Translate

تصدع اللاهوت السياسي وانكسار خرافة المدد: قراءة في غياب "الغيب" أمام واقعية الميدان (مقال)

.


.
تصدع اللاهوت السياسي وانكسار خرافة المدد: قراءة في غياب "الغيب" أمام واقعية الميدان




شكلت السردية الدينية العقائدية التي تبناها ما يُعرف بـ "محور المقاومة" على مدار عقود حجر الزاوية في بناء شرعيتهم السياسية والعسكرية، حيث استندت هذه الجماعات إلى مفهوم "الجماعة الربانية" و"الفئة المنصورة" التي تستمد قوتها لا من الحسابات المادية أو التفوق التقني، بل من "مدد غيبي" ووعد إلهي بالنصر المحتوم. غير أن الأحداث العاصفة التي تلت عملية السابع من أكتوبر عام ألفين وثلاثة وعشرين، وما تبعها من رد فعل عسكري إسرائيلي حاسم ومدمر، وضعت هذه السردية في مواجهة تاريخية قاسية مع الواقع. فبينما كان القادة يخطبون عن "نصر الله" وعن "الملائكة التي تقاتل في صفوفهم"، كانت الآلة الحربية المتطورة، المعتمدة على دقة الإحداثيات والذكاء الاصطناعي والتخطيط الاستراتيجي الصارم، تمسح الأرض بتنظيماتهم وتحصد قياداتهم واحداً تلو الآخر. هذا الانكشاف الميداني المروع لم يؤدِ فقط إلى انهيار عسكري، بل أحدث زلزالاً وجودياً ولاهوتياً لدى الأتباع والمراقبين على حد سواء، حيث لم يظهر لهذا "الإله" الذي حدثونا عنه أي أثر في الميدان، ولم يتدخل لمنع سقوط "الشهداء" أو لتوفير رغيف خبز لطفل جائع في غزة، مما يفتح الباب على السؤال الأخطر: هل كان هذا الله موجوداً حقاً في حسابات الواقع، أم أنه كان مجرد "اختراع أيديولوجي" سكن عقول مغسولي الأدمغة لتبرير انتحارهم الجماعي خدمةً لأجندة الولي الفقيه في طهران؟
إن غياب "التدخل الإلهي" المزعوم في معارك غزة ولبنان الأخيرة يمثل النهاية الفعلية لزمن المعجزات السياسية التي حاول الملالي ووكلاؤهم تسويقها. فمنذ اللحظة الأولى التي انطلقت فيها عملية السابع من أكتوبر، والتي اتسمت بمزيج من التهور والتبعية للأوامر الإيرانية، بدت الفجوة هائلة بين الخطاب الميتافيزيقي والواقع المادي. فالقيادات التي طالما ادعت أنها محمية بحصون غيبية، وجدت نفسها مكشوفة تماماً أمام أجهزة المخابرات والمسيرات التي لا تنام. لقد تم حصاد رؤوس الهرم القيادي في حماس وحزب الله بدقة جراحية، ولم تستطع كل الأدعية أو "التحصينات" التي لُقنت للأتباع أن توقف صاروخاً واحداً أو تمنع اختراقاً سيبرانياً. هذا الغياب للقدرة الخارقة في لحظة الحقيقة يثبت أن "الله" في هذه السردية لم يكن سوى أداة للتعبئة النفسية، وسيلة لإقناع "الحمير" (بالمعنى السياسي للاستلاب) بأن موتهم هو معبر لانتصار لن يروه، بينما الحقيقة هي أنهم كانوا وقوداً لمعركة خاسرة لم تحسب حساباً لمعايير القوة البشرية والتقنية.
علاوة على ذلك، فإن المأساة الإنسانية في غزة كشفت عن الجانب الأكثر قسوة في هذا الوهم العقائدي. فبينما كان الجمهور المتعاطف مع المحور الإرهابي ينتظر "صيحة من السماء" أو زلزالاً يدمر الخصم، كان الواقع يفرض جوعاً كافراً ومساً كاملاً للأرض. إن عجز "المحور الرباني" عن تأمين رغيف خبز لبيئته الحاضنة، وهو أبسط مقومات البقاء، يطرح تساؤلاً حول طبيعة هذا "الدعم السماوي" الذي يتحدثون عنه. هل من المنطقي أن يترك "الإله" فئته المنصورة تُباد وتجوع بينما ينعم خصمهم بالأمن والتفوق والقدرة على حماية شعبه؟ إن الإجابة المنطقية التي بدأت تترسخ في وعي الكثيرين هي أن هذا الله لم يكن موجوداً أبداً في هذه المعادلة إلا كصنم فكري صنعه نظام الولي الفقيه لضمان الولاء الأعمى. إن فكرة "الموت في سبيل الله" تحولت إلى "الموت في سبيل الوهم"، حيث يُدفع بالبسطاء إلى المحرقة بوعود غيبية، بينما يجلس المخططون في طهران يراقبون انهيار وكلائهم دون أن يحركوا ساكناً، ودون أن يجرؤ "إلههم" المدعى على تغيير مسار التاريخ المكتوب بلغة القوة والعلم.
لقد سقطت أسطورة "الشهادة" كفعل انتصار، لتتحول إلى دليل على الفشل الاستراتيجي والعمى السياسي. فالموت الجماعي الذي لحق بقيادات المحور، من صفوف الصف الأول إلى القواعد، لم يكن "ابتلاءً" كما يزعمون، بل كان نتيجة حتمية للتصادم مع واقعية الآلة الحربية الإسرائيلية التي تدافع عن أرضها بمنطق العصر. إن "المنتقم لشعبه" في هذه المعركة كان هو الإنسان المسلح بالعلم والتكنولوجيا، بينما كان "الشهيد" في المفهوم الممانع هو ضحية لغسيل دماغ ممنهج أقنعه بأن الصراخ والشعارات يمكن أن تهزم الطائرات الشبحية. هذا السقوط المروع للهيبة "الربانية" أثبت أن القوانين التي تحكم الكون هي قوانين المادة والذكاء والعمل، وأن السماء لا تمطر نصراً على من يسلمون عقولهم للخرافة ومن يتبعون أوامر نظام إرهابي مافيوي يتاجر بالمقدسات لتحقيق أطماع إمبراطورية.
إن السؤال عن "موت الله" في هذه السياقات ليس سؤالاً إلحادياً بقدر ما هو صرخة في وجه الدجل الديني الذي استعبد الشعوب. إن "الله" الذي غاب عن غزة وعن الضاحية وعن طهران في لحظات سحق قياداتهم هو في الحقيقة "إلههم المصطنع" الذي لا وجود له خارج غرف البروباغندا. لقد مات هذا الإله الزائف بمجرد أن انكشفت حقيقة أن "الفئة المنصورة" هي في الواقع "الفئة المهزومة" تقنياً وأخلاقياً وسياسياً. إن التبجح بـ "النصر الإلهي" وسط الركام والجثث هو نوع من الفصام العقلي الذي لم يعد ينطلي إلا على من أُلغيت عقولهم بالكامل. الحقيقة التي فرضت نفسها هي أن الأرض تُورث للأقوى علماً والأكثر دقة في التنفيذ، وأن "التحصينات" الوحيدة التي تنفع هي تلك التي تُبنى بالهندسة وليس بالأوراد الغيبية.
في الختام، إن ما جرى منذ السابع من أكتوبر هو عملية "تطهير معرفي" كبرى من أوهام المحور الإرهابي. لقد حسمت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والآلة الحربية الواعية المعركة ضد الخرافة، وأثبتت أن "المدد" الحقيقي يأتي من المختبرات ومراكز الأبحاث والتخطيط البشري المتفوق. إن سقوط قادة حماس وحزب الله وإيران بالتتابع، وغياب أي تدخل غيبي لإنقاذهم، هو الدليل القاطع على أنهم لم يكونوا أبداً "جماعة ربانية"، بل كانوا عصابات مسلحة تتبع نظاماً ديكتاتورياً غيبياً فشل في قراءة التاريخ وقوانين الواقع. إن الله، بمفهومه الحق، لا يمكن أن يكون شريكاً في إرهاب يقتل الأبرياء ويستخدم الشعوب كدروع بشرية، ومن هنا فإن غيابه عن نصرتهم هو أكبر دليل على زيف دعواهم. لقد انكسرت الأصنام الأيديولوجية، وبقي الإنسان وجهاً لوجه مع مسؤوليته عن قراراته، مؤكداً أن زمن "الاستحمار" باسم السماء قد انتهى أمام سطوع الحقيقة المادية التي لا ترحم الواهمين.




.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...