.
.
تمويل الدم: الإمبراطورية المالية الموازية لحزب الله وآليات تقويض السيادة الوطنية
تعتبر القدرة المالية لأي تنظيم أيديولوجي مسلح هي العصب الحيوي الذي يضمن استمرارية مشروعه السياسي والعسكري، وفي حالة حزب الله اللبناني، نحن أمام ظاهرة فريدة تجاوزت مفهوم "التمويل الحزبي" لتتحول إلى إمبراطورية اقتصادية عالمية عابرة للحدود، تُدار بعقلية المافيا المنظمة تحت عباءة العقيدة الدينية. إن بناء هذا الاقتصاد الموازي لم يكن مجرد وسيلة لتأمين رواتب المقاتلين، بل كان استراتيجية ممنهجة لإنشاء "دويلة مالية" صلبة تتغذى على نخر الدولة اللبنانية السائلة وتفريغ مؤسساتها من محتواها الرقابي. من خلال شبكة معقدة تشمل التمويلات الخارجية المباشرة، وتبييض الأموال، وتجارة المخدرات والكبتاغون، وصولاً إلى إنشاء مؤسسات مصرفية غير شرعية مثل "القرض الحسن"، تمكن الحزب من بناء نظام مالي مستقل تماماً عن رقابة البنك المركزي اللبناني، مما وفر له فائض قوة استخدمه لتثبيت هيمنته المطلقة على القرار الوطني اللبناني وتحويل البلاد إلى منصة لخدمة الأجندة الإيرانية الإقليمية.
تبدأ جذور هذه الإمبراطورية بالدعم المالي المباشر من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والذي يُقدر بمئات الملايين من الدولارات سنوياً، تُنقل غالباً عبر "الحقائب الدبلوماسية" أو الطائرات المدنية بعيداً عن أي تدقيق جمركي أو بنكي. هذا التدفق المالي الخارجي منح الحزب استقلالية تامة عن الدورة الاقتصادية المحلية في بداياته، لكن مع توسع طموحاته وتزايد الضغوط والعقوبات الدولية على طهران، انتقل الحزب إلى مرحلة "التمويل الذاتي" عبر الانخراط في أنشطة جرمية دولية. لقد أثبتت التقارير الاستخباراتية والقضائية الدولية أن الحزب يمتلك أذرعاً مالية في أمريكا اللاتينية، وأفريقيا، وأوروبا، تعمل في غسيل الأموال الناتجة عن تجارة الكوكايين والسلع المهربة، حيث يتم تدوير هذه الأموال عبر شركات واجهة ومكاتب صيرفة منتشرة في بيروت والضاحية الجنوبية، مما يخلق سيولة نقدية هائلة بالدولار تضخ في شرايين التنظيم بعيداً عن أي نظام تتبع مصرفي دولي.
إن الأخطر في هذا النظام المالي هو مؤسسة "القرض الحسن"، التي تمثل "المصرف المركزي الظل" للدويلة. هذه المؤسسة التي تعمل خارج أي إطار قانوني أو ترخيص من مصرف لبنان، تقوم بدور مصرفي كامل يشمل الإيداع والتسليف بضمانات الذهب أو الكفالات الحزبية. ومن خلال هذه المؤسسة، استطاع الحزب ربط شريحة واسعة من المجتمع اللبناني بـ "اقتصاده الموازي"، حيث يوفر قروضاً وسيولة في وقت تنهار فيه المصارف الشرعية وتُحتجز ودائع اللبنانيين. هذا السلوك يهدف إلى ضرب ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها الرسمية، وإجباره على اللجوء إلى "اقتصاد الميليشيا" كخيار وحيد للبقاء، مما يحول البيئة الاجتماعية إلى رهينة اقتصادية تدين بالولاء لمن يوفر لها الرغيف والسيولة، حتى لو كان مصدر تلك الأموال هو "تمويل الدم" الناتج عن الجرائم العابرة للحدود.
تعد تجارة المخدرات، وتحديداً حبوب "الكبتاغون"، الركن الأكثر ربحية وقذارة في إمبراطورية الحزب المالية المعاصرة. لقد تحول لبنان بفضل سيطرة الحزب على المرافئ والمعابر غير الشرعية إلى "دولة مخدرات" (Narco-state) بامتياز، حيث تُصنع هذه السموم في مختبرات محمية أمنياً وتُصدر عبر حاويات الفاكهة والبضائع إلى دول الخليج والعالم. إن العائدات السنوية لهذه التجارة تُقدر بمليارات الدولارات، وهي أموال "نظيفة" من وجهة نظر الحزب لأنها تُستخدم في "الجهاد"، بينما هي في الحقيقة سموم تدمر المجتمعات العربية وتمول آلة القتل في سوريا ولبنان واليمن. إن تغول الحزب في هذه التجارة يفسر إصراره على إبقاء الحدود مع سوريا مفتوحة وغير مراقبة، وتعطيله لأي محاولة رسمية لضبط المعابر، فكل فوضى حدودية هي ربح صافٍ لخزينة الدويلة ونقص في سيادة الدولة.
علاوة على ذلك، برزت تقارير تشير إلى تورط شبكات مرتبطة بالحزب في تجارة البشر وتهريب المهاجرين، مستغلة المآسي الإنسانية في المنطقة لجمع الأموال وتوسيع النفوذ. إن هذه الأنشطة الجرمية ليست حوادث معزولة، بل هي جزء من بنية "الاقتصاد الأسود" الذي يعتاش عليه الحزب. فالتنظيم الذي يدعي الطهرانية الدينية لا يجد حرجاً في الانخراط في أحط أنواع الأنشطة غير القانونية طالما أنها توفر "التمويل المستقل" الذي يحميه من تأثير العقوبات الدولية. هذا التمويل هو الذي سمح للحزب بالصمود عسكرياً والقدرة على شراء الولاءات السياسية داخل البرلمان والحكومة اللبنانية، حيث يُستخدم المال السياسي لإفساد الذمم وتعطيل القضاء، وخاصة في القضايا التي تمس مصالح الحزب المالية أو الأمنية.
إن الفساد المستشري في مؤسسات الدولة اللبنانية هو البيئة المثالية التي ترعرع فيها هذا الاقتصاد الموازي. لقد عمل الحزب على اختراق وزارات حيوية مثل الاتصالات، والأشغال، والصحة، ليس لتقديم الخدمات، بل لنهب ميزانياتها وتحويل عقودها إلى شركات واجهة تابعة له. هذا "النخر الممنهج" للمال العام أدى إلى إفلاس الدولة وإيصالها إلى حالة الانهيار الشامل التي نراها اليوم. فالحزب يستفيد من ضعف الدولة ليعرض خدماته كبديل، وفي نفس الوقت هو المحرك الأساسي لهذا الضعف عبر منع الإصلاح ومحاربة أي محاولة لفرض الشفافية والرقابة المالية. إن "الدولة السائلة" التي عجزت عن دفع رواتب موظفيها أو توفير الكهرباء، هي النتيجة الحتمية لوجود "دويلة صلبة" تسرق الكهرباء عبر التعليق غير الشرعي، وتتهرب من الضرائب عبر المعابر غير القانونية، وتدير اقتصاداً بمليارات الدولارات دون أن تدفع قرشاً واحداً لخزينة الدولة.
تتجلى الهيمنة الناتجة عن هذا الاقتصاد في قدرة الحزب على فرض "الأمن الذاتي" وحماية منظومته المالية بقوة السلاح. فعندما حاول القضاء اللبناني أو الأجهزة الأمنية في بعض المحطات الاقتراب من ملفات التهريب أو تبييض الأموال، كان الرد دائماً بالترهيب أو الاغتيال أو افتعال الفتن الداخلية. إن إمبراطورية المال هذه محصنة بجدار من النار، مما يجعلها فوق القانون وفوق المحاسبة. هذا الوضع أدى إلى هروب الاستثمارات الشرعية من لبنان وبقاء "استثمار الدم"، حيث لا يجرؤ أي رجل أعمال شريف على الدخول في منافسة مع شركات محمية من الميليشيا ولا تدفع جمارك ولا تخضع للرقابة الصحية أو المالية، مما أدى إلى تدمير القطاع الخاص اللبناني وتحويله إلى ركام يخدم مصالح الدويلة.
إن دور هذا الاقتصاد الموازي في تثبيت الهيمنة الإيرانية يتجاوز الحدود اللبنانية، فلبنان بات يُستخدم كـ "رئة مالية" للنظام الإيراني وللنظام السوري تحت وطأة العقوبات. تبييض الأموال في بيروت يخدم تمويل الحرس الثوري، والكبتاغون اللبناني يمول الميليشيات في العراق واليمن. إننا أمام "كونفدرالية إرهابية مالية" يشكل حزب الله فيها العقل المدبر والمحاسب الرئيسي. هذا الارتباط العضوي بالخارج يجعل من المستحيل فصل سلاح الحزب عن ماله، فالاثنان وجهان لعملة واحدة تهدف إلى إلغاء الكيان اللبناني وتحويله إلى مجرد مقاطعة مالية وأمنية تابعة للإمبراطورية الثيوقراطية في طهران.
إن الانهيار المالي الكبير الذي شهده لبنان منذ عام ألفين وتسعة عشر، كان "فرصة ذهبية" للحزب لتعزيز اقتصاد الظل. فبينما كان اللبنانيون يقفون في طوابير الذل أمام المصارف، كان الحزب يوزع الدولارات على عناصره وبيئته من خلال "ماكينات الصراف الآلي" الخاصة بمؤسسة القرض الحسن. هذا التباين هو أقصى درجات الإذلال الوطني، حيث تصبح الميليشيا هي "مانحة الحياة" بينما الدولة هي "مصلحة الجنازات". إن هذه الاستراتيجية تهدف إلى خلق مجتمع "منفصل واقعياً" عن الدولة، يدين بالفضل في وجوده المادي للحزب، مما يسهل عملية سوق الشباب نحو الجبهات الإقليمية كـ "مرتزقة عقائديين" يتقاضون رواتبهم من أموال المخدرات وتبييض الأموال.
ختاماً، إن "تمويل الدم" الذي تعيش عليه إمبراطورية حزب الله المالية هو العائق الأكبر أمام أي محاولة لاستعادة الدولة اللبنانية. لا يمكن بناء اقتصاد وطني معافى في ظل وجود ثقب أسود يبتلع مقدرات البلاد ويحرم الخزينة من مواردها الشرعية. إن مواجهة هذا التنظيم تبدأ من تجفيف منابع تمويله غير الشرعية وكشف شبكات تبييض الأموال وتجارة السموم التي يديرها. إن لبنان لن يبصر النور طالما أن "الدويلة الصلبة" تمتلك مفاتيح المال والسلاح، وطالما أن البنك المركزي اللبناني مغيب ومشلول أمام إمبراطورية الظل. إن استعادة السيادة المالية هي المدخل الحتمي لاستعادة السيادة السياسية، والاعتراف بأن هذا التنظيم هو منظمة جرمية مالية قبل أن يكون ميليشيا مسلحة هو البداية الضرورية للحل. إن دماء اللبنانيين وأرزاقهم التي نُهبت لصالح مشروع الولي الفقيه تصرخ مطالبة بالعدالة، ولن تتحقق هذه العدالة إلا بإنهاء هذا "الاستعمار المالي" الذي حول لبنان من سويسرا الشرق إلى معقل عالمي لتجارة الدم والسموم والفساد العابر للحدود.
.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire