Translate

تصحيح المفاهيم وبناء السيادة: إشكالية "العدو" و"الاستعمار" في المشهد اللبناني تحت وطأة النفوذ الإيراني (مقال)

.


.
تصحيح المفاهيم وبناء السيادة: إشكالية "العدو" و"الاستعمار" في المشهد اللبناني تحت وطأة النفوذ الإيراني





تعتبر اللغة في جوهرها أداة للتواصل ونقل المعاني، غير أنها في الساحة السياسية اللبنانية تحولت إلى سلاح لتزييف الوعي وترسيخ الهيمنة، حيث تعرضت المصطلحات الكبرى مثل "العدو" و"الاستعمار" لعملية تجريف دلالي ممنهجة جعلت من التفاهم الوطني أمراً مستحيلاً. إن الأزمة اللبنانية المعاصرة ليست مجرد صراع على السلطة أو الموارد، بل هي في عمقها أزمة تعريفات، حيث يبرز النموذج اللبناني كأوضح مثال على الممارسات الاستعمارية الحديثة التي تمارسها الجمهورية الإسلامية الإيرانية ونظام الملالي عبر أذرعها العقائدية. ومع ذلك، نجد انقساماً حاداً في المجتمع اللبناني حول توصيف هذا الوجود؛ فبينما يراه فريق استعماراً كامل الأركان يسلب الدولة سيادتها وقرارها، يراه فريق آخر، تعرض لعمليات غسيل دماغ طويلة الأمد وممنهجة، "تحالفاً مقدساً" وضرورة وجودية. هذا التباين الحاد في المصطلحات لا يترك مجالاً للحوار الوطني السليم، لأن كل فريق يتحدث من داخل فقاعة معرفية وأيديولوجية محكومة بالتمويلات الخارجي والدعم العسكري، مما يجعل من ضبط هذه المصطلحات وتصحيح مفاهيمها الخطوة الأولى والإلزامية نحو استعادة الدولة والكرامة الوطنية.
إن مفهوم "العدو" في الوعي السياسي اللبناني قد تم اختطافه وتوجيهه لخدمة أجندة إقليمية لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية العليا. ففي الوقت الذي يتم فيه التركيز حصراً على إسرائيل كعدو وحيد ومطلق، يتم التغاضي عن "العدو الداخلي" الذي ينهب الدولة ويصادر قرار الحرب والسلم ويحول البلاد إلى ساحة لتصفية حسابات طهران. إن العدو في التعريف السياسي الرصين هو كل كيان أو نظام يسعى لإلغاء وجود الدولة الوطنية، أو يرتهن قرارها لمركز خارجي، أو يستخدم العنف والإرهاب لفرض خياراته على المجتمع. وبناءً على هذا التعريف، فإن نظام الملالي في إيران، الذي يمول ويسلح ميليشيا تتجاوز سلطة الدولة، يمارس دور العدو بامتياز، لأنه يفكك عرى العقد الاجتماعي اللبناني ويحول المواطن من شريك في الوطن إلى جندي في جيش "الولي الفقيه". إن قصر صفة العداء على الخارج الجغرافي وتجاهل الاستعمار العقائدى هو قمة التزييف الذي مورس على العقل اللبناني لعقود، مما جعل الكثيرين يرحبون بالمستعمر الإيراني بصفته "مخلصاً" بينما هو في الحقيقة يغرس سكيناً في قلب السيادة اللبنانية.
أما مصطلح "الاستعمار"، فقد تم حصر دلالته في القوالب الكلاسيكية المرتبطة بالاحتلال العسكري المباشر ورفع الأعلام الأجنبية فوق المباني الحكومية، وهذا قصور معرفي خدم المشروع الإيراني بشكل كبير. إن الاستعمار في القرن الحادي والعشرين، وخاصة في النموذج الإيراني، هو "استعمار بالوكالة" يعمل عبر نخر المؤسسات من الداخل وتفريغها من محتواها السيادي. عندما تسيطر طهران على المرافئ والمطارات والمعابر عبر ميليشياتها، وعندما تفرض سياستها المالية عبر اقتصاد موازٍ يتهرب من الضرائب والرقابة، وعندما تعين القادة وتوجه الرصاص نحو صدور المعارضين في الداخل، فإننا نكون أمام حالة استعمارية مكتملة الأوصاف، بل هي أسوأ من الاستعمار التقليدي لأنها تستخدم "أبناء الأرض" لقمع إخوتهم في الوطن. إن التباين في فهم الاستعمار يرجع بالأساس إلى التمويل الضخم الذي يضخه نظام الملالي لصناعة طبقة من "المرتزقة الأيديولوجيين" الذين يصورون التبعية لإيران كفعل مقاومة، بينما هي في الواقع أقصى درجات الارتهان للاستعمار الخارجي.
لا يمكن فهم هذا التباين دون العودة إلى عملية غسيل الدماغ الممنهجة التي تعرضت لها بيئة حزب الله والدوائر المحيطة به. لقد تم استبدال الهوية اللبنانية الجامعة بهوية "أممية إسلامية" تحت عباءة الولي الفقيه، حيث يتم تعليم الأجيال الناشئة أن الولاء للدين (بمفهومه الإيراني) يسبق الولاء للوطن. هذا التشويه التربوي والفكري خلق فجوة دلالية هائلة؛ فما يراه اللبناني السيادي "خيانة عظمى" وعمالة لدولة أجنبية، يراه المؤدلج "تكليفاً شرعياً" ووفاءً للمقدس. هذا الانفصام في المصطلحات هو ما يمنع التفاهم، لأن "الخيانة" في قاموسهم تصبح "جهاداً"، و"التبعية" تصبح "تحالفاً". وبدون ضبط هذه المصطلحات وإعادتها إلى سياقها القانوني والوطني، سيبقى اللبنانيون يتحدثون لغات مختلفة رغم استخدامهم لنفس الكلمات، وسيبقى نظام الملالي يستثمر في هذا الضياع اللغوي لتثبيت أقدامه كقوة استعمارية مقنعة خلف شعارات المقاومة الزائفة.
إن نظام الملالي الإرهابي يدرك جيداً أن سيطرته على لبنان تعتمد على بقاء حالة "السيولة المصطلحية"؛ أي غياب تعريفات واضحة لما هو وطني وما هو عمالة. لذلك، نجد أن الحزب وأبواقه الإعلامية يشنون حروباً شعواء ضد كل من يحاول تصحيح هذه المفاهيم، متهمين إياهم بالعمالة للغرب أو إسرائيل. هذه "البروباغندا" هي السلاح الأول للاستعمار الإيراني، فهي تهدف إلى تحصين التبعية الإيرانية ضد أي نقد وطني عبر وصم الناقد بصفات العدو. إن تصحيح المصطلحات يقتضي الجرأة في القول إن من يأتمر بأمر جنرال في الحرس الثوري هو عميل، وإن من يحصل على ميزانيته من خزانة دولة أجنبية هو أداة استعمارية، وإن من يحمي تجارة المخدرات والكبتاغون لتمويل حربه هو زعيم عصابة وليس قائد مقاومة. إن وضوح هذه التعريفات هو الذي يكسر هيبة "القداسة" المصطنعة التي يحاول الحزب إضفاءها على عمالته لإيران.
إن النموذج اللبناني يكشف بوضوح كيف تحولت إيران من دولة تدعي دعم المظلومين إلى قوة إمبريالية تستخدم المذهب كأداة للتوسع الاستعماري. الاستعمار الإيراني لا يسعى لتنمية لبنان أو ازدهاره، بل يسعى لتحويله إلى "أرض محروقة" أو "ساحة عمليات" لخدمة طموحات طهران النووية والإقليمية. وعندما يفهم اللبنانيون أن "العدو" ليس فقط من يقف خلف الحدود، بل هو أيضاً من يمنع قيام دولتهم ويصادر ودائعهم ويفجر مرفأهم ويغتال مثقفيهم، حينها فقط يمكن الحديث عن بداية التحرر. إن العدو الإيراني يستهدف "الروح اللبنانية"؛ التعددية، الحرية، والانفتاح، ليحل محلها ثقافة الموت والسواد والتبعية العمياء للفقيه. وهذا الاستهداف هو أرقى أنواع الممارسات الإستعمارية التي تهدف لتبديل هوية الشعوب المستعمرة ليسهل قيادها.
علاوة على ذلك، فإن تباين المصطلحات يغذي حالة "الإنكار" لدى شريحة واسعة من اللبنانيين الذين يستفيدون من "تمويلات الدم" الإيرانية. بالنسبة لهؤلاء، الاستعمار هو مصدر رزق، والتبعية هي مصدر قوة. ومن هنا، يصبح الدفاع عن إيران دفاعاً عن الذات والمصالح الضيقة، ويتم توظيف "غسيل الدماغ" لتبرير هذا السلوك أخلاقياً. إنهم يعيشون في حالة "سندورم ستوكهولم" سياسية، حيث يدافع المخطوف (لبنان) عن الخاطف (إيران) ضد من يحاول تحريره. إن فك هذا الارتباط يتطلب أولاً تعرية المصطلحات؛ فما يسمى "دعم المحور" هو في الحقيقة "تأجير وطن"، وما يسمى "تنسيق أمني" هو "تبادل معلومات استخباراتية" يخدم مصلحة المستعمر الإيراني ويضر بالأمن القومي اللبناني.
إن بناء السيادة يبدأ من "تحرير اللغة"؛ أي تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية دون خوف من "إرهاب التخوين". يجب التأكيد على أن الدولة اللبنانية هي المرجع الوحيد والنهائي، وأن أي سلاح خارج إطارها هو سلاح استعماري أو ميليشياوي، وأن أي ولاء يتجاوز حدود الوطن هو خيانة موصوفة. إن ضبط المصطلحات سيؤدي بالضرورة إلى كشف زيف ادعاءات "المحور"؛ فكيف يمكن لمن يدعي محاربة الاستعمار الغربي أن يكون هو نفسه أداة لاستعمار فارسي أكثر تخلفاً وقمعاً؟ وكيف يمكن لمن يدعي السيادة أن يقبل بأن يكون تعيين قادته وقرار حربه بيد مرشد يقبع في طهران؟ إن كشف هذه التناقضات هو المدخل لتصحيح المسار الوطني ووضع حد للممارسات الإرهابية لنظام الملالي الذي وجد في لبنان أرضاً خصبة لنشر سمومه وأوهامه التوسعية.
لقد استطاع الذكاء الاصطناعي والتطور التكنولوجي في الآونة الأخيرة كشف هشاشة هذا المحور وتعرية قادته، مما ساعد في "السقوط المعنوي" لهيبة الاستعمار الإيراني. هذا السقوط يجب أن يواكبه "سقوط اصطلاحي"؛ فالمصطلحات التي كانت تُرهب الناس وتصنع هالة من القداسة حول "سيد المقاومة" أو "المجاهدين" أصبحت اليوم محل تندر وسخرية. الشعوب الناطقة بالعربية بدأت تدرك أن "المقاومة" التي تدمر دمشق وبيروت وبغداد وصنعاء هي في الحقيقة "مقاولات" إجرامية لصالح الاستعمار الإيراني. إن تصحيح المصطلحات هو بمثابة "تطهير للوعي" من رواسب غسيل الدماغ، وهو السبيل الوحيد لإعادة الاعتبار لمفهوم الوطن والسيادة بعيداً عن أهواء الملالي وخرافاتهم المتخلفة التي لا تجلب سوى الموت والخراب.
في الختام، إن الأزمة اللبنانية مع الاستعمار الإيراني هي معركة على "المعنى" بقدر ما هي معركة على "الأرض". إن ضبط مصطلحات "العدو" و"الاستعمار" هو الواجب الأول لكل مثقف وسياسي لبناني حر. لا يمكن بناء وطن مع فريق يرى في المستعمر أخاً، وفي الشريك في الوطن عدواً. إن مواجهة النظام الإيراني الإرهابي تبدأ من رفض لغته، وتفكيك سرديته، والتأكيد على أن لبنان لا يمكن أن يكون إلا سيداً، حراً، ومستقلاً، بعيداً عن أي وصاية خارجية، سواء كانت قريبة أو بعيدة. إن الحقيقة التاريخية والقانونية واضحة: إيران هي قوة استعمارية في لبنان، وأذرعها هي أدوات إرهابية، وكل من يبرر هذا الوجود تحت أي مسمى هو شريك في استعمار بلده وتدمير مستقبل أجياله. إن فجر التحرير يبدأ عندما نتوقف عن تسمية الاحتلال "مقاومة"، والتبعية "كرامة"، والعمالة "وفاءً"، ونعود جميعاً إلى لغة الوطن الواحدة والواضحة التي لا لبس فيها.






.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...