Translate

خيانة الأرز: اغتيال رفيق الحريري وبنية الإرهاب العقائدي العابر للحدود (مقال)

.


.
خيانة الأرز: اغتيال رفيق الحريري وبنية الإرهاب العقائدي العابر للحدود





تمثل لحظة انفجار الرابع عشر من شباط عام ألفين وخمسة في قلب العاصمة اللبنانية بيروت زلزالاً لم تتوقف ارتداداته عن خلخلة بنيان الدولة اللبنانية والمنطقة برمتها حتى يومنا هذا. إن اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري لم يكن مجرد عملية تصفية لخصم سياسي عنيد، بل كان قراراً استراتيجياً اتخذه المحور الإيراني ونفذته أداته الضاربة في لبنان المتمثلة في حزب الله، بهدف إزاحة مشروع الدولة المدنية وإحلال مشروع الهيمنة الثيوقراطية المسلحة مكانه. وعند قراءة هذا الحادث الجلل في سياق ما توصلت إليه المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وبالربط مع البنية التنظيمية الحديدية لحزب الله، نجد أنفسنا أمام حقيقة ساطعة تؤكد أن الجريمة لم تكن لتتم دون أمر مباشر من قيادة الحزب العليا المرتبطة عضوياً وشرعياً بنظام الولي الفقيه في طهران.
إن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وبعد سنوات من التحقيقات التقنية المعقدة التي استندت إلى داتا الاتصالات والتحليل الجنائي الرقمي، وضعت النقاط على الحروف حين أدانت سليم عياش، الكادر الرفيع في حزب الله، وحكمت عليه بالسجن المؤبد خمس مرات لارتكابه أعمالاً إرهابية وقتل الحريري وواحد وعشرين آخرين. ورغم أن المحكمة، بمعاييرها القانونية الصارمة التي تتطلب دليلاً حسياً مباشراً لإدانة الهرم القيادي، لم تذهب لتسمية القيادة العليا رسمياً، إلا أن الاستنتاج المنطقي والسياسي لا يقبل التأويل. فنحن نتحدث عن تنظيم لا يعرف العمل الفردي أو الانشقاق العملياتي، بل هو تشكيل ميليشياوي يعتنق مبدأ الطاعة العمياء للقيادة تحت مسمى التكليف الشرعي. إن سليم عياش ومن معه من المدانين مثل حسن مرعي وحسين عنيسي، لم يكونوا هواة يمارسون العنف بدافع شخصي، بل كانوا جزءاً من ماكينة أمنية محترفة تأخذ أوامرها من غرفة عمليات مركزية تديرها قيادة الحزب بالتنسيق مع الحرس الثوري الإيراني.
تتجلى الحقيقة في أن حزب الله ليس حزباً سياسياً لبنانياً بالمعنى التقليدي، بل هو ذراع عسكرية وأمنية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، أُسس بقرار إيراني خالص في أوائل الثمانينيات ليكون رأس الحربة في مشروع تصدير الثورة. ومنذ نشأته، ارتبط اسم هذا التنظيم بسلسلة طويلة من العمليات الإرهابية التي استهدفت المصالح العربية والدولية، مما يجعل اغتيال الحريري حلقة في جنزير طويل من الدم. فإذا عدنا بالذاكرة إلى الثامن عشر من نيسان عام ألفين وتسعمائة وثلاثة وثمانين، نجد تفجير السفارة الأمريكية في بيروت الذي أسفر عن مقتل ثلاثة وستين شخصاً، ثم التفجير المزدوج لمقر المارينز والقوات الفرنسية في تشرين الأول من العام نفسه، والذي حصد أرواح مائتين وواحد وأربعين جندياً أمريكياً وثمانية وخمسين جندياً فرنسياً. هذه العمليات الضخمة لم تكن مجرد ردود فعل عفوية، بل كانت تنفيذاً لأجندة إيرانية واضحة لإخراج القوات الدولية من لبنان وبسط السيطرة عليه، تماماً كما كان اغتيال الحريري تنفيذاً لأجندة إخراج المشروع العربي والدولي من بيروت.
إن السجل الإرهابي لهذا التنظيم يتجاوز الحدود اللبنانية ليصل إلى القارات البعيدة، مؤكداً طبيعته كأداة إجرامية عالمية. ففي عام ألف وتسعمائة واثنين وتسعين، استهدف الحزب السفارة الإسرائيلية في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس بسيارة مفخخة، مما أدى إلى مقتل تسعة وعشرين شخصاً وإصابة المئات. وبعد عامين فقط، عاد الحزب ليضرب المركز اليهودي في المدينة نفسها في تموز عام ألف وتسعمائة وأربعة وتسعين، مخلفاً خمسة وثمانين قتيلاً وأكثر من ثلاثمائة جريح في واحدة من أفظع العمليات الإرهابية في تاريخ أمريكا اللاتينية. إن تكرار هذه النماذج العملياتية يثبت أن الحزب يمتلك وحدة عمليات خارجية متخصصة في الاغتيالات والتفجيرات، وهي الوحدة التي يتزعمها قادة يرتبطون مباشرة بالأمن الإيراني، مما يدحض أي فرضية حول "الأعمال الفردية" لعناصره.
عندما نطبق هذا التحليل التاريخي على قضية اغتيال الحريري، نجد أن الخلية التي نفذت العملية بقيادة سليم عياش والمشرف عليها مصطفى بدر الدين، الصهر السابق لعماد مغنية، كانت تتحرك وفق بروتوكول أمني صارم. فالمحكمة الدولية أثبتت وجود شبكات هواتف "حمراء" و"خضراء" و"زرقاء" تم استخدامها حصراً لمراقبة موكب الحريري وتنسيق لحظة التفجير. إن هذا المستوى من التنسيق يتطلب ميزانيات ضخمة، وغطاءً أمنياً شاملاً، وقراراً سياسياً كبيراً لا يجرؤ أي كادر حزبي على اتخاذه بمفرده في تنظيم يُعد الخروج فيه عن أمر "الولي الفقيه" خروجاً عن الملة والدين. فالحريري كان يمثل عقبة كأداء أمام مشروع "قوس النفوذ الإيراني" الممتد من طهران إلى بيروت، حيث كان يطمح لبناء دولة قوية، واقتصاد منفتح، وعلاقات متينة مع العمق العربي، وهو ما يتناقض جذرياً مع رغبة إيران في تحويل لبنان إلى مخزن للصواريخ ومنصة للتهديد الإقليمي.
لم يكتفِ حزب الله باغتيال الحريري جسدياً، بل عمل على اغتيال الدولة اللبنانية مؤسساتياً عبر سلسلة من الاغتيالات اللاحقة التي استهدفت كل صوت سياسي أو إعلامي تجرأ على اتهامه أو المطالبة بالعدالة. فمن سمير قصير وجبران تويني إلى بيار الجميل ووليد عيدو وأطنان من الشخصيات الوطنية اللبنانية، كانت الرسالة واحدة: أي محاولة لبناء مجال مدني بعيد عن الهيمنة الثيوقراطية سيكون ثمنها الموت. إن حماية الحزب للمتهمين والمدانين في قضية الحريري، ووصف نصر الله لهم بـ "القديسين" ورفض تسليمهم للعدالة الدولية، هو اعتراف ضمني ومباشر بتبني الجريمة. ففي الدول التي تحترم نفسها، يتم محاسبة من يرتكب جرماً، ولكن في "دويلة الحزب"، يتم تكريم القاتل لأنه نفذ "التكليف الشرعي" الصادر من طهران.
إن الخطورة في هذا التنظيم لا تكمن فقط في كونه يمتلك السلاح، بل في كونه يمتلك عقيدة إلغائية ترى في كل من يخالف مشروع الولي الفقيه "عدواً لله". هذه العقيدة هي التي بررت للحزب الدخول في الحرب السورية عام ألفين وثلاثة عشر لقتل الشعب السوري حمايةً لنظام الأسد، شريك إيران وحليف الحزب في جريمة اغتيال الحريري. وفي سوريا، ارتكب الحزب مجازر موثقة بالتواريخ والأرقام، حيث ساهم في حصار وتجويع وقتل الآلاف في مضايا والقصير والقلمون، مما يؤكد أن الإرهاب الذي ضرب بيروت في شباط ألفين وخمسة هو نفس الإرهاب الذي ضرب المدن السورية، والمصدر دائماً واحد: غرفة العمليات المشتركة في طهران.
وبالنظر إلى المستقبل، فإن وجود تنظيم ميليشياوي مسلح يدين بالولاء لدولة أجنبية ويستخدم الإرهاب أداةً سياسية يمثل العائق الأكبر أمام استقرار الشرق الأوسط. إن مقتل رفيق الحريري لم يكن نهاية المطاف، بل كان بداية مرحلة من "الاستعمار الإيراني المقنع" للبنان، حيث تم إفراغ المؤسسات الدستورية من محتواها وتحويل الجيش اللبناني إلى قوة ثانوية أمام ترسانة الحزب غير الشرعية. إن الأدلة التي قدمتها المحكمة الدولية، رغم كونها تقنية، إلا أنها ترسم صورة كاملة لمنظمة إجرامية عابرة للحدود، تستخدم الدين ستاراً لتنفيذ أجندات جيوسياسية تهدف إلى تدمير النسيج الاجتماعي العربي وتكريس التبعية لإيران.
ختاماً، إن الوفاء لدم رفيق الحريري ولكل ضحايا الإرهاب الإيراني في لبنان والعالم يتطلب تسمية الأشياء بمسمياتها. حزب الله ليس مقاومة، بل هو تنظيم إرهابي عقائدي، وجزء لا يتجزأ من المنظومة الأمنية الإيرانية. وتاريخه الحافل بالدم، من تفجيرات بيروت في الثمانينيات إلى اغتيال الحريري في الألفية الجديدة، وصولاً إلى التدخل الدموي في سوريا واليمن، يثبت أنه لا يمكن التعايش مع هذا النموذج من التنظيمات داخل إطار الدولة الوطنية. إن الطريق الوحيد لاستعادة سيادة لبنان وكرامة شعبه يبدأ من تفكيك هذه الميليشيا الإرهابية ومحاسبة قادتها الذين أعطوا الأوامر بالقتل، والتأكيد للعالم أن التكليف الشرعي لا يمكن أن يكون رخصة للاغتيال، وأن دماء الحريري ستبقى شاهدة على خيانة الحزب للوطن لصالح أوهام الإمبراطورية الإيرانية الزائلة.





.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...