Translate

الاستعمار بالوكالة: النموذج الإيراني في المشرق وصناعة الخراب تحت عباءة السرداب (مقال)

.

.
الاستعمار بالوكالة: النموذج الإيراني في المشرق وصناعة الخراب تحت عباءة السرداب




تمثل التجربة الإيرانية في التمدد الإقليمي منذ عام ألف وتسعمائة وتسعة وسبعين منعطفاً خطيراً في مفهوم العلاقات الدولية والسيادة الوطنية، حيث استبدلت طهران الاستعمار العسكري المباشر بنموذج "الأذرع العقائدية" العابر للحدود. إن هذا "الاستعمار بالوكالة" لم يكن مجرد استراتيجية دفاعية كما يروج ملالي طهران، بل كان مشروعاً توسعياً يعتمد على نخر المجتمعات من الداخل عبر خلق كيانات موازية تدين بالولاء المطلق للولي الفقيه بدلاً من أوطانها. إن هذا النموذج الذي اتخذ من "حزب الله" اللبناني نموذجاً رائداً أو "خريطة طريق" تم تعميمه لاحقاً في العراق واليمن وسوريا، مما أدى إلى تحويل هذه الدول إلى ساحات مفتوحة للصراعات الإقليمية ومستعمرات غير معلنة تخدم مصالح النظام الثيوقراطي الإيراني. إن جوهر هذا المشروع يستند إلى خليط من الأطماع الجيوسياسية والخرافات الدينية البالية، حيث يتم سوق آلاف الشباب نحو محارق الموت بذريعة التمهيد لظهور "المهدي المنتظر" الذي يزعمون أنه قابع في السرداب، بينما الحقيقة هي أن دماء هؤلاء الشباب ليست سوى وقود لبقاء نظام متخلف يقتات على دمار جيرانه.
لقد شكل حزب الله اللبناني المختبر الأول والأساسي لهذا النوع من الاستعمار، حيث عمل الحرس الثوري الإيراني منذ أوائل الثمانينيات على بناء تنظيم لا يكتفي بالدور العسكري، بل يتغلغل في بنية الدولة والمجتمع ليصبح "الدويلة" التي تبتلع "الدولة". هذا النموذج الرائد اعتمد على ركيزتين: الأولى هي "الشرعية العقائدية" المرتبطة بولاية الفقيه، والثانية هي "الاستقلال المالي والعسكري" عن مؤسسات الدولة اللبنانية. ومن خلال هذا التفوق المسلح المدعوم من طهران، استطاع الحزب تحويل لبنان من منارة للثقافة والحداثة في المشرق إلى قاعدة عسكرية متقدمة ومنصة لتصدير الأزمات. إن نجاح إيران في اختطاف السيادة اللبنانية عبر هذا الوكيل جعلها تعتمد هذا المخطط كـ "كاتالوج" جاهز للتطبيق في كل دولة عربية تعاني من هشاشة مؤسساتية أو اضطرابات سياسية، مما حول المشرق العربي إلى حقل تجارب لآيديولوجية الموت والتبعية.
في العراق، وبعد عام ألفين وثلاثة، بدأت إيران بتنفيذ نسخة أكثر تعقيداً وضخامة من نموذج حزب الله، حيث استغلت الفراغ الأمني لتفريخ عشرات الميليشيات التي تتبع مباشرة لفيلق القدس. إن هذه الأذرع لم تكتفِ بالسيطرة العسكرية، بل تغلغلت في مفاصل الاقتصاد والسياسة، محولةً بلداً غنياً مثل العراق إلى رئة اقتصادية للنظام الإيراني المحاصر دولياً. الجرائم التي ارتكبها ملالي إيران عبر وكلائهم في العراق، من تصفية الناشطين إلى قمع الاحتجاجات الشعبية ونهب مقدرات الدولة، تعكس بوضوح وجه الاستعمار بالوكالة الذي لا يرى في الإنسان العراقي سوى أداة لتعزيز النفوذ الفارسي. إن تحويل المدن العراقية إلى مناطق نفوذ ميليشياوية هو تطبيق حرفي للرؤية الإيرانية التي ترى في "الجغرافيا الشيعية" مجرد ساحة خلفية لحماية نظام طهران، حتى لو كان الثمن تدمير النسيج الاجتماعي العراقي وإغراق البلاد في أتون الطائفية والفساد الممنهج.
أما في اليمن، فقد وجدت إيران في جماعة الحوثي وكيلاً رخيصاً ومؤثراً لتهديد أمن الخليج العربي والملاحة الدولية. لقد تم استنساخ تجربة حزب الله في اليمن عبر التدريب والتسليح والبروباغندا الإعلامية، لدرجة أن الخطاب الحوثي أصبح صدىً باهتأً لخطابات الضاحية الجنوبية وطهران. هذا الاستعمار بالوكالة حول اليمن من "اليمن السعيد" إلى أكبر مأساة إنسانية في العصر الحديث، حيث يتم تجويع الشعب اليمني وتدمير مؤسساته لصالح مغامرات إقليمية تهدف لإطباق الخناق على المنافسين الإقليميين لإيران. إن الملالي الذين يزعمون نصرة المستضعفين، هم أنفسهم الذين يحرمون الطفل اليمني من الغذاء والدواء ليصنعوا صواريخاً ومسيرات لا تخدم إلا استمرارية بقاء "سلطة الفقيه"، في مشهد يبرز قمة النفاق السياسي الممتزج بالخرافة المذهبية.
تجلت وحشية هذا النموذج الاستعماري في أبشع صورها على الأراضي السورية، حيث هبت إيران وأذرعها من كل حدب وصوب لحماية نظام الأسد ليس حباً فيه، بل حمايةً لـ "الجسر البري" الذي يربط طهران ببيروت. إن الجرائم التي ارتكبها الحرس الثوري وميليشياته في حلب وحمص والقصير ومضايا، من حصار وتجويع وتهجير قسري، هي وصمة عار في تاريخ البشرية. لقد تحولت سوريا بفضل هذا التدخل إلى مستعمرة إيرانية ممزقة، حيث تم شراء الأراضي والعقارات وتغيير الديموغرافيا لصالح مشروع التوسع الثيوقراطي. إن هؤلاء الملالي الذين يتحدثون عن "تحرير القدس" لم يقتلوا في طريقهم سوى السوريين واللبنانيين والعراقيين، مما يثبت أن "القدس" في معجمهم ليست سوى قميص عثمان لتبرير استعمار العواصم العربية ونحر شعوبها.
إن الخطورة الكبرى في هذا الاستعمار تكمن في غطائه "المقدس" المستمد من خرافات بالية لا تمت للعقل أو الدين بصلة. إن إقناع المقاتلين بأنهم يمهدون الطريق لظهور "المهدي المنتظر" القابع في السرداب، هو عملية تزييف كاملة للوعي تهدف لتجريد الفرد من إنسانيته ومواطنته. كيف يمكن لإنسان عاقل في القرن الحادي والعشرين أن يبني سياسات دول ومصائر شعوب بناءً على مرويات تاريخية متخيلة؟ لكن الملالي يدركون أن "الخرافة" هي الأداة الأقوى للسيطرة على العوام؛ فمن خلالها يتم تبرير القمع في الداخل وتصدير الإرهاب للخارج. إن هذا النظام المتخلف يخشى العقل والعلم والحداثة، لذا فهو يستعيض عنها بروحانيات زائفة تقدس الموت والندب والولاء المطلق للفقيه، محولاً الدين من رسالة أخلاقية إلى "أيديولوجية استعمارية" فاشية.
لقد تسبب هذا الاستعمار بالوكالة في إفلاس الدول التي دخلها، فالعراق ولبنان واليمن وسوريا تعاني جميعاً من انهيارات اقتصادية مروعة وتفشي للمخدرات والفساد تحت رعاية الأذرع الإيرانية. إن إيران لا تصدر لهذه الدول التكنولوجيا أو التنمية، بل تصدر لها "الكبتاغون" والميليشيات وصواريخ القلق. إنها تسرق مقدرات هذه الشعوب لتمويل طموحاتها النووية وصناعة أدوات القمع، بينما يعاني الشعب الإيراني نفسه من الجوع والاضطهاد. إن ما يفعله الملالي هو عملية "نهب منظم" لثروات المشرق العربي، حيث تُدار المؤسسات الوطنية في هذه الدول كشركات تابعة لمكتب الولي الفقيه، مما يجعل من فكرة "الدولة الوطنية" مجرد وهم في ظل وجود الدويلة المسلحة.
إن مواجهة هذا النموذج الإيراني لا تكون فقط بالسلاح، بل بكسر "الخرافة" التي يرتكز عليها. إن كشف زيف الادعاءات الإيرانية بحماية المقدسات أو نصرة المظلومين هو الخطوة الأولى لاستعادة السيادة المختطفة. إن العالم العربي مطالب اليوم بإدراك أن ملالي طهران لا يختلفون عن أي قوة استعمارية تقليدية، بل هم أسوأ، لأنهم يستعمرون "العقول" قبل "الأرض". إن التمسك بمفهوم الدولة المدنية والمواطنة هو الترياق الوحيد ضد سموم "الوكالة العقائدية". فالشعوب التي تدرك كرامتها وترفض التبعية للخارج لا يمكن سحقها بخرافات السرداب أو بصواريخ الوكلاء.
علاوة على ذلك، فإن "الاستعمار بالوكالة" خلق حالة من الاستقطاب الطائفي غير المسبوق في المنطقة، وهو استقطاب يخدم بقاء النظام الإيراني لأنه يقدم نفسه كـ "حامٍ" للطائفة ضد "الأعداء" الوهميين. إن هذا التمزيق للنسيج الاجتماعي العربي هو الجريمة الكبرى التي لن تنساها الأجيال؛ فقد حولوا الجيران إلى أعداء، والإخوة إلى مقاتلين في جبهات متقابلة، كل ذلك ليبقى الفقيه في طهران آمناً على عرشه. إنهم يتاجرون بالمظلوميات التاريخية ليصنعوا مظلوميات جديدة ومعاصرة تفوق سابقاتها في القسوة والدموية.
إن السحق الذي يتعرض له هذا المشروع حالياً في عدة جبهات، والانكسارات التي حلت ببعض الأذرع الكبرى، تثبت أن "القوة المبنية على الزيف" لا يمكن أن تصمد للأبد. إن الشعوب في لبنان والعراق وإيران نفسها بدأت تعي أن هذا النظام هو العدو الأول لاستقرارها ورفاهيتها. إن الملالي الذين ظنوا أنهم امتلكوا المنطقة عبر ميليشياتهم، يكتشفون اليوم أن إرادة الحياة أقوى من ثقافة الموت، وأن "السرداب" ليس سوى سجن فكري يحاولون حبس المنطقة فيه، بينما العالم يتحرك نحو آفاق أرحب من العلم والحرية والتعاون الإنساني.
في الختام، إن الاستعمار بالوكالة هو الوجه القبيح للسياسة الإيرانية في المشرق، وهو مشروع بني على أنقاض الدول والكرامة الإنسانية. إن رحلة التحرر من هذا الاستعمار تبدأ بتسمية الأشياء بمسمياتها؛ فحزب الله ليس مقاومة، والحوثي ليس ثورة، والميليشيات العراقية ليست حشداً وطنياً، بل هم جميعاً "أدوات استعمارية" في يد نظام ثيوقراطي متخلف. إن مستقبل المشرق العربي يعتمد على قدرته على لفظ هذه الأجسام الغريبة واستعادة سيادته بعيداً عن أوامر طهران وخرافاتها البالية. إن دماء الأبرياء في بيروت وبغداد وصنعاء ودمشق تصرخ في وجه القتلة، مؤكدة أن "المهدي" الحقيقي الذي تنتظره الشعوب هو "العدالة والحرية ودولة القانون"، وليس من يخرج ليقتل ويبيد باسم الغيب. إن عصر الاستعمار بالوكالة إلى زوال، وستبقى الشعوب صامدة، بينما تذهب الخرافات وأصحابها إلى مزابل التاريخ.





.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...