Translate

سراب الوحي الأمازيغي: قرآن برغواطة وهندسة الهوية في مواجهة المركزية العربية الإسلامية (مقال)

.


.
سراب الوحي الأمازيغي: قرآن برغواطة وهندسة الهوية في مواجهة المركزية العربية الإسلامية




تمثل قصة دولة برغواطة التي قامت في بلاد المغرب الأقصى، وتحديداً في منطقة تامسنا ما بين القرن الثاني والسادس الهجري، واحدة من أكثر التجارب التاريخية إثارة للجدل والدهشة في آن واحد، فهي ليست مجرد حركة سياسية عابرة، بل هي مشروع ثقافي وديني متكامل قام على أنقاض التهميش والظلم الأموي، محاولاً صياغة هوية وطنية أمازيغية من خلال "كتاب مقدس" بديل عُرف بقرآن برغواطة. إن حقيقة هذا الكتاب وظروف نشأته تكشف لنا بوضوح عن الآلية البشرية البحتة التي تُصنع بها الأديان والكتب التي توصف بالسماوية، حيث يتم استلهام الهياكل القائمة وإعادة ملئها بمضامين تتناسب مع البيئة المحلية والمصالح السياسية للحاكم الجديد. إن التجربة البرغواطية هي مختبر تاريخي يثبت أن "السماء" لم تكن يوماً مصدراً لهذه النصوص، بل إن الحاجة البشرية الماسة لامتلاك "مقدس" خاص هو الذي يدفع القادة العباقرة مثل صالح بن طريف إلى محاكاة النماذج الناجحة لصناعة شرعية تتجاوز منطق القوة العسكرية.
بدأت قصة هذا القرآن مع صالح بن طريف، الشخصية الكاريزمية التي جمعت بين المعرفة اللغوية والذكاء السياسي والخبرة العسكرية، حيث أدرك صالح أن الأمازيغ الذين اعتنقوا الإسلام كدين للمساواة صُدموا بممارسات الولاة العرب الذين عاملوهم كمواطنين من الدرجة الثانية وفرضوا عليهم الجزية رغم إسلامهم. من هذا الاحتقان ولد المشروع البرغواطي؛ فإذا كان العرب يفتخرون بأن القرآن نزل بلسانهم، فلماذا لا يكون للأمازيغ قرآن بلسانهم أيضاً؟ كانت الغاية الأساسية من كتابة هذا النص هي تحقيق الاستقلال التام والقطيعة المعرفية مع الخلافة المشرقية، وتحويل المجتمع البرغواطي من مجتمع تابع لغوياً وروحياً لدمشق أو بغداد إلى مركز إمبراطوري يمتلك "وحيه" الخاص وقوانينه التي تعبر عن بيئته المحلية وظروفه الاجتماعية والبيئية في شمال أفريقيا.
لقد كتب صالح بن طريف قرآنه باللغة الأمازيغية القديمة، واستخدم في كتابته الحروف العربية التي كانت لغة الإدارة والعلم في ذلك العصر، ليكون النص مفهوماً ومقروءاً لنخبته. تذكر الشواهد التاريخية، وعلى رأسها ما نقله المؤرخ البكري في كتابه المسالك والممالك، أن هذا الكتاب كان يتكون من ثمانين سورة، سُميت بأسماء كائنات وظواهر طبيعية كانت تشكل جزءاً من الوعي اليومي للأمازيغ، مثل سورة الديك وسورة الجراد وسورة الكلب وسورة هاروت وماروت وسورة إبليس. إن هذه التسميات بحد ذاتها تكشف عن "بيئية" النص؛ فهو نص لا يتحدث عن الإبل والرمال وصراعات قريش، بل يتحدث عن الكائنات التي تحيط بالفلاح الأمازيغي، مما يجعله أكثر قرباً وقبولاً لدى العامة الذين وجدوا فيه ديناً يشبههم ويخاطب واقعهم بلغتهم الأم.
أما بالنسبة لنقاط التشابه والاختلاف بين قرآن برغواطة والقرآن العربي، فهي تكشف عن "هندسة المحاكاة" التي اتبعها صالح بن طريف. من حيث الهيكل، التزم صالح بنموذج السورة والآية، وبدأ فصول كتابه بعبارات افتتاحية تشبه البسملة مثل "باسم الله الذي أرسل هذا الكتاب إلى الناس"، وهو ما يؤكد أن النص لم يكن ابتكاراً من العدم، بل كان "إعادة تدوير" للهيكل الإسلامي بصبغة قومية. في المقابل، تكمن الاختلافات في التشريعات والطقوس؛ فقد غير صالح أوقات الصلاة وصيغتها، وحرّم أكل رأس الحيوان، واعتبر صيام شهر رجب بدلاً من رمضان فريضة، وأجاز تعدد الزوجات بلا حدود، مما يعكس رغبة في التميز الهوياتي. هذه الاختلافات لم تكن وحياً، بل كانت قرارات سياسية بامتياز تهدف لصناعة "شخصية وطنية" برغواطية تختلف في سلوكها اليومي عن المسلمين العرب، لضمان تماسك الجبهة الداخلية ضد أي غزو خارجي.
فيما يخص الشواهد التاريخية، فإن ما وصلنا من قرآن برغواطة هو شذرات قليلة جداً نقلها المؤرخون الذين عاصروا الدولة في أواخر عهدها أو قرأوا عنها في كتب مفقودة. لا توجد اليوم نسخة كاملة وموجودة من هذا القرآن، والسبب في ذلك هو سياسة "المحو المعرفي" التي انتهجها المرابطون ثم الموحدون بعد سقوط دولة برغواطة عسكرياً. لقد أدرك الفقهاء المنتصرون أن بقاء هذا النص يمثل خطراً مستمراً على "وحدة العقيدة" التي يفرضونها، فقاموا بحرق كل النسخ المتاحة وملاحقة كل من يحفظ شيئاً من هذا السجع. إن اختفاء قرآن برغواطة ليس دليلاً على زيفه مقابل صدق غيره، بل هو دليل على أن "التاريخ يكتبه المنتصر" وأن بقاء الكتب لا يعود لأصلها السماوي، بل لقوة الجيوش التي تحميها والمؤسسات التي تؤبد وجودها.
إن تجربة برغواطة تقدم لنا أحسن دليل على أن السماء لا ترسل كتباً، بل إن البشر هم الذين يكتبون الكتب وينسبونها للسماء. لو كانت الكتب سماوية، لكانت حقائقها عابرة للزمان والمكان واللغات، ولما احتجنا لصالح بن طريف ليترجم مراد الله للأمازيغ بلغتهم. إن حقيقة أن كل كتاب مقدس يعبر بدقة متناهية عن بيئة كاتبه، واهتماماته السياسية، ومحدوديته المعرفية، تثبت أننا أمام ظاهرة ثقافية بشرية. فقرآن برغواطة الذي يتحدث عن الديك والجراد هو صنو للقرآن العربي الذي يتحدث عن الإبل والخيام، وكلاهما يعبر عن لحظة تاريخية حاول فيها الإنسان أن يمنح قوانينه الأرضية طابعاً أزلياً لضمان الطاعة والاستمرارية.
إن تعدد هذه الكتب التي تدعي المصدر الإلهي، وسخرية أتباع كل كتاب من الكتب الأخرى، هو الفضيحة الكبرى لفكرة الوحي. فالمسلم يسخر من قرآن برغواطة ويعتبره دجلاً وسجعاً ركيكاً، بينما يرى البرغواطي في كتابه "الحق الذي أنقذه من هيمنة العرب". هذه النسبية في التقديس تظهر أن "المقدس" ليس صفة ذاتية في النص، بل هو قرار جماعي تتخذه القبيلة أو الدولة. إن السماء صامتة تماماً، والضجيج الذي نسمعه في الكتب هو ضجيج الصراعات البشرية على السلطة والجاه وتأكيد الذات في مواجهة الآخر. لقد كان قرآن برغواطة أداة لتحرير الأمازيغ من التبعية السياسية، واستخدم الخرافة سلاحاً في معركة الوجود، تماماً كما استخدمت قريش وغيرها نصوصها لصناعة إمبراطورياتها.
في الختام، يظل قرآن برغواطة شهادة تاريخية حية على عبقرية الإنسان في اختراع "الآلهة" وتدوين "كلماتها". إنه يذكرنا بأن الأديان هي مشاريع وطنية وقومية في جوهرها، تتدثر بعباءة الغيب لتمارس السيادة على العقول. إن ضياع النسخة المادية لهذا القرآن لا يقلل من قيمته المعرفية كدليل على بشرية النصوص؛ فكل ما قيل عن "إعجاز" و"وحي" في هذا الكتاب أو غيره هو من نتاج غسيل الأدمغة المتواصل الذي تمارسه السلطة. السيادة الحقيقية اليوم هي سيادة العقل الذي يرى في هذه الكتب أرشيفاً للجهد البشري في البحث عن الهوية والقوة، ويدرك أن السماء لم ولن تكتب حرفاً واحداً، بل نحن من نكتب ونحن من نقدس ونحن من نصدق الأكذوبة التي صنعناها بأيدينا لنهرب من صمت الكون اللامتناهي. الحقيقة هي أن برغواطة سقطت لأن جيشها هُزم، وليس لأن "وحيها" كان كاذباً، فالحق التاريخي دائماً هو رفيق المنتصر ولسانه.




.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...