.
ملحمة الفرص الضائعة: كيف تحولت الدولة الفلسطينية من مشروع سياسي إلى تجارة شعارات
يمثل التاريخ السياسي للقضية الفلسطينية حالة فريدة من نوعها في سجلات الحركات الوطنية العالمية، حيث تبرز بوضوح مفارقة عجيبة تتمثل في التناسب العكسي بين حجم الفرص المتاحة وبين القدرة على استثمارها. فبينما تسعى الشعوب عادة لاقتناص أنصاف الفرص لبناء كياناتها الوطنية، تكشف القراءة الفاحصة للمسار الفلسطيني منذ بدايات القرن العشرين وحتى اليوم عن نمط متكرر من الرفض الممنهج لكل التسويات الممكنة. هذا السلوك السياسي لم يكن مجرد سوء تقدير عابر، بل تحول بمرور الوقت إلى استراتيجية قائمة بذاتها تهدف إلى استدامة الصراع بدلاً من حله، وذلك لارتباطه الوثيق بمصالح نخبوية استفادت من تحويل "المظلومية" إلى رأس مال سياسي ومالي يدر أرباحاً طائلة على حساب مستقبل الأجيال. إن القول بأن الفلسطينيين لم يتركوا فرصة إلا وأضاعوها ليس مجرد عبارة بلاغية، بل هو توصيف دقيق لواقع تم فيه تفضيل الشعارات الحماسية والوعود الطوباوية برمي الآخر في البحر على بناء مؤسسات دولة حقيقية فوق أرض الواقع، مما جعل من الفشل سمة هيكلية في مسيرة القيادة الفلسطينية عبر العقود.
تبدأ فصول هذه الملحمة من الضياع في وقت مبكر جداً، وتحديداً مع مقترحات لجنة بيل البريطانية في عام ألف وتسعمائة وسبعة وثلاثين، وهي اللحظة التي كانت تمثل فرصة ذهبية لتأسيس نواة دولة عربية فلسطينية على مساحة شاسعة من الأرض. في ذلك الوقت، كان المشروع الصهيوني لا يزال في بداياته، وكانت بريطانيا مستعدة لمنح العرب الجزء الأكبر والأكثر خصوبة من فلسطين التاريخية. ومع ذلك، اختارت القيادة الفلسطينية آنذاك، بزعامة المفتي أمين الحسيني، رفض العرض جملة وتفصيلاً، مفضلة الدخول في مواجهة خاسرة تحت شعار الكل أو لا شيء. هذا الرفض الأول لم يكن سوى فاتحة لسلسلة من القرارات الكارثية، حيث تجلى في تلك اللحظة عجز النخبة الفلسطينية عن فهم موازين القوى الدولية، وغلبة العاطفة الغوغائية على المنطق السياسي البراغماتي. بدلاً من قبول الدولة المتاحة والبناء عليها، تم دفع الجماهير نحو صدام عسكري لم تكن مهيأة له، مما أدى في النهاية إلى إضعاف الموقف العربي ومنح الطرف الآخر فرصة لتقوية ركائزه في غياب أي بديل سياسي فلسطيني منظم.
تكرر المشهد بشكل أكثر مأساوية في عام ألف وتسعمائة وسبعة وأربعين مع صدور قرار التقسيم رقم مائة وواحد وثمانين عن الأمم المتحدة. كان هذا القرار يمنح الفلسطينيين شرعية دولية غير مسبوقة لإقامة دولتهم على ما يقارب نصف مساحة الأرض، مع ضمانات اقتصادية واتصال جغرافي معقول. ورغم أن القرار لم يكن مثالياً من وجهة نظر عربية، إلا أنه كان يمثل المخرج الوحيد لتجنب نكبة محققة. ولكن، وبدلاً من استيعاب الدرس من ضياع فرصة عام سبعة وثلاثين، اندفعت القيادات الفلسطينية مدعومة بوعود كاذبة من الأنظمة العربية نحو حرب شاملة. كانت النتيجة الحتمية هي الهزيمة التي أدت إلى فقدان الأراضي التي كانت مخصصة للدولة الفلسطينية أصلاً، حيث تقاسمتها إسرائيل والأردن ومصر، بينما وجد الشعب الفلسطيني نفسه بلا أرض وبلا قيادة مسؤولة، ليبدأ مسلسل اللجوء الذي استثمرت فيه القيادات لاحقاً لابتزاز الضمير العالمي دون تقديم حلول حقيقية. إن الرفض الفلسطيني لقرار التقسيم يظل الشاهد الأكبر على غياب الرؤية السياسية، حيث تم التضحية بالدولة الممكنة من أجل حلم مستحيل، وهو نمط سيستمر في تكرار نفسه بأسماء وأشكال مختلفة.
بعد عقود من التيه والحروب العبثية، جاءت محطة كامب ديفيد في عام ألف وتسعمائة وثمانية وسبعين لتقدم مخرجاً واقعياً تحت رعاية الرئيس المصري أنور السادات. عرضت الاتفاقية آنذاك صيغة للحكم الذاتي الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة كخطوة انتقالية تؤدي في النهاية إلى تقرير المصير. كانت هذه الفرصة كفيلة بتجنيب المنطقة ولبنان تحديداً ويلات الحروب التي اندلعت لاحقاً، وكانت ستسمح للفلسطينيين ببناء كيانهم وهم في وضع أقوى مما صاروا عليه لاحقاً. لكن ياسر عرفات، الذي كان يخشى فقدان بريقه كقائد ثوري يطوف العالم ببدلته العسكرية، اختار تخوين السادات ورفض العرض. لقد فضل عرفات البقاء في بيروت كقوة خارجة عن القانون، مما جلب الدمار للبنان وانتهى بخروج المنظمة ذليلة من بيروت في عام اثنين وثمانين. هذا الرفض لم يكن بدافع الحفاظ على الثوابت كما ادعت البروباغندا الفلسطينية، بل كان بدافع الحفاظ على مصالح المنظمة ككيان موازٍ يتلقى التمويلات الخارجية، حيث إن قيام حكم ذاتي منظم كان سيعني خضوع القيادة للمساءلة والمحاسبة المالية والإدارية، وهو ما يهرب منه قادة الفصائل تاريخياً.
تجلت قمة العبث السياسي في عام ألفين خلال قمة كامب ديفيد الثانية بين ياسر عرفات وإيهود باراك برعاية بيل كلينتون. في تلك اللحظة، قدمت إسرائيل عرضاً تاريخياً غير مسبوق، تضمن الانسحاب من أكثر من تسعين بالمائة من الضفة الغربية وكامل قطاع غزة، مع حلول إبداعية لمسألة القدس واللاجئين. شهد كلينتون وجميع الحاضرين أن عرفات لم يكن لديه النية للوصول إلى اتفاق، وأنه لم يقدم أي عرض مقابل بل اكتفى بالرفض والمماطلة. عاد عرفات ليشعل شرارة الانتفاضة الثانية، محولاً المدن الفلسطينية إلى ساحات حرب انتحارية، مما أدى إلى تدمير كل ما تم بناؤه في سنوات أوسلو القليلة. إن الهروب من استحقاق الدولة في عام ألفين يثبت أن القيادة الفلسطينية تعاني من فوبيا السلام، لأن السلام ينهي مبرر وجودها كقيادة "مقاومة" ويجبرها على مواجهة تحديات الإدارة والاقتصاد ومكافحة الفساد. لقد فضل عرفات الموت بصورة "البطل المحاصر" على العيش بصورة "رئيس الدولة" الذي يحاسبه شعبه على الخدمات والتعليم، تاركاً خلفه ثروات بمليارات الدولارات في حسابات سرية بينما يغرق شعبه في الفقر والدمار.
لم يتوقف مسلسل إضاعة الفرص عند عرفات، بل استمر مع محمود عباس الذي أضاع في عام ألفين وثمانية عرضاً من رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت كان يمثل أفضل ما يمكن أن يحلم به أي فلسطيني واقعي. عرض أولمرت انسحاباً شبه كامل مع تبادل أراضٍ مدروس وسيادة دولية على المناطق المقدسة. وبدلاً من التوقيع، غادر عباس طاولة المفاوضات ولم يعد، متذرعاً بحجج واهية عن ضعف موقف أولمرت القانوني. الحقيقة هي أن عباس، ومثله مثل سلفه، كان يخشى مواجهة الجماعات الراديكالية كحماس، وكان يفضل استمرار الوضع القائم الذي يضمن له ولأبنائه السيطرة على مفاصل الاقتصاد الفلسطيني والمساعدات الدولية. هذا الفشل المزمن في اتخاذ قرارات شجاعة يظهر أن القيادة الفلسطينية لم تكن يوماً ناضجة بما يكفي لإدارة دولة، بل هي نخب تجيد فقط العيش في المناطق الرمادية، حيث تزدهر تجارة الشعارات وتتضخم الحسابات البنكية في سويسرا وقطر وباريس، بينما يتم شحن الشباب الفلسطيني بأوهام النصر الزائف لضمان ولائهم الأعمى.
في السنوات الأخيرة، ظهرت "صفقة القرن" كعرض اقتصادي وسياسي ضخم كان يهدف إلى نقل المنطقة من صراع القرن العشرين إلى آفاق القرن الحادي والعشرين. تضمن العرض استثمارات هائلة وخطة تنمية شاملة كان يمكن أن تحول الأراضي الفلسطينية إلى مركز اقتصادي في المنطقة. ومع ذلك، جاء الرد الفلسطيني بالرفض التقليدي، ليس من أجل مصلحة الشعب، بل لأن الخطة كانت تطالب بإنهاء ثقافة التحريض وإصلاح المؤسسات المالية والسياسية. إن رفض الفلسطينيين لكل هذه الفرص عبر قرابة قرن من الزمان يؤكد حقيقة مرة، وهي أن هذه القضية تحولت من قضية أرض إلى قضية "ارتزاق". فالفشل في تكوين دولة ليس ناتجاً عن غياب الفرص، بل عن وجود مصلحة حقيقية في عدم قيام هذه الدولة. فالدولة تعني حدوداً، والحدود تعني نهاية التهريب والعمولات غير القانونية، والدولة تعني قانوناً، والقانون يعني نهاية سطوة المليشيات والقادة الذين يتصرفون كأمراء حرب. إن الشعب الذي يقاد بآلة إعلامية تغسل الأدمغة صباحاً ومساءً بشعارات المظلومية والضحية، يجد نفسه في النهاية ضحية لقياداته قبل أي طرف آخر، تلك القيادات التي نجحت بامتياز في شيء واحد فقط: تحويل "فشل فلسطين" إلى أنجح مشروع استثماري خاص في التاريخ المعاصر.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire