Translate

الدولة السائلة والدويلة الصلبة: استراتيجية النخر البنيوي وتشييد إمبراطورية الظل على أنقاض السيادة (مقال)

.

.
الدولة السائلة والدويلة الصلبة: استراتيجية النخر البنيوي وتشييد إمبراطورية الظل على أنقاض السيادة




تعد الحالة اللبنانية المعاصرة نموذجاً فريداً وشديد القسوة في العلوم السياسية لما يُعرف بـ "الدولة السائلة" التي تذوب مؤسساتها وتتحلل شرعيتها تدريجياً، مقابل "الدويلة الصلبة" التي تمتلك هيكلية عسكرية وعقائدية ومالية متماسكة تتغذى على هذا التحلل. إن هذا المشهد ليس نتاج صدفة تاريخية أو فشل إداري عابر، بل هو نمرة من هندسة سياسية خبيثة نفذها حزب الله على مدار عقود، تهدف إلى نخر المؤسسات اللبنانية من الداخل لخلق حالة من "الشلل السيادي" الشامل. في هذا السياق، يصبح إضعاف الدولة وإفلاسها وتفكيك أجهزتها الأمنية والقضائية غاية استراتيجية، لأن غياب الدولة القوية هو المبرر الوحيد والضروري لوجود الميليشيا كبديل استثنائي دائم، حيث يتم إقناع الشعب والبيئة الحاضنة بأن السلاح هو الدرع الوحيد في غابة من الفوضى التي صنعها الحزب نفسه عبر ممارساته المتغولة وتجارته العابرة للحدود بالسموم والفساد.
تبدأ عملية نخر الدولة من الرأس، حيث اعتمدت الدويلة الصلبة استراتيجية "التعطيل الممنهج" للاستحقاقات الدستورية، فكل انتخاب لرئيس أو تشكيل لحكومة يتحول إلى معركة استنزاف تهدف إلى انتزاع تنازلات سيادية تكرس سطوة الميليشيا. هذا الشلل المتعمد يؤدي إلى تحويل الدولة إلى كيان سائل لا يمتلك قرار الحرب والسلم، بل يكتفي بدور "شاهد الزور" على عمليات عسكرية وقرارات إقليمية تُتخذ في غرف عمليات مرتبطة بطهران. وعندما تصبح الدولة عاجزة عن حماية حدودها أو اتخاذ قراراتها السيادية، يخرج خطاب الدويلة ليقدم السلاح كبديل شرعي ووحيد، موهماً الجميع بأن هذا السلاح هو الذي يحمي لبنان، بينما الحقيقة هي أن هذا السلاح هو الذي شلّ قدرة الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية على القيام بمهامها عبر فرض الخطوط الحمراء ومنع تزويد الجيش بمنظومات دفاعية سيادية قد تجعل من وجود الميليشيا أمراً فائضاً عن الحاجة.
يترافق هذا النخر السياسي مع تغول أمني مخيف استخدم الاغتيالات كأداة جراحية لاستئصال كل صوت يجرؤ على المطالبة باستعادة الدولة. إن قائمة الشهداء من السياسيين والمفكرين والإعلاميين لم تكن مجرد تصفية لخصوم، بل كانت رسالة ترهيب واضحة لكل من يحاول تحويل "الدولة السائلة" إلى دولة مؤسسات صلبة. فكلما برز مشروع وطني عابر للطوائف يهدد هيمنة الدويلة، كانت آلة الموت تتحرك لقطع الطريق أمام أي نهوض سيادي. هذا التسلط لم يقتصر على النخبة السياسية، بل امتد ليتغول على الشعب اللبناني برمته، خاصة في أحداث السابع من أيار الشهيرة، حيث وجهت الميليشيا سلاحها إلى الداخل لكسر إرادة اللبنانيين وفرض معادلة جديدة قوامها أن السلاح يحمي السلاح، وأن أي مساس بمصالح الدويلة أو منظوماتها الأمنية سيُقابل بعنف دموي لا يستثني أحداً.
إن بناء "الدويلة الصلبة" يتطلب موارد مالية ضخمة تتجاوز قدرة الاقتصاد اللبناني المتهالك، وهنا تبرز واحدة من أبشع وجوه هذا المشروع وهي "تجارة المخدرات والكبتاغون". لقد تحول لبنان، بفضل سيطرة الحزب على المعابر والمرافق والمناطق الحدودية، إلى مصنع ومصدر عالمي لهذه السموم، مما جعل الدولة اللبنانية في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي والعربي. هذه التجارة لا تهدف فقط لتمويل الآلة العسكرية، بل هي جزء من استراتيجية تدمير النسيج الاجتماعي وإغراق المنطقة في الفوضى. إن نخر مرافق الدولة كالمطار والمرفأ وتحويلها إلى ممرات آمنة للتهريب، أسهم بشكل مباشر في عزل لبنان اقتصادياً وسياسياً، وهو ما يصب في مصلحة الدويلة التي تريد للبنان أن يظل كياناً معزولاً وتابعاً بالكامل للمحور الإيراني، بعيداً عن أي عمق عربي أو دولي قد يساعد في ترميم مؤسساته السيادية.
لا يمكن فصل الانهيار المالي وإفلاس الدولة عن هذا النخر الممنهج، فالفساد المستشري في مفاصل الإدارة اللبنانية لم يكن مجرد جشع لموظفين أو سياسيين، بل كان "فساداً وظيفياً" تحت حماية السلاح. لقد تمت سرقة مقدرات الدولة ونهب ودائع اللبنانيين في ظل منظومة محاصصة طائفية كان الحزب حارسها الأكبر، لأنه يدرك أن إفلاس الدولة وجوع الشعب يجعل المقايضة على "الأمن مقابل الخبز" أمراً ممكناً. إن الدويلة الصلبة تمتلك نظاماً مالياً موازياً متمثلاً في "القرض الحسن" وغيرها من المؤسسات التي تعمل خارج رقابة مصرف لبنان، مما خلق اقتصاداً طائفياً محصناً مقابل اقتصاد وطني منهار. هذا التباين المقصود يهدف إلى إذلال المواطن اللبناني ودفعه للارتهان للدويلة ومؤسساتها، بعد أن فقد الثقة بدولته التي أُفرغت من محتواها ومقدراتها بقرار أيديولوجي متعمد.
إن "الشلل السيادي" الذي يعيشه لبنان اليوم هو النتيجة المنطقية لتحويل الدولة إلى "جثة مؤسساتية" يتم تقاسم مغانمها بينما يحتفظ الحزب بالقرار الفعلي. التغول على القضاء كان الحلقة الأبرز في هذا المسار، خاصة في قضية تفجير مرفأ بيروت، حيث رأى العالم كيف تم تهديد القضاة وتعطيل التحقيقات بقوة السلاح والترهيب لمنع كشف الحقيقة التي قد تدين منظومة التهريب والتخزين التابعة للدويلة. هذا التغول القضائي هو قمة "السيولة" التي وصلت إليها الدولة، حيث لا عدالة لمن هم خارج مظلة الحزب، ولا حصانة لمن هم داخل مؤسسات القانون. إن إفلات القتلة والمجرمين من العقاب هو الذي يكرس حالة اليأس لدى الشعب ويجعل من فكرة "الدولة" مجرد وهم جميل بينما الحقيقة المرة هي "سلطة الأمر الواقع" المسلحة.
علاوة على ذلك، فإن الدويلة الصلبة تعتمد على استراتيجية "استعمار العقول" عبر مناهج تربوية وإعلامية تكرس التبعية للخارج وتنزع عن اللبنانيين هويتهم الوطنية لصالح هوية مذهبية عابرة للحدود. يتم تصوير الفساد والانهيار والسرقة كأنها "مؤامرة كونية" بينما يغض الطرف عن المسؤول الحقيقي الذي يمسك بمفاتيح السلطة ويعطل كل مبادرات الإصلاح. هذا التزييف للوعي هو الذي يسمح باستمرار النهب الممنهج لمقدرات الدولة تحت ستار "الممانعة"، وهو الذي يبرر تحويل لبنان من "مستشفى وجامعة الشرق" إلى "مصنع كبتاغون ومصدر للميليشيات". إن الدولة السائلة ليست ضعيفة بطبعها، بل هي دولة تم "تسييلها" عمداً عبر نخر عظامها المؤسساتية لتبرز الميليشيا كالعظم الوحيد الصلب في جسد متهالك.
إن الطريق لاستعادة لبنان لا يمر عبر الصفقات السياسية الهشة التي تعيد إنتاج المحاصصة، بل عبر مواجهة حقيقية لهذا "النخر البنيوي". إن إنهاء حالة الشلل السيادي يتطلب أولاً نزع الشرعية عن البديل الميليشياوي واستعادة احتكار الدولة للسلاح والقانون. لا يمكن لدولة أن تحترم نفسها وهي تدار بـ "ريموت كنترول" من طهران، ولا يمكن لشعب أن يزدهر وهو يرى أمواله ومقدراته تذهب لتمويل حروب إقليمية وتجارة سموم دولية. إن صمود الدويلة الصلبة يعتمد كلياً على استمرار سيولة الدولة وفشلها، ولذلك فإن كل خطوة نحو الإصلاح الحقيقي ومكافحة الفساد وتفعيل القضاء هي بمثابة طعنة في قلب مشروع الهيمنة الإيراني في لبنان.
في الختام، يبقى الصراع في لبنان هو صراع بين فكرتين: فكرة الدولة المدنية القوية التي تحمي مواطنيها بقوة القانون، وفكرة الدويلة الثيوقراطية التي تتسلط عليهم بقوة السلاح والخرافة. إن التجارب المريرة التي مر بها اللبنانيون من اغتيالات وإفلاس وتفجيرات أثبتت أن الميليشيا لا يمكن أن تكون بديلاً للدولة، بل هي العائق الأول والأساسي أمام قيامها. إن الدولة السائلة هي الثمن الذي تدفعه الشعوب عندما تسمح للتنظيمات العقائدية بنخر مؤسساتها، والدويلة الصلبة هي السجن الذي يُبنى بجدران الفساد والإرهاب والكبتاغون. إن استعادة السيادة تبدأ بكسر هذا التبرير الزائف لوجود السلاح، والتأكيد على أن لبنان لا يمكن أن ينهض إلا بجيش واحد، وقانون واحد، وانتماء واحد للوطن، بعيداً عن أوامر الولي الفقيه وأوهام الإمبراطورية التي لا تخلف وراءها سوى الخراب والتبعية والإفلاس. إن صرخة الشعب اللبناني في وجه هذا التغول هي البداية لنهاية عصر الدويلة، وبداية استعادة الدولة لصلابتها وكرامتها وسيادتها المفقودة.





.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...