Translate

تزييف الوعي وصناعة الاستلاب: المناهج التربوية العقائدية وقنص الأجيال الناشئة (مقال)

.
.
تزييف الوعي وصناعة الاستلاب: المناهج التربوية العقائدية وقنص الأجيال الناشئة




تعد عملية بناء الوعي لدى الأجيال الناشئة هي الحجر الأساس في تشكيل مستقبل الأمم واستقرار المجتمعات، غير أن التنظيمات العقائدية والإرهابية، سواء كانت تتشح بعباءة "دولة الولي الفقيه" أو ترفع راية "دولة الخلافة"، أدركت مبكراً أن البقاء الطويل الأمد لا يتحقق فقط عبر السلاح والترهيب، بل عبر "هندسة العقول" وتأميم الضمائر منذ الطفولة المبكرة. إن ما نشهده في بيئة حزب الله ومن يدور في فلك المحور الإيراني، وما شابهه في تجارب التنظيمات السنية المتطرفة، يمثل جريمة "تزييف وعي" ممنهجة تهدف إلى تحويل الأطفال والشباب من مواطنين فاعلين في دولهم إلى مجرد "وقود للمحور" وأدوات تنفيذية في مشاريع عابرة للحدود. هذه المناهج التربوية الموازية تعمل على هدم فكرة الانتماء للوطن واستبدالها بولاء مطلق للفقيه أو للخليفة، محولةً الموت من مصيبة إنسانية إلى هدف أسمى، والقتل من جريمة إلى "تكليف شرعي" مقدس، مما يخلق جيلاً مسلوب الإرادة، يرى في الدمار انتصاراً وفي التبعية للخارج ذروة الإيمان.
تبدأ استراتيجية غسل الأدمغة في بيئة حزب الله من المؤسسات التربوية والكشفية التي تعمل كحواضن أيديولوجية مغلقة، حيث يتم تقديم نسخة مشوهة من التاريخ والدين والسياسة. في هذه المناهج، لا يتم تدريس الطفل اللبناني قيم المواطنة والسيادة والعيش المشترك، بل يُلقن منذ نعومة أظفاره أن وجوده مرتبط بوجود "المقاومة"، وأن عدوه ليس فقط من يحتل الأرض، بل كل من يعترض على مشروع الولي الفقيه. يتم تصوير المرشد الإيراني كمرجع أعلى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، مما يجعل الطفل يكبر وفي عقله "انفصام وطني" حاد؛ فهو يعيش على أرض لبنانية لكن قلبه وعقله مبرمجان وفقاً لتوقيت طهران. هذا الاستلاب التربوي يهدف إلى خلق "جيش عقائدي" لا يناقش الأوامر، بل ينفذها بصفته "مكلفاً"، محولاً الأجيال الصاعدة إلى أرقام في قوائم التعبئة التي تخدم طموحات إمبراطورية لا ناقة للبنان فيها ولا جمل.
إن هذا العيب البنيوي في المنهج التربوي ليس حكراً على التنظيمات الشيعية، بل هو "جينوم" مشترك تلتقي فيه كافة التنظيمات الثيوقراطية. فإذا نظرنا إلى المناهج التي كانت تُدرس في مناطق سيطرة تنظيمات مثل "داعش" أو "القاعدة" تحت مسمى "دولة الخلافة"، نجد نفس الآليات في تحطيم الهوية الوطنية لصالح الهوية "الأممية المتخيلة". فبينما يقدس حزب الله "الولي الفقيه"، تقدس تلك التنظيمات "الخليفة"، وكلاهما يشتركان في كراهية الدولة الوطنية الحديثة واعتبارها كياناً "جاهلياً" أو "مصطنعاً". إن تدمير مفهوم "الوطن" في عقل الطفل هو الخطوة الأولى لتحويله إلى إرهابي عابر للقارات؛ فعندما يفقد الإنسان جذوره في أرضه وقانونه ومجتمعه الصغير، يصبح من السهل إقناعه بأن الانتحار في مدينة بعيدة أو قتل "مخالف" في المذهب هو الطريق الوحيد للجنان. إنها عملية "تجريد من الإنسانية" تبدأ بالكتاب المدرسي وتنتهي بحزام ناسف أو صاروخ موجه.
يبرز تقديس الموت كواحد من أخطر ركائز هذه المناهج، حيث يتم تصوير "الشهادة" ليس كفعل دفاعي اضطراري عن الوطن، بل كغاية في حد ذاتها وكأسلوب حياة. في مدارس هذه التنظيمات، تُزين الجدران بصور القتلى وتُروى قصص "البطولات" الملحمية التي تتجاوز العقل والمنطق، مما يولد لدى الطفل رغبة عارمة في المحاكاة واللحاق بـ "قافلة النور" المزعومة. هذا الشحن العاطفي الممنهج يلغي غريزة البقاء الطبيعية ويستبدلها بشهوة الموت، مما يسهل على القيادة السياسية والعسكرية سوق هذه الأجيال نحو حروب عبثية في سوريا أو اليمن أو غيرها، دون أن يجرؤ أحد على السؤال عن الجدوى الأخلاقية أو الوطنية لهذه الدماء. إن تربية الطفل على أن "الموت أسمى أمانينا" هي في الحقيقة عملية "إعدام تربوي" للمستقبل، حيث يتم تجفيف منابع الإبداع والحياة لصالح ثقافة القبور واللطميات والندب المستمر على مظلوميات تاريخية يتم استحضارها وتوظيفها سياسياً.
تعتمد هذه التنظيمات أيضاً على عزل الناشئة عن أي فكر مغاير عبر فرض رقابة صارمة على مصادر المعرفة. فالمكلف الصغير لا يقرأ إلا ما تقرره "اللجنة التربوية" في الحزب أو التنظيم، ولا يشاهد إلا القنوات الإعلامية التي تسبح بحمد المحور. هذا "الحصار الثقافي" يؤدي إلى نشوء أجيال تعاني من "ضيق أفق معري" حاد، حيث يتم تصوير الآخر (سواء كان من دين آخر، أو مذهب آخر، أو حتى من نفس المذهب ولكنه يتبنى فكراً مدنياً) كعدو أو كافر أو خائن. هذا التجييش ضد "الآخر" هو الذي يبرر الاغتيالات والتسلط والتغول على المجتمعات؛ فالمقاتل الذي تخرج من هذه الحواضن يرى في جاره الذي يطالب بالدولة والسيادة عقبة أمام "الوعد الإلهي" يجب إزاحتها. إن المناهج التربوية هنا لا تبني عقولاً، بل تصنع "قوالب صماء" تكرر الشعارات وتنفذ المهمات القذرة تحت غطاء القداسة.
إن التنافس بين "دولة الولي الفقيه" و"دولة الخلافة" هو في جوهره تنافس على من يمتلك قدرة أكبر على "تزييف الوعي" الجمعي. فبينما يركز المنهج الشيعي المسيس على "المظلومية والانتظار" كوقود للمواجهة، يركز المنهج السني المتطرف على "الاستعلاء والتمكين" كوقود للتوسع. والنتيجة في الحالتين هي ضياع "الإنسان" وتدمير "الدولة". إن هؤلاء الذين يهربون من بلدانهم بسبب القمع ليعيشوا في الغرب، ثم يدافعون عن هذه المناهج التدميرية، يمارسون نوعاً من الانفصام الأخلاقي؛ فهم يريدون لأبنائهم تعليم العصر والحرية في لندن وباريس، بينما يباركون تحويل أبناء الفقراء في بيروت وبغداد وصنعاء إلى وقود للمحور وللخرافات البالية. إن هذه الازدواجية هي التي تغذي استمرار هذه التنظيمات وتمنحها غطاءً "مدنياً" زائفاً يستر قبح ممارساتها التربوية.
علاوة على ذلك، فإن هذه المناهج تضرب في مقتل قيم "الحقيقة والصدق"، حيث يتم تعليم الأطفال أن الكذب (تحت مسميات مثل التقية أو الحرب خدعة) هو فضيلة إذا كان يخدم مصلحة التنظيم أو المحور. هذا الانهيار الأخلاقي يؤدي إلى نشوء مجتمعات قائمة على الرياء السياسي والازدواجية السلوكية، حيث لا توجد ثوابت وطنية أو قيم إنسانية عابرة للانتماء الحزبي. إن الانتماء للوطن يتطلب قدراً من النزاهة والوضوح والالتزام بالقانون العام، بينما الولاء للخارج يتطلب الغموض والتآمر والالتفاف على مؤسسات الدولة. ومن هنا، نجد أن خريجي هذه المناهج هم الأكثر عرضة للانخراط في شبكات الفساد، وتبييض الأموال، وتجارة المخدرات، لأنهم لا يشعرون بأي مسؤولية أخلاقية تجاه "الدولة" التي يعتبرونها مجرد غنيمة أو ساحة للتمكين.
إن مواجهة هذا التزييف الممنهج للوعي تتطلب ثورة تربوية شاملة تعيد الاعتبار للمدرسة الوطنية وللمنهج العلمي القائم على النقد والتحليل. لا يمكن مواجهة "المنهج العقائدي" إلا بـ "المنهج المدني" الذي يقدس العقل ويحترم حقوق الإنسان ويغرس في الطفل أن كرامته مستمدة من مواطنته وليس من انتمائه لميليشيا أو طائفة. إن تحرير الأجيال الناشئة من مخالب المحور الإيراني ومن أوهام الخلافة السنية هو معركة الوجود الحقيقية في المنطقة. فالسلاح يمكن تدميره بالصواريخ، ولكن الأفكار المسمومة التي غُرست في العقول تحتاج إلى أجيال من العمل التربوي الجاد لتنظيفها وإعادة بناء الضمير الوطني على أسس صلبة.
وفي الختام، إن ما يفعله ملالي إيران وتجار الدين من كل الأطياف بحق الطفولة والشباب في منطقتنا هو إبادة معنوية لا تقل خطورة عن الإبادة الجسدية. إنهم يسرقون "زمن" هؤلاء الشباب ويحولونهم إلى حطب لنار لا تنطفئ، ويحرمونهم من حقهم في العيش في دول مستقرة ومزدهرة. إن سقوط هذه الأنظمة والتنظيمات يبدأ من سقوط "قداسة" مناهجها، ومن تجرؤ العائلات والمجتمعات على رفض تحويل أبنائها إلى "قرابين" على مذبح الولي الفقيه أو الخليفة المزعوم. إن الانتماء للوطن هو الانتماء للحياة وللمستقبل وللقانون، بينما الولاء للمحاور الخارجية هو الانتماء للموت وللماضي وللخراب. وعلى الشعوب الناطقة بالعربية أن تدرك أن الحفاظ على وعي أبنائها هو خط الدفاع الأول عن بقائها وكرامتها وسيادتها، بعيداً عن زيف الشعارات وخرافات السرداب وأوهام التمكين التي لم تخلف وراءها سوى الدمار والضياع وتزييف الوعي الإنساني. إن المعركة اليوم هي معركة بين "الكتاب الذي يفتح الآفاق" و"الكتاب الذي يغلق العقول"، وبين "الوطن الذي يحضن الجميع" و"المحور الذي يلتهم الجميع"، والنصر فيها لا يكون إلا بالعلم والوعي والتمسك بقيم الحق والحرية والمواطنة الصادقة.




.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...