Translate

سقوط الأقنعة: تهافت السردية السماوية وهندسة الاستلاب البشري (مقال)

.


.
سقوط الأقنعة: تهافت السردية السماوية وهندسة الاستلاب البشري




تعد قضية الكتب التي توصف بأنها سماوية واحدة من أعقد الإشكاليات التي واجهت العقل البشري عبر عصوره المختلفة، ليس من حيث مضامينها التشريعية أو الأخلاقية فحسب، بل من حيث أصلها الوجودي وادعاء مصدرها المتعالي. إن القراءة النقدية المتفحصة لتاريخ الأديان والأنثروبولوجيا الثقافية تكشف عن حقيقة مغيبة تحت ركام التقديس، وهي أن هذه الكتب ليست سوى نتاجات بشرية خالصة، صيغت في ظروف تاريخية وسياسية واجتماعية معينة لخدمة أغراض دنيوية محضة. إن استحالة إثبات "سماوية" أي نص من هذه النصوص من الناحية العلمية أو المنطقية تضعنا أمام مواجهة حتمية مع واقع يشي بأننا أمام منظومة من الادعاءات التي صممت بعناية لاستغفال الجماهير واستغلال عواطفهم الروحية لتحقيق مكاسب فئوية أو فردية لمؤسسي هذه الدعوات ومن تلاهم من سدنة المعبد والمسترزقين من الخرافة.
إن التعدد الهائل في الكتب التي تدعي أنها من عند الآلهة عبر الزمان والمكان يمثل بذاته الدليل الأقوى والأنصع على زيفها جميعاً. فكل أمة أو جماعة بشرية انتجت كتابها الخاص، وأضفت عليه هالة من القداسة المطلقة، واعتبرته الحق الوحيد الذي لا يأتيه الباطل، بينما ينظر أتباع هذا الكتاب إلى كتب الآخرين بعين السخرية والتسفيه، معتبرين إياها أساطير وخرافات ومؤامرات شيطانية. هذه المفارقة تضع العقل المحايد أمام سؤال جوهري: لماذا يعجز كل إله "مزعوم" عن إقناع البشرية جمعاء بكتاب واحد؟ ولماذا تتطابق آليات "الإقناع" في كل هذه الكتب رغم تضاد محتوياتها؟ إن الإجابة تكمن في أن المصدر ليس واحداً متعالياً، بل هو المصدر البشري المتعدد الذي يعيد إنتاج مخاوفه وطموحاته السياسية في قالب لاهوتي.
تبدأ صناعة "الكتاب السماوي" دائماً من ادعاء فردي بالاتصال مع قوة غيبية، وهو ادعاء يستحيل التحقق منه مادياً أو تجريبياً. هذا "الانغلاق المعرفي" هو الحجر الأساس في بناء السلطة الدينية؛ فبمجرد أن يسلم الأتباع بصدق هذا الاتصال الغيبي، يتحول صاحب الادعاء إلى وسيط وحيد للحقيقة، ويصبح كلامه فوق النقد وفوق المساءلة. إن الغرض من هذه العملية في جوهرها هو بناء نظام سلطوي يمتلك أدوات السيطرة على العقول والأجساد والأموال تحت مسمى "الإرادة الإلهية". فالدين في مراحله الأولى ليس سوى مشروع سياسي يبحث عن شرعية تتجاوز منطق القوة العسكرية الصرفة، والكتب "السماوية" هي الدساتير التي تمنح هذا المشروع صبغة الأبدية والقداسة.
إذا تأملنا في محتويات هذه الكتب، نجدها تعكس بوضوح تام المدى المعرفي والجغرافي والبيئي للمجتمع الذي أُنتجت فيه. فالإله في الكتب المنسوبة للشرق الأدنى القديم يهتم بالخراف والإبل والقرابين الدموية، بينما في كتب حضارات أخرى قد يهتم بعناصر الطبيعة أو الأرواح. هذا التحيّز الجغرافي والثقافي ينسف فكرة "الشمولية الإلهية"؛ إذ كيف لرب الكون الفسيح أن يحشر رسالته في صراعات قبيلة صغيرة في بقعة جغرافية محدودة، ويستخدم لغتهم وأمثالهم الشعبية وأساطيرهم المحلية كمرجع كوني؟ الحقيقة هي أن الإنسان هو الذي صنع الإله على صورته ومثاله، وكتب "كلام الله" بمداد من ثقافته ومصالحه الضيقة، ثم ادعى أن هذا الكلام قد نزل عليه من السماء ليقطع الطريق على أي معارضة بشرية.
إن استغلال الناس واستغفالهم عبر هذه النصوص يتم من خلال منظومة معقدة من الترهيب والترغيب. فالجنة والنار، والوعيد بالعذاب الأليم، والوعد بالنعيم المقيم، كلها أدوات سيكولوجية جبارة تهدف إلى شل العقل النقدي ودفع الفرد نحو الطاعة العمياء. هذه "المقايضة الميتافيزيقية" تخدم بشكل مباشر المصالح الدنيوية للنخبة الحاكمة أو الدينية؛ فبينما ينتظر الفقير والمستضعف مكافأته في عالم غيبي لا وجود له، تستحوذ الطبقة "المقدسة" على السلطة والثروة في العالم الواقعي. إن الكتب السماوية عملت عبر التاريخ كمخدر طويل الأمد، يمنع الشعوب من المطالبة بحقوقها المادية والتقنية، ويجعلها تنصرف إلى الجدالات اللاهوتية العقيمة حول تأويل نصوص متناقضة وحمالة أوجه.
علاوة على ذلك، فإن ظاهرة "السطو الثقافي" و"إعادة التدوير اللغوي" بين هذه الكتب تؤكد بشريتها. فكل كتاب جديد يسرق من الذي قبله، مع تعديل المسميات والأسماء بما يتناسب مع المشروع السياسي الجديد. القصص التي توصف بأنها حقائق سماوية في التوراة، نجد أصولها في الأساطير السومرية والبابلية، ثم نجدها تعود من جديد في الإنجيل والقرآن مع صبغة محلية جديدة. هذا التواتر في "السرقات الأدبية" يثبت أننا أمام تراكم ثقافي بشري، حيث يقوم كل مدعي نبوة بـ "تبيئة" الموروث القديم ليخدم طموحه في السيادة. إن فكرة الأصالة في الأديان هي وهم تروجه المؤسسات الدينية لإخفاء الخيوط البشرية التي تربط بين كل هذه الخرافات.
إن التناقضات الصارخة داخل الكتاب الواحد، وبين الكتب المختلفة التي تدعي أنها من مصدر واحد، تمثل فضيحة منطقية للمدافعين عن سماوية هذه النصوص. فمرة نجد الإله رحيماً غفوراً، ومرة نجد جزاراً سفاكاً للدماء يطلب حرق المدن وقتل الأطفال. هذا التذبذب في "الشخصية الإلهية" ليس سوى انعكاس للحالة النفسية والظروف السياسية التي كان يمر بها الكاتب البشري أثناء صياغة النص. ففي لحظات الضعف يكتب نصوص التسامح، وفي لحظات القوة يكتب نصوص السيف والجزية والقتل. هذا "التقلب المصلحي" لا يمكن نسبته لخالق كون يتجاوز الزمان والمكان، بل هو سمة أصيلة في الصراعات البشرية على السلطة والجاه.
كما أن استمرارية الإيمان بهذه الكتب في العصور الحديثة لا يعود لقوة برهانها، بل لقوة "غسيل الأدمغة" الممنهج الذي يبدأ من الطفولة. فالمجتمعات تفرض هذه النصوص كحقائق مطلقة عبر أنظمة التعليم والإعلام والضغوط الاجتماعية، بحيث ينشأ الفرد وهو يقدس النص قبل أن يمتلك القدرة على قراءته نقدياً. إن المؤسسات الدينية، بالتعاون مع الأنظمة السياسية الفاشلة، تحرص على إبقاء الناس في حالة من الجهل المعرفي والارتهان للخرافة، لأن العقل الحر والمتعلم هو العدو الأول لـ "سلطة الكتاب". فالحقيقة لا تحتاج إلى ترهيب أو وعيد بالنار لكي تُقبل، بينما الأكاذيب تحتاج دائماً إلى سياج من العنف المعنوي والمادي لحمايتها من الانهيار.
إن السيادة السياسية والحضارية اليوم قد كشفت زيف هذه الكتب؛ فالدول التي تقدمت وحققت الرفاه لمواطنيها هي التي نحت هذه النصوص جانباً واعتمدت على العلم والواقع والمنطق البشري. بينما ظلت الشعوب التي لا تزال تبحث عن حلول لمشكلاتها التقنية والمادية في ثنايا نصوص تعود للعصر البرونزي أو العصور الوسطى في ذيل القافلة. إن التمسك بـ "سماوية" هذه الكتب هو في جوهره تمسك بالتبعية والتخلف، وهو اعتراف ضمني بالعجز عن مواجهة تحديات العصر بعقل حر ومستقل. إن استغفال الناس باسم الله هو أبشع أنواع الاستغلال، لأنه لا يسرق أموالهم وجهدهم فحسب، بل يسرق عقولهم وقدرتهم على التفكير الحر.
في الختام، إن الحقيقة التي يجب مواجهتها بشجاعة هي أن السماء صامتة، وأن كل ما نُسب إليها من كتب ووصايا وتشريعات هو كلام بشري، كتبه بشر، لخدمة مصالح بشر. إن تعدد هذه الكتب وتناحر أتباعها وسخرية كل فريق من الآخر هو الدليل الحسي والمنطقي على أنها جميعاً صناعة أرضية. إن الإنسانية لن تحقق سيادتها الكاملة إلا عندما تتحرر من عبودية هذه النصوص، وتدرك أن الأخلاق والعدالة والتقدم هي مسؤولية بشرية محضة، لا تحتاج إلى تفويض من قوى غيبية أو كتب تدعي القداسة بينما هي تفيض بالدماء والأساطير والأكاذيب التي صُممت لاستعباد الإنسان وتأبيد جهله. إن طريق الخلاص ليس في العودة إلى "نصوص الأولين"، بل في الانطلاق نحو أفاق العلم والمنطق وبناء حضارة تحترم العقل وتنبذ الخرافة أياً كان مصدرها أو المسمى الذي تتخفى وراءه.




.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...