتب الولي الفقيه" وأوهام السلطة الزائفة.
إن التواطؤ مع هذا المنهج التخويني هو اشتراك في الجريمة، وعلى المثقفين والأحرار أن يستمروا في كسر جدار الخوف وفي ضبط المصطلحات. يجب أن نسمي التبعية لإيران "عمالة"، ونسمي السلاح غير الشرعي "أداة إرهاب"، ونسمي اقتصاد الحزب "تبييضاً للأموال ونهباً". إن الحقيقة لا تُجزأ، والوطنية لا تُشترى بالمال الإيراني. لقد حسمت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي المعركة الميدانية ضد قادة هذا المحور، والدور الآن على "الوعي الوطني" ليحسم المعركة السياسية واللغوية عبر استعادة المصطلحات من مختطفيها. إن فجر لبنان الجديد لن يبزغ إلا عندما يسقط مفهوم "العملاء الشرفاء" ويُعامل كل من ارتهن للخارج كخائن للتراب الوطني، بعيداً عن غسيل الدماغ الذي حاول تحويل "التبعية المذلة" إلى "مقاومة مقدسة". إن المهزلة قد انتهت، والحقيقة العارية تقول إن من يفتخر بأوامر الولي الفقيه هو العميل الأول، وكل من يطالب بالدولة هو الوطني الأصيل الذي يحفظ كرامة لبنان ومستقبل أجياله الناشئة بعيداً عن سموم "تمويل الدم" واستعمار الملالي الإرهابي.





.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...