Translate

سقوط الهيبة: نهاية "سيد المقاومة" كحدث مفصلي وانكسار صنم الكاريزما أمام وعي الشعوب (مقال)

.


.
سقوط الهيبة: نهاية "سيد المقاومة" كحدث مفصلي وانكسار صنم الكاريزما أمام وعي الشعوب




تمثل لحظة غياب الشخصية الكاريزمية في التنظيمات العقائدية المغلقة أكثر من مجرد فقدان لقائد عسكري أو سياسي، إنها لحظة انكشاف بنيوي وتصدع في "المقدس" الذي بُني حوله الكيان بأكمله. ومع نهاية حسن نصر الله، الذي ظل لعقود يوصف بـ "سيد المقاومة" ويُحاط بهالة من العصمة والقدرة الكلية، دخل محور الممانعة في مرحلة "اليتم الاستراتيجي" الذي أعقبه سقوط مروع للهيبة على المستويين الشعبي والإقليمي. إن هذا الحدث المفصلي لم يكسر الهيكل التنظيمي لحزب الله فحسب، بل كسر معه "السردية التاريخية" التي كانت تمنع التساؤل أو الشك، مما أدى إلى تحول جذري في سلوك التنظيم الذي فقد "رأسه المحرك"، وفي ردود فعل المجتمعات العربية التي انتقلت من مرحلة الصمت أو التصديق الخجول إلى مرحلة السخرية العلنية والاستهزاء بالنكت والمفارقات التي تستهدف "جرذان المقاومة" الفاشلين وسردياتهم التي تبدو اليوم أكثر تخلفاً وانفصالاً عن الواقع من أي وقت مضى.
إن الكاريزما في حالة حسن نصر الله لم تكن صفة شخصية عابرة، بل كانت "مؤسسة" بحد ذاتها، استثمرت فيها إيران مليارات الدولارات وعقوداً من البروباغندا المكثفة لتحويله إلى رمز عابر للحدود يختزل في شخصه مفاهيم النصر الإلهي والكرامة. وبمجرد زوال هذا الرمز في ضربة تكنولوجية خاطفة، انهار "الجدار النفسي" الذي كان يحمي التنظيم من النقد والسخرية. لقد اكتشف الجمهور، بما في ذلك من كانوا يصدقون خرافات المقاومة، أن "السيد" الذي كان يهدد بزلزلة الأرض ويعد بالصلاة في القدس، سقط صريعاً في قبو تحت الأرض دون أن يرف للملائكة جفن، ودون أن تتدخل القوى الغيبية التي طالما بشر بها نعيم قاسم وغيره في أدبياتهم. هذا السقوط المادي أحدث فراغاً لا يمكن ملؤه، لأن التنظيمات العقائدية تُبنى على "الرأس الواحد" الذي يستمد شرعيته من صلة مفترضة بالمقدس، وغيابه يعني تحول التنظيم إلى جسد متخبط يفتقر للرؤية والقدرة على المناورة.
يتغير سلوك التنظيم العقائدي بشكل دراماتيكي عند فقدان رأسه المحرك، حيث يميل في البداية إلى حالة من "الإنكار العدواني" تليها حالة من التخبط الأمني والسياسي. ففي غياب الكاريزما التي كانت تضبط الإيقاع وتوحد الأجنحة المتصارعة، تبدأ الصراعات الداخلية وتظهر ملامح التفكك في القيادة التي تحاول تعويض النقص عبر لغة خشبية مكررة لم تعد تقنع أحداً. إن الخطابات التي تلت غياب نصر الله، والتي اتسمت بالضعف والارتباك، كشفت أن القوة الحقيقية للتنظيم كانت "لفظية" أكثر مما هي واقعية. وبفقدان المحرك الكاريزمي، أصبح التنظيم يواجه "أزمة هوية"؛ هل هو حزب سياسي لبناني أم ميليشيا إيرانية أم منظمة إرهابية مطاردة؟ هذا التساؤل الذي كان يُقمع بوهج الكاريزما أصبح الآن مشاعاً للجميع، مما زاد من وتيرة الانهيار الداخلي وفقدان الثقة بين القواعد والقيادة المتبقية التي تبدو كأنها تعيش في كوكب آخر.
على المستوى الشعبي والإقليمي، كانت ردود الفعل بمثابة "انفجار للوعي" المكبوت لسنوات. فالمجتمعات الناطقة بالعربية، التي عانت من غطرسة هذا المحور واغتيالاته وتدخله في شؤون الدول (كما حدث في سوريا والعراق واليمن ولبنان)، وجدت في لحظة سقوط "الصنم" فرصة لتصفية الحسابات المعنوية والسياسية. لقد تحول المشهد من "الرهبة" إلى "السخرية"، وأصبح الفضاء الرقمي ساحة واسعة للنكت والتهكم التي تستهدف قادة المقاومة المزعومين ووصفهم بـ "الجرذان" الذين يختبئون في الأنفاق بينما يتركون شعوبهم لمواجهة الموت والدمار. هذه السخرية ليست مجرد تسلية، بل هي "فعل سياسي" يهدف إلى نزع القداسة عن القتلة وتجريدهم من السلاح الوحيد الذي كان يحميهم وهو "الخوف". إن الضحك على فشل "المقاومة" هو إعلان عن نهاية حقبة "التدليس العقائدي" وبداية مرحلة يرفض فيها الناس أن يكونوا وقوداً لمشاريع إمبراطورية مغلفة بالدين.
المفارقة الكبرى تكمن في أن أطيافاً واسعة ممن كانوا يوماً ما يدعمون هذا المشروع، أو يصدقون سردياته تحت ضغط "القضية"، انقلبوا اليوم ليسخروا من تخلف هذه السرديات. لقد اكتشف هؤلاء أن "المقاومة" لم تكن سوى أداة للتغول على الدولة والناس، وأن وعودها بالانتصارات الكبرى كانت مجرد مخدر موضعي لتمرير أجندة التوسع الإيراني. النكت التي تتناول "البيجر" والاتصالات المخترقة والتحصينات التي تبخرت أمام الذكاء الاصطناعي، تعكس وعياً شعبياً بأن العلم والتطور لا يحابيان من يعيش في غياهب الخرافة. إن الاستهزاء بـ "منهج المقاومة" الفاشل هو في الحقيقة استهزاء بالعقلية التي تظن أن الصراخ واللطم والشعارات الغوغائية يمكن أن تصمد أمام دقة الإحداثيات وصلابة الواقع المادي.
إن غياب الرمز الكاريزمي أدى إلى "تعرية المحور" إقليمياً، حيث ظهرت إيران كدولة تتاجر بوكلائها وتتركهم لمصيرهم عندما تستشعر الخطر على بقاء النظام في طهران. هذا الانكشاف السياسي جعل من "سيد المقاومة" ضحية لمشروعه نفسه، وجعل من أتباعه مجرد أيتام على مائدة التفاوض الإيراني مع الغرب. ردود الفعل الإقليمية، وخاصة في الدول التي ذاقت مرارة التدخل الميليشياوي، اتسمت بنوع من "التشفي الأخلاقي" الذي يرى في سقوط القاتل عدالة تاريخية طال انتظارها. إن تحطيم هيبة القائد هو تحطيم لمشروعه بالكامل، لأن التنظيم العقائدي لا يمتلك مؤسسات قادرة على الاستمرار دون "الإله الصغير" الذي كان يوجه كل شيء بكلمة واحدة.
تتسم السخرية الحالية بكونها تخترق الحدود المذهبية والسياسية، حيث يتشارك السوري الذي هُدم بيته، واللبناني الذي سُرقت ودائعه، والعراقي الذي اختُطف وطنه، في صياغة خطاب تهكمي لا يرحم "الممانعة" المزعومة. إن تصوير قادة المحور كشخصيات كاريكاتورية تعيش في حالة انفصام عن الواقع هو الوسيلة الأكثر فعالية لهدم ما تبقى من أطلال الهيبة. لقد سقطت لغة "التكليف الشرعي" أمام لغة "الواقع الرقمي"، وأصبحت سرديات "الانتظار" و"المهدي" و"النصر الإلهي" مادة دسمة للاستهزاء والتهكم في كل المجالس العربية. هذا التحول يعني أن "صناعة القداسة" قد فشلت، وأن الشعوب لم تعد تشتري الأوهام من تجار الدماء الذين يدعون الطهرانية بينما يديرون إمبراطوريات من المخدرات والفساد والإرهاب.
إن نهاية نصر الله كحدث مفصلي تمثل أيضاً نهاية "زمن الخطابة" الذي كان يعوض عن الفشل الميداني. فكل "إصبع" كان يرفعه في وجه العالم تحول اليوم إلى مادة للسخرية بعد أن عجزت تلك الأصابع عن حماية أصحابها من الاختراق التكنولوجي المذل. السلوك الحالي للتنظيم، الذي يكتفي ببيانات خشبية وخطابات باهتة لخلفاء لا يملكون ذرة من كاريزما القائد الراحل، يؤكد أن الحزب قد دخل في "خريف الوجود". الفشل في الرد، والفشل في حماية الكوادر، والفشل في الحفاظ على الهيبة، كلها عوامل جعلت من المقاومة "نكتة" في نظر الكثيرين، وهي نكتة مرة تعبر عن حجم الخداع الذي تعرضت له المنطقة لعقود تحت مسمى الممانعة.
علاوة على ذلك، فإن سخرية المجتمعات الناطقة بالعربية تعبر عن "رغبة في القطيعة" مع كل ما يمثله هذا المحور من تخلف وتبعية وعنف. إن النكات التي تلاحق "جرذان المقاومة" هي في جوهرها رفض للنموذج الإيراني الذي يريد تحويل العواصم العربية إلى ركام ومقابر. الاستهزاء هنا هو سلاح الوعي ضد التضليل؛ فعندما يضحك الناس على "النصر الإلهي" المزعوم وسط الأنقاض والجثث، فإنهم يعلنون أنهم لم يعودوا قطيعاً يساق نحو المحرقة بشعارات جوفاء. إن سقوط الهيبة هو في الواقع سقوط للشرعية الأخلاقية والسياسية، وهو ما يجعل من الصعب جداً على التنظيم إعادة بناء نفسه أو استعادة ثقة بيئته التي بدأت تشعر بأنها كانت ضحية لخدعة كبرى أدارها "سيد" لم يكن في النهاية إلا بشراً فانياً وعاجزاً أمام قوة العلم والحقيقة.
إن التحليل لردود الفعل الإقليمية يكشف أيضاً عن تغير في موازين القوى النفسية؛ فالدول التي كانت تخشى تهديدات الحزب وأذرعه أصبحت اليوم ترى فيه مجرد هيكل متآكل يفتقر للرأس المدبر. غياب الكاريزما أدى إلى "تأميم الصراع" داخلياً في لبنان، حيث بدأت القوى المعارضة ترفع صوتها دون خوف، مدركة أن "البعبع" الذي كان يخيف الجميع قد فُضح ضعفه وهشاشته. إن السخرية من سرديات "التمحيص" و"الابتلاء" التي يسوقها الحزب اليوم هي دليل على أن القاعدة الشعبية لم تعد تبتلع هذه المسكنات الأيديولوجية، وأن المطالبة بالمحاسبة والواقعية بدأت تحل محل الولاء الأعمى والخضوع للمقدس الزائف.
ختاماً، إن سقوط الهيبة مع نهاية "سيد المقاومة" هو إعلان رسمي عن فشل مشروع "الثيوقراطية المسلحة" في المشرق العربي. إن هذا الحدث المفصلي كشف أن الأساطير لا تصمد أمام الصواريخ الدقيقة، وأن الكاريزما لا تحمي من الفشل الاستراتيجي. السخرية والاستهزاء اللذان يملآن الفضاء العربي اليوم هما التعبير الأصدق عن تحرر العقول من أسر الخرافة الممانعة. لقد ولى زمن "الأبطال الورقيين" وبدأ زمن الحقيقة العارية التي تقول إن من يبني بيته على دماء الأبرياء وخرافات السرداب، لن يجد في النهاية إلا السقوط المذل وسخرية التاريخ. إن "جرذان المقاومة" الذين ظنوا أنهم امتلكوا السماء والأرض، يجدون أنفسهم اليوم منبوذين ومسخاً يضحك عليه من كانوا يدعون تمثيلهم وحمايتهم. إنها نهاية تليق بكل من استخف بعقول البشر وتاجر بآلامهم وصنع من الموت والدمار ديناً وأيديولوجيا.




.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...